الآن
الرئيسية / ثقافة / مسرحية «يوتيرن» لا نجاة من الطوفان … إلا بالعودة إلى النقاء

مسرحية «يوتيرن» لا نجاة من الطوفان … إلا بالعودة إلى النقاء

صحيفة الحياة/

كانت تباشير هزيمة النازية قد لاحت في الأفق في الوقت الذي كتب الأميركي ثورنتون وايلدر مسرحيته الشهيرة «نجونا بأعجوبة» عام 1942، ما يعني أن العالم قد تجاوز كارثة كان في انتظارها، وإن كان هناك تحذير مغلف بأن الكوارث قد تحل من دون سابق إنذار في ظل الأطماع والأحقاد والأنانية والصراعات العبثية الإنسانية. ويُعد النص تجريبياً وغرائبياً في مجمله، إذ عُد بمثابة إدانة للحرب التي يخسر فيها الفائز والمهزوم معاً، بناء على تعبير البطل عند عودته من الحرب منتصراً.

هذا النص اشتغل عليه الدراماتورغ سامح عثمان، واختزل كثيراً من أحداثه، حتى أن سيرة الحرب لم ترد فيه من بعيد أو قريب، ربما أراد لنصه، أن يبتعد مسافة من زمن كتابة النص الأصلي، ويجعله مركزاً أكثر على الطبيعة الإنسانية بما تحمله من شرور وآثام، وكيف تعود إلى نقائها وصفائها بعد أن تجاوزت محنها، لأن استمرارها في ما هي عليه معناه بقاؤها في منطقة الخطر دائماً.

وإذا كان نص وايلدر، جاء في فصول ثلاثة، فاختزله الدراماتورغ عثمان في فصل واحد لم يستغرق عرضه أكثر من ساعة، متخلياً عن الأسماء والأماكن والكثير من الأحداث التي تضمنها النص الأصلي، رغبة منه في تقديم معالجة يتقبلها الجمهور المصري، ورغبة كذلك في تيسير تلقي العرض نظراً لصعوبة النص وتشابكاته.

حمل العرض المأخوذ عن معالجة سامح عثمان عنوان« يوتيرن» وقدمه مسرح الطليعة في القاهرة من إخراج السعيد منسي الذي سعى هو الآخر- قدر جهده- إلى إضفاء الطابع الكوميدي الخفيف على الأحداث، رغبة منه في إحداث نوع من التواصل مع جمهور عام، ونجح في ذلك.

كانت هناك كوميديا الموقف وكوميديا اللفظ، تضافرا معاً لتحقيق هذا التواصل، وإن لم ينزلق إلى الابتذال أو محاولة استجداء الضحك، خصوصاً أنه أمام نص صعب وتجريبي وغرائبي، يناقش قضية وجودية، يتحول الأمر إذا تمت معالجتها سطحياً إلى نوع من الغباء المسرحي، لكن المخرج كان ذكياً ولم يذهب إلى ذلك المنزلق.

في المعالجة الجديدة، نحن أمام أسرة من أب وأم وابن وابنة وخادمة، وهناك ثلاثة مذيعين، نعرف أنهم مندوبو إدارة العالم، يتولون التعليق على الأحداث حيناً، وحيناً آخر يقدمون الأحداث بأنفسهم، أو يلعبون أدواراً أخرى عند الحاجة، ولدينا أيضاً عرافة تتنبأ بالأحداث، وبعض الشخصيات الثانوية، وهذا كل ما في الأمر، أما الأحداث نفسها فتمضي من دون منطق يحكمها.

العرض ممتد زمنياً منذ بدء الخليقة وصراع قابيل وهابيل الذي يستمر معنا في صورة الابن الذي يجد في القتل لذة ما بعدها لذة، أما الأب فهو مشغول بإعادة اختراع العجلة واكتشاف حروف الهجاء، والأحداث عموماً لا تسير بشكل منطقي، ولا بترتيب طبيعي، كل ما يحدث أمامك غرائبي، عليك أن تستوعبه، وأن تصل تفاصيله بعضها ببعض حتى تصل إليك في النهاية رسالة العرض، التي جاءت بمثابة إدانة للسلوك الإنساني المبتذل كالطمع والأنانية والكذب والحقد والصراع العبثي على أشياء تافهة، من دون ذكر مسألة الحرب التي كانت الدافع الأساسي لكتابة النص الأصلي.

