الآن
الرئيسية / رأي / ويحدُث في الغوطة

ويحدُث في الغوطة

صدى الشام _ غالية شاهين/

في حضرة الدم المستباح والحياة المتخمة بالموت حتى الثمالة، تنهدم هذه الهوّة الجوفاء بين زهو “الانتصار” وانكسار “الهزيمة”، فتصبح الكلمتان ترفاً فارغاً من المعنى، يتباهى بإطلاقهما سفهاء لا يملّون لعب دور القضاة العارفين بكل شيء، يختارون بينهما تبعاً للموقع الذي قادتهم إليه ولاءاتهم المريضة أو نرجسيّتهم المنتفخة، لينعت بعضهم أهل الغوطة السورية بالمهزومين، بينما يكلّلهم البعض الآخر بتيجان وهميّة لا تزيدهم إلا عجزاً.

في الحضور الكثيف للدم والموت واليأس والرغبة المشروعة بالحياة، يحدث في غوطة دمشق أن تُساق الأشجار إلى المقصلة، جارّة خلفها عطشها وابتهالات أغصانها المدمّاة. يحدث أن تُقتلع أجساد أهلها المنهكة، ليس من عطش وجوع حصار طويل، بل من تخمة بالقهر والخذلان المكوّم منذ خمس سنوات، في جنبات أرواح لم تعُدْ تؤمِن أن للإنسانيّة روابط أخرى غير المصالح.

يحدث أن تنتهي قصص صمود حقيقي بكل ما يمكن أن تحمله الكلمة من إرادة للحياة وإصرار عليها، من تمسّك بالأرض وبشعلة الثورة داخل الصدور، من اعتزاز بالقدرة على رفض الاستسلام للموت القادم من كل جهات الله ومقاومته بخلق الحياة من رحمه؛ ذلك الصمود الإنساني الأهمّ ألف مرة من المعنى الضيّق للحفاظ على الجبهات أو الاقتتال على السلطة.

من صمدَ في الغوطة هم أهلها الطيبون، ومن كُسر في الغوطة هم أهلها الطيبون.

ليست الغوطة الدمشقيّة أول المناطق السوريّة التي دُمّرت عن بكرة أبيها وحُكم على سكانها بالتهجير القسريّ المرّ، ولن تكون الأخيرة. لكنّ حواف جرحها الموغل في العمق غطّت على كل جراحنا السابقة، وقد لا تستطيع جراحنا القادمة التغطية عليها.

في سوريا الوجع، ما تزال المدن الحزينة ترقص بأثواب حدادها كطيور مذبوحة واحدة بعد الأخرى، وترسم بأقدامها النازفة ملامحها التي ستعرضها كتب التاريخ ذات يوم. تكتب أسماءها حرقاً على وجه هذا العالم المتبلّد، وتقتطع من أرواحنا زوّادة لرحيلها الأخير.

حمص التعدديّة، داريا الثائرة على النظام وعلى الرايات السوداء، الرقة المذبوحة حتى الوريد، عفرين السوريّة القلب والهوى. أما الغوطة فقد كانت آخر القلاع التي كنا نستمدّ منها الثقة بأننا لم نزل هنا رغم كل ما لوّث أسوارها من رايات لا تشبهنا.

ربما لم تتبارك أقدام الكثيرين بتراب الغوطة، ربما لم يغسل هواءها الطيّب أنفاس بعضنا، لكن عبق تاريخها لا يغيب عن ذاكرة أي سوريّ حرّ، وصِيت رجالها الشرفاء لن تمحوه كل محاولات الدكتاتور لطمس الحقائق، وكبرياء أهلها لن يكسره الإذلال المنظّم الذي مورس ويُمارس عليهم بشكل علني ووقح.

لم تنتصر الغوطة اليوم، لكنها لم تُهزم. وستحمل حزنها المدوّي بحجم كل ما مرّ عليها وعلينا من قهر، وستأخذ استراحة محارب مصاب لتداوي جسدها المثخن بالجراح وروحها المثقلة بكل هذا الفقد والخيبة، ولتغسل راية الثورة من دم أبنائها وأنفاس أطفالها الأخيرة الملوّثة بالكلور والسارين وارتعاشاتهم قبل الرحيل. ستعيد الغوطة ترتيب خزائنها وتُسقط من غربالها آخر الخائنين، ستطلق شكواها للريح .. للكون، وتلملم استغاثاتها عن شاشات العالم الذي خانها، ستعيد حياكة صوتها الصادح لتصنع منه الأغنيات، وستصلّي بخشوعها الجميل الهادئ، كي لا تُسرق تكبيراتها مرة أخرى فتجلد بها.

كان قدَرُ الغوطة أن تحمل عنّا أحلامنا. كان قدرها أن نلقي على أكتاف أهلها ثقل الدفاع عنّا جميعاً، وأن نستجير فيها من اليأس. كنّا واثقين بقوّتها وشموخها لكننا كنا وما نزال عاجزين عن سندها قبل السقوط أو حتى بعده.

وحدها، أرواح أهلها المهاجرين، تصيح اليوم تحت أنقاض بيوت الغوطة، ولا يسمعها أحد، فيما تسقط قلوبنا منا، نحن السورييّن، في جيوب معاطف من صعدوا إلى “الباصات الخضراء”، علّها تلامس أيديهم الطاهرة ويمسحون بها دموعهم عند الوداع.

شاهد أيضاً

جلال بكور

من أسقط الطائرة الروسية؟

من المؤكد أن العلاقة بين روسيا وإسرائيل لن تتعثر بعد حادثة إسقاط الطائرة من قبل …

المعارض ميشيل كيلو - انترنت

سورية.. بداية جديدة

مع تجدد المظاهرات في المنطقة الشمالية من سوريا، تدخل الثورة إلى مرحلة تضمر مقوماتٍ متنوعةً، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 3 =