الآن
الرئيسية / ثقافة / لماذا تبدأ الحكايات دائماً بهذه العبارة؟

لماذا تبدأ الحكايات دائماً بهذه العبارة؟

العربي الجديد /

“كان يا ما كان في قديم الزمان”. لماذا تبدأ الحكايات الشعبية دائماً بهذه العبارة؟ ألأنّ الحاضر استمرار للماضي؟ أم لأنّ الماضي يلقي ضوءاً على الحاضر، يعلّله، يوضّحه؟ أم لأنّ الماضي أجمل من الحاضر، ولا يودّ الشعب أن ينساه، أن يضيّعه، فيسرد حكاياته خلال قرون؟

تأمّل الأستاذ فؤاد هذه الاحتمالات كلّها. انتهى إلى أنّ “لا شكّ أنّ الماضي أجمل من الحاضر، ماضيّ أنا على الأقل. ماذا في حاضري اليوم؟ وليس اليوم فقط، إنما منذ سنوات. ثلاث سنوات كانت كافية لينساني الجميع… أو تقريباً الجميع”.

جلس إلى مكتبه. مكتب لم يبقَ بحاجة إليه الآن. على كلٍ، إنه مكتب خالٍ تماماً من الأوراق والكتب والمراجع. أوراق وكتب ومراجع لم يبقَ بحاجة إليها منذ ثلاث سنوات، ولن يبقى بحاجة إليها بعد اليوم. لقد كان مكتبه ينوء تحتها في الماضي.

تأمّل غابة الصنوبر الصغيرة أمام نافذة الغرفة. أيّ قيمة لحياته بعد اليوم؟ وقف ومشى بضع خطوات قبل أن يعود إلى كرسيه. ثم تساءل: ما قيمة حياته كلها؟ ماذا أنجز في هذه الحياة؟ يوم يموت لن يفقده أحد: والداه توفيا منذ سنوات، أخته الوحيدة في المهجر انقطعت صلته بها من مدة، وأولادها لم يعودوا يعرفونه.

خمس عشرة سنة من حرب لبنان هجّرت جميع أقاربه… وينبّهه صوت آخر: “وأصدقاؤك؟ هؤلاء الأصدقاء كانوا سبب رفضك الوظيفة التي عُرضت عليك في الولايات المتحدة قبل أن تعود إلى لبنان. عُرضت عليك لأنك تتقن العربية ومعها لغات أخرى، وهم بحاجة إلى هذه اللغة الآن لأسباب اقتصادية، لا للأسباب السياسية وحدها.

أصدقاؤك في لبنان أصدقاؤك منذ الطفولة. خبروا معك أفراح حياتك وأتراحها؛ شاركوك في ماضيك، وتاريخك، وقلقك، وعذابك ورضاك. ما كان يزعجك يزعجهم، وما كان يريحك يريحهم. هل كنت ستجد في الغربة من يشاركك في هذا الماضي، أو حتى من يفهمه أو يبالي به؟ ما يهمّهم ليس ما يهمّك، ما يؤثّر فيهم غير ما يؤثّر فيك”.

وعاد إلى واقع حاضره. كان يدعى إلى مؤتمرات وندوات في لبنان والخارج، وقد كانت له مداخلات في العديد منها، وكانت تدعوه جامعات عربية وأميركية لإلقاء محاضرات معيّنة. تلك المؤتمرات والندوات في لبنان والخارج لا يعرف عنها الآن إلا حين يذكرها أمامه مصادفةً أحد زملائه أو طلابه القدامى. تشفياً؟ غمزاً من قناته؟ شماتةً؟ ليسوا كلهم، فبعضهم كان ولا يزال صديقاً. ولكن، حتى هؤلاء الأصدقاء هاجر بعضهم، أو توفي، وبعضهم الآخر مشغول عنه بعمله أو بأولاده وحُفَدائه.

ألهذا كانت أمّه تصرّ عليه بالزواج؟ كي لا يجد نفسه وحيداً في كهولته وشيخوخته “مقطوعاً من شجرة” كما كانت تكرّر؟ إنه يعيش في فراغ: فراغ بيت ليس فيه أحد غيره، فراغ مجتمع لم يعد يبالي به، وأهمّ من هذا وذاك: فراغ حياته وفراغ نفسه الشاعرة بعقم الوجود، وجوده هو، وتفاهته ولا جدواه.

