الآن
الرئيسية / تحقيقات / المسرح السّخيف.. قذارة بشّار الكيمياوي حاضرةٌ في لاهاي

المسرح السّخيف.. قذارة بشّار الكيمياوي حاضرةٌ في لاهاي

جلال بكور/

حكايات ستبقى في أنفاس أهالي دوما المليئة بذكريات الموت خنقًا بالغاز السام، مُهجّرين من ديارهم، بعد تخاذل من تخاذَل عن نصرة قضيتهم التي تعد قضية الشعب السوري وكل باحث عن الحرية.

وبينما يسعى نظام الأسد الكيمياوي ومن خلفه روسيا لطمس آثار تلك الجريمة، وتحوير الحقائق عبر مسرحية في لاهاي، التي من المفترض أن يكون فيها بشار الأسد وأركان نظامه أمام المحاكمة العادلة تمهيدًا للقصاص، يروي الشهود المهجّرون لـ”صدى الشام” ما عاشوه في تلك الليلة التي سبقت تهجيرهم بسويعات، ويفنّدون أكاذيب النظام وحلفائه، على أمل أن يُسمِع صوتهم من أصمَّ أذنيه عن نصرتهم لسنوات.

 

نجوا من الموت

 

قال “أبو بشار”، 50 عامًا، لصدى الشام إن الطّيران كان يملأ السماء، أسقط قذيفتين بين باب الملجأ ومكان السقوط خمسة وعشرين مترًا فقط، خرج من الملجأ شاب ليتفقّد مكان الضربة لكنه فوجئ بأن القذيفتين لم تنفجرا، وبدأ بالصراخ كيمياوي كيمياوي، ليهرع معظم من في الملجأ إلى الأعلى، هنا بدأت الناس بالسقوط، الشباب قالوا يجب الصعود مباشرة إلى الأبنية العائلة لأن الغاز سيهبط إلى الأماكن المنخفضة، هناك أطفال لم يتمكنوا من مغادرة الملجأ ومعظمهم فقَدَ حياته.

“بدأنا بإسعاف من كان عند الباب، في الأسفل قتلت امرأة وأطفالها مباشرة، بعد مدة قصيرة بدأتُ أشعر بالدوار ولم أتمكن من إكمال مهمة الإسعاف”، يضيف أبو بشار “كان أصعب شيء عدم التمكن من مساعدة الأطفال، أصيب أحد أطفالي وبدأ الزبد يخرج من فمه، إلا أنه لم يفقِد الحياة.”

بشار زياد كان في ملجأ آخر، وأصيب بجروح في قصف سابق من النظام وفقَدَ إصبع يده، يقول لـ”صدى الشام” عندما سمعنا الصراخ وقالوا كيمياوي كيمياوي هربنا مباشرة إلى مكان عال، ركض معظم الشباب إلى مكان القصف كان هناك مصابون يخرج الزبد من أفواههم، هناك أيضًا من فقدوا حياتهم، حملنا المصابين إلى مركز الإسعاف بدؤوا برش الماء عليهم طلبوا منا مغادرة المكان فورًا، بعد خروجنا لم أتمكن من السير واستيقظت لاحقا بعد رش الماء فوقي”.

عمار دوماني “16 عاما” كان في الملجأ عندما سمع أصوات صراخ الناس بأن النظام قصف المنطقة بالغاز الكيميائي وهناك إصابات، خرج مسرعًا من الملجأ نحو الشارع مع المختبئين، كان القصف متواصلاً، عند باب الملجأ سقط العديد من الأطفال أصابهم الغاز وبدؤوا بالسعال وسحب النفس بصعوبة.

يقول عمار لـ”صدى الشام” لم نتمكن من الوصول إلى النقطة الطبية مباشرة أصبت لاحقًا لكن إصابتي لم تكن شديدة، معظم الضحايا كانوا من الأطفال، مشيرًا إلى أن الضحايا كان معظمهم ممن بقي في قبو الملجأ.

وقال نزار أبو طالب إنّه أصيب مباشرة عند توجهه إلى مكان القصف واستيقظ بعد نصف ساعة من رش الماء على جسده، بقي الألم في عينيه وصدره مدة ساعة ونصف، وبقي على الأوكسجين، مدة طويلة، وفق ما أفاد به لـ”صدى الشام”.

وقال محمد أبو جاسم 32 عامًا ولديه طفلان، إن طائرتي هيلوكبتر بدأتا بقصف دوما عند الساعة السادسة مساء، ثم نزل صاروخان لم ينفجرا، يضيف لـ”صدى الشام”: “سمعت صوتًا يشبه صوت خروج الهواء من ثقب عجلة السيارة، هرعت كي أرى، لحق بي شاب من أبناء الجيران، صرخ مباشرة، كلور، كيمياوي.”

