الآن
الرئيسية / مجتمع / مراكز الإيواء في مناطق النظام .. أحلامُ جيل كامل رهْن “الاعتقال”

مراكز الإيواء في مناطق النظام .. أحلامُ جيل كامل رهْن “الاعتقال”

صدى الشام- عمار الحلبي/

بروح وحركات طفلة صغيرة، تتنقل ريم العبد الله (13 عاماً) بين المقاعد الفارغة في غرفة الانتظار، مستفسرة في كل لحظة عن عدد المرضى المسجّلين قبلها على قائمة طبيب الأطفال.

“لم تزل طفلة بكل معنى الكلمة رغم نضوج جسدها” تهمس والدتها، أم محمد، النازحة من بلدة الغارية الشرقية في محافظة درعا، والمقيمة برفقة عائلتها في مركز الإيواء (معسكر طلائع البعث) في السويداء، ثم تتابع بصوت خافت لا يصل مسامع ابنتها الواقفة بجانب النافذة: “منذ خمس سنوات، وقبل أن ننزح بأيام، سقطت قذيفة على منزلنا بعد منتصف الليل. كنّا نياماً واستفقنا على رعب هائل وقد غطّانا جميعاً غبار الإسمنت الناتج عن تهدّم ثلاثة جدران في الغرفة المجاورة وسقوط أجزاء من سقفها.  للوهلة الأولى لم نستطع حتى تمييز ملامح وجوه بعضنا البعض. هرعنا إلى الشارع والتجأنا إلى قبو بناية قريبة. اكتشفتُ هناك أن ريم، التي كانت حينها قد بلغت الثامنة، قد بالت على نفسها من الخوف، وكانت تبكي بشكل هستيري. حاولت بقدر ما استطعت أن أهدّىء من روعها، لكننا كنا جميعاً مذعورين، واعتبرت أن الأمر طبيعي”.

تمسح الأم الشابة بيدها على رأس رضيعها ذي العشرة أشهر، تهدهد عليه بيمناها وتحرك يسراها بما يُشبه الإشارة على العجز واليأس فيما نظرُها مثبّت على ابنتها: “لم يتوقف الأمر عند تلك الليلة، فما تزال المسكينة تبول في فراشها كل ليلة، وأحياناً أثناء النهار كلما أحسّت بخوف شديد، بالرغم من محاولات العلاج”.

 

مواقف صعبة

لم تعش ريم العبد الله حياة المدرسة بشكلها الطبيعي، فقد التحقت بمدرستها الابتدائية في بلدتها الغارية الشرقية، وأمضت فيها سنتين من الدوام المتقطّع بسبب القصف والاشتباكات، لكنها كانت طالبة مميّزة خلالهما. ومع نزوح العائلة إلى مدينة السويداء وإقامتها في مركز الإيواء، توقفت ريم عن الدراسة بسبب تأخّر افتتاح مدرسة ابتدائية هناك لمدة عامين تقريباً. لكنّ مشكلتها مع الدراسة لم تُحلّ مع افتتاح المدرسة، حيث أن ظرفها الصحي حال دون ذلك.

“في البداية لم يكن هناك صفوف دراسيّة داخل معسكر الطلائع، ولم يُسمح لأيّ من العائلات المقيمة هناك بإرسال أبنائهم أو اصطحابهم وتسجيلهم في مدارس بلدة (رساس) القريبة، وذلك ضمن سياسة الحصار التي نعيشها هناك. وبعد إصرار الأهالي تّم افتتاح المدرسة، لكنها لم تكن مجهّزة بوسائل تعليميّة جيدة، والأهم أن كادر المدرّسين المعينين فيها لم يكن جيداً في التعامل مع الأطفال النازحين، فقد كانوا يعاملونهم كأنهم مرضى أو كائنات أقلّ شأناً من البشر، فيهزأون منهم ويعاملونهم بشيء من القرف، وهو ما حصل مع ريم في أول يوم دوام نظامي لها”، تقول أم محمد بصوت بدأ يشوبه البكاء الصامت، ثم تتابع بانكسار: “في ذلك اليوم هزأت إحدى المدرّسات من ريم بعد أن سمعت من إحدى الطالبات تعليقاً على موضوع السلس البولي لديها، وطلبت منها أن تبقى بعيدة عن طاولة المدرّس وأن تجلس في المقعد الأخير كي لا تزعجها برائحتها.