كم بات بحاجة إلى من يشاركه في مأساة والديه، من يستطيع أن يسرد له ما حصل ليخفّف من وحدته في ألمه… أو هكذا ظنّ… رنين التلفون قطع تأملاته الصامتة. ما أجمل هذا الرنين يخترق عزلته! أسرع إلى السماعة:
– آلو؟
جاءہ صوت لا يعرفه. فكرّر:
– آلو؟ من؟

وإذ بالخط ينقطع. أخطأ المُتَّصل بالرقم. إنّ أحداً لم يبقَ يتلفن له. وهو؟ أخذ يستعرض أسماء من بإمكانه الاتصال بهم. تلفن مرة لفاروق. أجابه باقتضاب قبل أن يعتذر بأنه مشغول، وأغلق الخط. في اليوم التالي اتصل برأفت. كان ألطف من فاروق، أخبره أخبار الزملاء والأصدقاء. في النهاية أكّد له ضرورة البقاء على اتصال وأغلق الخط. وظلت هذه “الضرورة” افتراضية.

لم يسمع منه ثانية ولم يعد يجرؤ على التلفنة لأحد. وعاد إلى صمت الفراغ حوله. توجّه إلى الكمبيوتر. لعلّ أحداً أرسل إليه رسالة إلكترونية. ونقر على زر البريد الوارد. 27 رسالة. ألقى نظرة سريعة على أسماء المرسلين: دعاية لمطعم، أخرى لمقهى جديد، دكان ألبسة. واحدة من صحيفتين لا يقرأهما ولا يهمه ما تنشران. ثم دعوات إلى حفلات موسيقية ومسرحيات و… لحضور مؤتمر عن المواطنة. إذاً، لم ينسه بعض المسؤولين عن الحركة الثقافية في المدينة. سجّل تاريخ المؤتمر ومكانه، وشعر بالحياة تدبّ فيه مجدداً. لا بدّ أن يَلتقي في المؤتمر معارف وزملاء سابقين. وتذكّر التي كانت ترافقه إلى هذه النشاطات.

لماذا فقد لميا؟ وكيف؟ زميلته في سنوات الجامعة الأربع، اختصاصها كاختصاصه، يحضران المحاضرات نفسها، المراجع التي يعيّنها الأساتذة يقرآنها معاً، والامتحانات يستعدّان لها معاً. حتى الأفلام والحفلات الموسيقية التي استهوته كانت تستهويها فترافقه إلى معظمها. بعد تلك السنوات الأربع أضحت لميا جزءاً لا ينفصل من حياته. تكون معه أثناء حضورها أو غيابها وبات لا يتصوّر حياته من دونها.

تتأخّر لميا عن الحضور إلى الصف، فتعنف ضربات قلبه وجلاً. هل أصابها مكروه؟ هل صدمتها سيارة في طريقها إلى الجامعة؟ أو تدخل لميا واجمة، تجلس صامتة في الاستراحة بين المحاضرات، لا تنبس بكلمة. وخلال ساعات قلقة يحاول استدراجها لتبوح له بما يزعجها. ترافقه إلى البيت أحياناً، فأحبّها والداه وأحبتهما، إلى أن سألته أمه يوماً: “لماذا لا تتزوّج لميا؟ نحبّها كما لو كانت ابنتنا، وفيها كل الصفات التي أتمناها في كنّة”. لم يجبها، مع أنها لمست وتراً حسّاساً في قلبه. لم يجبها لأنه رأى أمامه جارهم سليم الذي كان قد تزوّج بعد حب جارف. كانوا قد حضروا عرسه الفخم، وباركوا له بولادة ابنه ثم ابنته. وفي ليلة ليلاء، تركته زوجته والولدين. اختفت. لم تترك خبراً، لم يعرف لماذا تركت؟! وأين هي؟! أو هكذا قال.

المقطع أعلاه من رواية “فقدان” الصادرة حديثاً عن دار “هاشيت أنطوان/ نوفل”، والتي توقّعها كاتبتها اليوم الأربعاء في بيروت. في الرواية، تتحدّث يارد عن هواجس الإنسان في مرحلة متقدّمة من عمره. تغوص في مشاعر المرء في سنّ التقاعد عن العمل والتفرّغ للشيخوخة، وما يعانيه الإنسان الأعزب الوحيد حين يعزم على البحث عن رفيقة نهاية العمر، وفقدان الإنسان لرونق حياة يعتاد نهجها، كأنما المجتمع يحضّره للرحيل.

شاهد أيضاً

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

الموسيقى العربية من العصر الجاهلي إلى التكنو الحديث في باريس

يجول معرض في باريس على تاريخ الموسيقى العربية في عهودها المختلفة، من الحداء في الجاهلية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

eight + twelve =