الآن
الرئيسية / مجتمع / دليل اللاجئ السوري / اللجوءُ المر والعمل في لبنان..حقوقُ مستباحة وطفولةٌ موؤودة

اللجوءُ المر والعمل في لبنان..حقوقُ مستباحة وطفولةٌ موؤودة

عمار الحلبي/

في غرفة صغيرة محشوّة بما تسميه أم سراج بـ “أثاث مريح”، مع أنه لا يشبه الأثاث في شيء، ومزدحمة بالتعب والغربة وضجيج شكوى أربعة أطفال لا يجدون متسعاً للحركة أو اللعب، يجلس سراج الحسن، 13 عاماً، على كرسي بلاستيكي متكئًا على حافة النافذة بوضع يصطنع فيه دور الرجل المسؤول والجديّ، والقادر رغم صِغر عمره على رواية تفاصيل العمل القاسي وصعوباته.

“هذه الورشة الجديدة أسوأ من سابقتها، فصاحبها السمين لا يترك فرصة إلا ويُسمعني كلاماً سيئاً، بالرغم من أنني أفضل من يعمل عنده. لم يكن علي أن أترك الورشة السابقة، لكن الراتب هناك لم يعد يكفي، والزبائن قلّ عددهم” يقول سراج وهو يتنهّد كالرجال.

هرب سراج من درعا إلى لبنان مع عائلته بعد مقتل والده في سوريا خلال المعارك ضدّ نظام الأسد وميليشياته

يعمل سراج، القادم من مدينة درعا السوريّة والمقيم مع عائلته كلاجئ في لبنان، في ورشة للسيارات في أطراف العاصمة اللبنانية بيروت، بعد أن تنقّل بين أكثر من ثمانية ورشات سابقة، اكتسب خلال العمل فيها خبرة في غيار زيت السيارات وتصليح مكيفاتها وبعض أعمال الميكانيك، لكنه تعرض خلالها أيضاً لكل أنواع الإهانات والتجريح وسوء المعاملة الذي وصل في حالات كثير إلى الضرب.

وفي محاولة لا إرادة للهروب من التحدّث حول خسارته لدراسته وافتقاده لحياة الطلبة، يدير عند أول فرصة دفّة الحديث ليعود للتأكيد على أنه قد اختار بنفسه طريق العمل لا الدراسة: “لقد حاولت في السنة الأولى للجوئنا منذ خمس سنوات أن أدرس في أحد الصفوف التي افتتحتها إحدى الجمعيات، لكن الحالة المادية أجبرتني على ترك الدراسة بعد أقل من ستة أشهر، والبحث عن العمل” يتحدّث سراج وكأنه يخاطب نفسه ويسترجع في ذاكرته تلك الأيام، ثم يأخذ وضعية المعيل من جديد لتتغير نبرة صوته ويتابع: “كان يجب، علي أن أفعل ذلك، وإلا اضطررت وأخوتي إلى التسوّل أو النبش في مكبات الزبالة كما يفعل أبناء جيراننا أحياناً. أما نحن، والحمد لله، فاستطعنا بعملي وعمل أمي أن ندفع إيجار هذه الغرفة ونشتري طعامنا دون الحاجة إلى أحد”.

يقول سراج إنّ العمل أفضل من البحث في القمامة، وهي عمليّة اضطرّ إليها بعض اللاجئين بسبب الفقر وقلّة فرص العمل في لبنان

تتنقل أم سراج أيضاً منذ قدومها إلى لبنان بين عمل مؤقت وآخر، حتى استقر بها المطاف أخيراً في ورشة صغيرة للخياطة، حيث تعمل فيها منذ حوالي سنة، لكنها لم تحصل على عقد عمل نظامي، وهي بالتالي، كما ابنها البكر، محرومة تماماً من أية حماية قانونية أو تأمين صحيّ.

“قبل الثورة في سوريا، كنت أساعد زوجي في العمل في الأرض ولم أضطر يوما إلى العمل خارج المنزل، ومع بداية الثورة وتحولّها إلى السلاح تغيّر كل شيء في حياتنا، حيث انضم زوجي إلى المقاتلين ليستشهد في بداية 2013 بعد أن خسرنا منزلنا ونزحنا من قريتنا، لننزح بعدها مع أهل القرية باتجاه لبنان.

لم نكن نعرف أحداً هنا لكنني كنت أملك بعض الذهب الذي بعته لنستطيع تأمين الأشهر الأولى، بعد ذلك بدأت بالبحث عن مصدر دخل لأعيل أسرتي فبدأت في العمل في البيوت وتحمّلت كل أنواع الإهانات والتحرّش مما أجبرني على الانتقال للعمل من بيت إلى آخر، حتى عثرت بالصدفة على هذا العمل الحالي”، تتحدث أم سراج بلغتها البسيطة الممزوجة بالألم، وتتابع: “بالرغم من الراتب القليل جدا والعمل المجهد، إلا أن هذا العمل أفضل بكثير من سابقه، إذ أنني ارتحت على الأقل من التعرض لمضايقات الرجال ومحاولاتهم استغلال حاجتي. أما موضوع التأمين الصحي والحماية القانونية فأنا لا أعرف عنهم الكثير، لكنني لا أعتقد أنني قد استطيع إيجاد عمل أفضل من مشغل الخياطة هذا، وسأتحمّل مساوئه طالما هو متوفر”.

يتدخل سراج ليقاطع أمه قائلاً: “على الأقل أمي لا تعمل في مكان خطر، اما أنا ففي إحدى الورش السابقة، سقطت واحدة من الآلات الثقيلة على قدمي فكسرتها عند الكاحل، لكن “المعلّم” لم يقبل أن ينقلني إلى المشفى وأحضرني للبيت، وقد عالجتني إحدى جاراتنا، وهي لاجئة سورية أيضاً تتقن الطب العربي. وعندما عدت إلى الورشة بعد أسبوع لم يستقبلني صاحبها وطردني من العمل”.

يعاني سراج حاليا من آلام في عموده الفقري إضافة إلى الألم الدائم في كاحل قدمه المكسور وغير المعالج، لكنه يعمل رغم ذلك، لثماني ساعات يومياً ولستة أيام في الأسبوع، براتب لا يناسب العمل بربع هذا الوقت، لكنه يردد دائماً بأنه “سيعمل بهذا الشكل طوال حياته إذا كان البديل هو التسوّل أو التشرّد في الطرقات لأي فرد من أسرته”.

وبالرغم من كل ادعاءاته بالنضج والرجولة، فإن طفولة سراج البادية على ملامحه تكشف عن طفل تماهى مع لعبة الكبار لكنه يتوق في أعماقه إلى التخلّص منها والعودة إلى تلك المرحلة التي فقدها من حياته.. طفولته.

ويمثل سراج وعائلته آلاف السوريين النازحين واللاجئين إلى لبنان هربًا من بطش نظام الأسد، ويتعرضون إلى انتهاكات وتصرفات عنصرية من قبل بعض الأطراف السياسية والمؤيدين لنظام الأسد.

 

شاهد أيضاً

إعادة اللاجئين السّوريين من لبنان إجراء “تمييزي وغير قانوني”

في خطوة وصفت بأنها غير قانونية جرت بين نظام الأسد والسلطات اللبنانية، تم إعادة مئات …

10 آلاف سوري عادوا من تركيا إلى إدلب

عاد نحو 10 آلاف لاجئ سوري من تركيا، إلى المناطق الآمنة شمالي سوريا خلال الأيام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

six + fifteen =