كان هناك 12 عائلة في الملجأ، وهناك أيضًا في المنطقة ملجآن آخران، بدأ الجميع بالخروج، أصيب العديد معظمهم أطفال، يتابع محمد أبو جاسم قائلاً إن النظام بدأ هنا بالقصف العنيف، بعد هدوء القصف قليلاً، تمكّن الدفاع المدني من القدوم إلى المنطقة، توفي ثلاثة أطفال وأمهم بقوا في الملجأ وهناك أيضًا عائلة توفيت في القبو الآخر، فيما قتل كل من كان في القبو الثالث، مضيفًا: “كان هناك مادة لونها أصفر مائل إلى الاخضر يرجح أنها مادة غاز الكلور السام، ويعتقد أن النظام أطلق قذيفة تحوي السارين واخرى الكلور.”

أم محمد أيضًا نجتْ من الموت بالغاز السام، وتحدثت لـ”صدى الشام” عن وفاة طفلة قريبها وزوجته وأمه اختناقًا، طفلتها أيضًا أصيبت بمرض والتهاب مزمن وفق ما قاله الأطباء نتيجة تعرضها للغاز السام،  وأوضحت أنها خرجت من القبو مع أطفالها مباشرة عندما سمعت الناس يصرخون بوقوع القصف، حيث شعروا برائحة كريهة، عند فرارهم.

وقال أبو جمعة الذي وصل مع بقية الشهود إلى مخيمات المهجرين في ريف حلب، لقد فقدنا السيطرة على أعصابنا، المحيط كله كان بحالة مزرية، لم نتمكن من المشي، أردنا إسعاف المصابين، فبتنا بحاجة لمن يسعفنا، لا يمكن أن نصف هناك شيء يبكي الحجر، عيون الأطفال كانت تدمع وأفواههم مليئة بالزبد.

 

تطابقت إلى حدّ كبير أقوال جميع الشّهود النّاجين من المجزرة، وأكدوا أن معظم من قتل هم من بقوا في الأقبية ولم يخرجوا منها خوفا من القصف المستمر

 

شهود الزّور في لاهاي

شهود زور، بإرادتهم أو رغمًا عنهم، نقلهم الأسد برعاية روسيا من الغوطة الشّرقية إلى مقر منظمة حظر الأسلحة الكيميائيّة في لاهاي، تلك الخطوة لاقت رفضا من قبل بعض الدول ووصفتها بالمسرحيّة، وبعد رفض لجنة التفتيش التابعة للمنظمة مقابلة الشهود الذين قام النظام بتجهيزهم في دوما، قام بنقلهم إلى لاهاي.

وقام النظام بعرض طفل يدعى حسن دياب البالغ من العمر 11 عامًا على أنه من الغوطة، وزعم أنه دخل إلى مستشفى بعد الهجوم، وقال إنهم بدؤوا بصب الماء عليه في المستشفى دون أن يعرف السبب.

وقالت مصادر لـ”صدى الشام” إن الطفل الذي ظهر في لاهاي يرجح أنه تعرض للإصابة مع والدته في الهجوم، وقام النظام بحجزهم، وتهديدهم، موضحًا أنه قام أيضا بحجز معظم من كان شاهداً على المجزرة والهجوم.

أما بالنسبة للأطباء الذين ظهروا فمنهم من لم يكن متواجدًا في دوما عند وقوع الهجوم، وظهر أحد الأطباء “أحمد السّعور” وهو دكتور عظمية كان متواجدًا في مركز طبي بالقرب من موقع الهجوم، وأدلى بشهادة أن الإصابات التي تعرض لها الأطفال كانت نتيجة استنشاق غبار القصف، وظهر عليه الارتباك خلال حديثه.

وأكدت مصادر لـ”صدى الشام” أن النظام أقحم بين “الشهود” عناصر هم من سكان دوما، وكانوا قد غادروها قبل شهود من وقوع الحصار على الغوطة.

ولم يستح النظام وروسيا من توجيه الاتهام خلال جلسة المؤتمر إلى منظمة “الخوذ البيضاء” التي تعمل على إنقاذ الضحايا من نيران قواته في معظم أنحاء سوريا.

وعلمتْ صدى الشام من مصادرها التي تعمل على جمع الشهود تحضيرا لجلسة في لاهاي، أنّ النظام نقل واحدًا وخمسين شخصًا إلى لاهاي ومن بين “الشهود” الذين ساقهم : “ د. محمد ممتاز الحنش،  د. بشار نصرالله، د. محمد عيون، د. محمد داوود، د. فيصل الترك،  د. عبير حوا، د. عنان البعلي، د. غسان التكلة، د. يوسف هارون، د. محمد ضياء الشيخ بكري،  د. ياسر عبد المجيد، د. حسان عيون، المخبري سعيد الدعاس، الطالب في العناية المركزة خليل الجيش،  لوجيستي إسعاف في الهلال الأحمر أحمد الساعور، لوجيستي إسعاف أحمد قشوع، الممرض موفق النسرين”

ودعمًا لمزاعمه نقلهم الأسد ليقوموا بنفي الهجوم الكيميائي من أصله، وذلك بعد أن قامت روسيا باتهام المعارضة بتنفيذ الهجوم، ثم اتهمت المعارضة بمنع لجنة التفتيش التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والمفارقة أن قوات المعارضة كانت قد غادرت الغوطة قبل ذلك بأيام.