لم تتحمّل الصغيرة هذا الموقف وخرجت من الصف رافضة العودة إليه”.

 

 

تمثّل حالة “ريم” نموذجاً لما قد يتعرّض له الأطفال النازحون من معاملة سيّئة في المدرسة، وتتعقّد مشاكلهم بشكل خاصّ عندما يكون الكادر التدريسي غير مؤهّل بشكل جيّد.

 

 

كالمعتقَلين!

تقترب ريم من أمّها لتسألها مرة أخرى عن الوقت المتبقّي، ثم تتبع سؤالها بآخر عن إمكانية التجوّل في السوق بعد الانتهاء من الطبيب، فتعِدها الأم بذلك بشرط الالتزام بوقت العودة المفروض عليهما والمسجّل على ورقة السماح التي حصلا عليها من إدارة المركز.

“اضطرُّ عند كل موعد مع الطبيب إلى استجداء هذه الورقة من قيادة المعسكر”، تقول أم محمد، وعي تبحث عن “تأشيرة الخروج” في محفظتها، ثم تتغير ملامحها فتكتسي بالقهر: “نُعامل كمعتقلين هناك، وقد ألغيت أكثر من موعد عند الطبيب بسبب رفض الإدارة مجهول الدوافع لطلب الخروج. ومع أن حياة هذه الفتاة ومستقبلها كله يتعلّق بشفائها، إلا أنّ ذلك لا يعنيهم بشيء، فمجرّد تعكّر مزاج أحدهم قد يؤدي إلى حرماننا من الخروج أو حتى من الطعام أحياناً”.

تحاول الأم بمساعدة ابنها الأكبر، محمد، تعليم ريم بعض الأساسيات في القراءة والكتابة، كما كانت تستعين ببعض الفعاليات التي أقامتها منظمة اليونيسيف داخل المعسكر، والتي كانت تقدّم للأطفال النازحين بعض وُرش الرسم والموسيقا والقصة، لكن هذه الأخيرة توقفت أيضاً منذ حوالي شهرين، بعدما كانت المتنفّس الوحيد لريم وللعديد من الأطفال غير القادرين على الالتحاق بالمدرسة لأسباب مختلفة كالأمراض المنتشرة بشدة داخل مركز الإيواء المهمل صحيّاً بشكل كامل، أو المشاكل النفسية التي يعاني منها كثير من الأطفال نتيجة تعرضهم لصدمات نفسيّة حادة، ومنها التأخر في النطق أو التلعثم أو الاكتئاب الحاد.

 

يبقى النازحون الذين يعيشون في مراكز الإيواء رهنَ مزاجيّة بعض الموظفين عندما يتعلّق الأمر بإذن الخروج، وهذا ما ينعكس على فرصهم بحلّ مشكلاتهم.

 

 

مساحة للفرح

“أخيراً.. تبقّى مريض واحد ويأتي دورنا”، تهتف ريم وقد بدا الفرح على محياها، وكشفت تعابير الحماس التي غطت ملامحها رغبتها القوية في الاستمتاع بـ”النزهة” الموعودة في سوق المدينة، الذي لا تعرف الصغيرة ما تحويه محلات الملابس فيه أو متاجر الأغذية التي نسيت طعمها خلال السنوات الخمس الماضية. لكنها ولشدّة حماسها، تكشف عن سرّ هذا الفرح حين تقول لوالدتها: “لقد وعدتني في المرّة الماضية أنك ستشترين لي في الموعد المقبل دفتراً وقلماً يحمل رأس عصفور. وها نحن اليوم قد جئنا إلى الموعد المقبل”.

 

تمّ انتاج هذه القصة الصحفيّة بدعم من منظمة “صحفيون من أجل حقوق الإنسان” الكندية (جي اتش ار). 

شاهد أيضاً

منظمات: نحو 62% من اللاجئين السوريين في لبنان يحتاجون للعلاج النفسي

أكدت منظمتا “مجلس اللاجئين الدنماركي” و”ديغنيتي” غير الحكوميتين، في تقرير مشترك أن نحو 62% من …

المغرب ترفض استلام نساء وأطفال من مخيمات “قسد”

رفضت السلطات المغربية، إعادة أكثر من 200 إمرأة وطفل موجودين في مخيمات “قسد” إلى المملكة. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 − four =