تتوالى المشاهد في حلقات متصلة تخص السلوك الإنساني الذي يدمر كل شيء، ويجعلنا على حافة الكارثة التي لا نجاة منها إلا بالعودة مرة أخرى إلى الصفاء والنقاء والتخلص من كل الأطماع والشرور حتى ننعم بعالم أفضل.

الأسرة تحتمي بمنزلها من الطوفان القادم الذي لن يبقى ولن يذر، وهي الوحيدة في البلدة التي تمتلك وسيلة للتدفئة في ظل صقيع مرعب ومميت، يلجأ إليها القاضي والطبيب ومسؤولة المرأة طلباً للدفء، وعندما يطلب منهم صاحب المنزل بعض ملابسهم لتزويد المدفأة بها، يعتذرون لأن ملابسهم جزء من شخصيتهم ولا يستطيعون الاستغناء عنها، لكنهم يرضخون في النهاية أمام تهديد صاحب المنزل بطردهم، بل ويؤكدون أن استغناءهم عن ملابسهم لن يؤثر في مكانتهم في المجتمع أو يمحو شخصياتهم، إنه التبرير الذي يسوقه المرء عندما يضطر إلى فعل شيء على غير رغبته سعياً إلى مصلحته الخاصة.

المنظر المسرحي واحد لا يتغير، باحة منزل يغلب عليها اللون الأبيض الموحي ببرودة الطقس، وكذلك برودة العلاقات الإنسانية، مع وجود نقوش لكائنات عديدة على الحوائط، وهناك خيوط تفصل بين منصة التمثيل وبين الجمهور، وضعها مصمم الديكور «محمود الغريب» كأن هناك مسافة أو حاجزاً يفصل بين هؤلاء وهؤلاء، فالذين أمامنا مستمرون منذ آلاف السنين، مجرد نماذج للنفوس الشائهة في أغلبها، والخيوط ربما تعني أيضاً أن المشاهد مؤهل للولوج عبرها ليكون جزءاً من المشهد.

الزوجة والزوج يحتفلان بعيد زواجهما الذي مضى عليه سبعة آلاف عام، والابنة تحمل سفاحاً، والابن يمارس هوايته في القتل، والخادمة تغوي رب الأسرة، والأسرة تربي في منزلها حيوانات غريبة، منها الديناصور الذي تفضل الزوجة أن تستخدمه في الهروب إذا حل الطوفان بدلاً من النعامة التي يطلب منها الزوج أن تمتطيها عند الحاجة، وعندما يفوز الزوج برئاسة فصيلة الثدييات يتوج الخادمة ملكة للجمال، وهي بدورها تواصل إغواءه ليكون زوجاً لها، إنها الغرائبية التي تسم المسرحية، وتستفز المشاهد لكي يعمل عقله ويتساءل ما الذي يحدث بالضبط، ولماذا يحدث على هذا النحو، غرائبية تجعله يتململ في مقعده طوال الوقت، منتظراً أن يحدث شيء طبيعي أو متوقع، لكن العرض لا يمنحه هذه الفرصة، وإلا فقد تأثيره وضاعت رسالته.

الزمن ممتد ونفس الأفعال والأخطاء كما هي، نفس الكوارث التي تحل بالعالم من دون أن ينتبه الإنسان إلى أنه المسؤول عنها، من دون أن يتوقف ويسأل نفسه أين يكمن الخطأ تحديدًا؟

شاهد أيضاً

قدرة الرواية على التغيير

هل للرواية قدرة على تغيير المجتمعات والتأثير في الشعوب وتشكيل وعيها ورسم هوياتها؟ للإجابة عن …

المنشورات العربية في تركيا تتضاعف 6 مرات خلال 10 أعوام

تضاعفت المطبوعات الصادرة باللغة العربية في تركيا 6 مرات في السنوات العشر الماضية، ليبلغ عددها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three × 3 =