وخلال الجلسة المسرحية رفضتْ بريطانيا الخطوة وقال مبعوثها إلى المنظمة بيتر ويلسون في بيان “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ليست مسرحًا” مضيفًا: “قرار روسيا إساءة استغلال المنظمة محاولة روسية أخرى لتقويض عملها، لا سيما عمل بعثتها لتقصي الحقائق التي تحقق في استخدام الأسلحة الكيمياوية داخل سوريا”.

ووصف مبعوث فرنسا إلى المنظمة فيليب لاليو عرض النظام لهؤلاء في لاهاي بأنه “مكشوف”، وقال بحسب رويترز “لا يُعتبر هذا الأمر مفاجئًا من قبل الحكومة السورية التي ارتكبت مجازر في حق شعبها وقتلتهم بالغاز خلال السنوات السبع الماضية”.

النّظام وحليفته روسيا نقلوا واحدًا وخمسين شخصًا إلى لاهاي من بينهم أشخاص لم يشهدوا على تلك المجزرة، وأشخاص ليسوا من أهالي دوما.

 

تحقيق في الهواء

قال الخبير الألماني في شأن الأسلحة الكيميائية رالف تراب إن هناك عدة خطوات يجب تنفيذها للإثبات أن النظام هو من قام بالهجوم، عبر طائرات الهيلوكيبتر التي رمت براميل تحوي مواد سامة.

وأشار إلى أن تلك الخطوات تتمثل في وصول لجنة تفتيش مؤلفة من ثلاثة أشخاص على الأقل لتقوم بمعاينة مكان وقوع الهجمة، ولقاء الشهود، مضيفًا في حديث مع الوكالة الألمانية للأنباء، يستند التحقيق في المقام الأول على الوصول إلى مكان العملية، وهذا بالطبع في سوريا لا يمكن إنجازه في الوقت الحالي في كثير من الحالات، بسبب القتال الجاري هناك.

وأشار إلى أنه إذا استطاع المرء الدخول وكمجموعة متكونة من ثلاثة أشخاص فيتم تشكيل فريق تفتيش، ويتم سماع شهادات شهود العيان وضحايا العملية، ويحاول المرء التحدث مع الأطباء الذين عالجوا الضحايا لمعرفة ماذا جرى أو لإعادة رسم ماذا جرى.

وأيضًا لمعرفة أية مواد ربما استخدمت في القتال، وما هي الخلفيات، ويمكن للمرء أخذ عينات بيئية أو عينات بيولوجية من الضحايا والتي يتم فحصها فيما بعد لمعرفة المواد التي ربما استعملت في القتال، وعندما يحصل المرء على عينات من الأسلحة، فأنه يتم فحصها بكل تأكيد لمعرفة مكوناتها، و مصدرها أو مركز صناعتها.

لكن الخطوات التي ذكرها الخبير الألماني لم تفت على نظام الأسد، وعلى الرغم من أنه غير متقن في عملية إخفاء الجريمة، إلا أن التخاذل من المجتمع الدولي عن عقابه يوحي بذلك.

وقال عضو مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا “وسيم خطيب” لـ”صدى الشام” إن النظام بعد دخله إلى دوما برعاية روسية قام بنقل جثث الضحايا وإخفائها في مكان مجهول، كما قام بتغيير معالم المكان الذي تم استهدافه.

وأكد أن نظام الأسد قام بتغيير التربة في المنطقة الزراعية قرب المباني المستهدفة، وقام بإلهاء لجنة التفتيش ريثما يقوم بتغيير مسرح الجريمة.

وأكد “وسيم خطيب” أن النظام بالتعاون مع الشرطة العسكرية الروسية نقل الشهود والناجين من المجزرة، إلى مكان آخر خارج الغوطة تحت تهديد السلاح.

وأضاف أن النظام قام بنقل ذوي الضحايا الذين قضوا في المجزرة إلى مكان مجهول بعد حجزهم والتهديد بقتل أطفالهم، وذلك بهدف منعهم من التواصل مع لجنة التفتيش والإدلاء بشهادات حول المجزرة.

ولم يكتف النظام بذلك بل قام بتحضير العديد من عملائه في المدينة كي يدلوا بشهادات زور أمام لجنة التفتيش وقدّمهم عند دخول اللجنة إلى دوما، على أنهم حضروا في ذلك الوقت ولم يكن هناك هجوم أو قتلى، إلا أن اللجنة لم تتحدث إليهم والنظام لم يسمح للجنة في الدخول إلى موقع الجريمة إلا بعد تغيير كافلة ملامحه.

وأضاف أنه في ظهر يوم 21 نيسان/ أبريل في مدينة دوما زار موقع الجريمة لجنة التفتيش التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والجريمة وقعت في مساء اليوم السابع من نيسان، أي قبل أربع عشر يوماً من دخول اللجنة إلى موقع الجريمة، وربّما هي مدة كافية ليقوم بها النظام بتغيير ملامح موقع الجريمة، وإخفاء الدلائل، وأكد أيضًا لو أن دوما لم تتعرض فعلاً لهجوم كيميائي لما منع النظام وروسيا لجنة التفتيش من الدخول مباشرة إلى الموقع.

 

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

one × one =