الآن
الرئيسية / تحقيقات / غسل للعقول وتجنيد للشباب في “مراكز الإيواء”
الهلال الأحمر يوزع الطعام في مركز للإيواء بعدرا
الهلال الأحمر يوزع الطعام في مركز للإيواء بعدرا

غسل للعقول وتجنيد للشباب في “مراكز الإيواء”

عمار الحلبي/

تنتشر العديد من “مراكز الإيواء” التي توصف بأنها كـ”المعتقلات” في محيط مدينة دمشق وريفها، ودخل مؤخرًا آلاف المدنيين إليها بعد تهجيرهم ونزوحهم من مدن وبلدات الغوطة الشرقية عقب عملية عسكرية من قوات نظام الأسد بدعم روسي.

وتشهد تلك المراكز عمليات ابتزاز وإذلال يمارسها النظام وأتباعه، بهدف إرضاخ المدنيين الذين فرّوا سابقًا بحياتهم من قصفه العنيف على الغوطة الشّرقية.

تعمل “ريهام” اسم مستعار في جمعية خيرية محلية، جمعيتها قامت على التبرّعات لمساعدة النازحين في دمشق وريفها، ومنذ بدء الحملة العسكرية من نظام الأسد على الغوطة الشرقية، عاصرتْ ريهام عملية النزوح وعاشتْ مع نازحي الغوطة داخل مراكز الإيواء لأسابيع.

أدلتْ ريهام بشهاداتها لـ “صدى الشام” حول تعامل قوات نظام الأسد مع “المعتقلين في مراكز الإيواء”، فيما يخص “إعادة برمجتهم فكرياً” وسردتْ العديد من المواقف التي لاحظتها بالعين المجرّدة ضمن إفادتها.

أمضت الشابّة معظم وقتها في مركز “حرجلّة” ومركز “الدوير” في منطقة عدرا العمالية القريبة من حرستا ودوما، وقالت إنها شاهدت طرقاً مختلفة استخدمها نظام الأسد من أجل إجراء ما يشبه “غسيل دماغ للمهجّرين”.

وقالت ريهام: “من أبرز الطرق التي استخدمها النظام هناك هو استغلال الإعانات الغذائية والطبيّة والاجتماعية كالملابس وغيرها، من أجل ضمان ولاء النّازحين المهجرين من منازلهم، حيث يتم استثمار المساعدات المقدّمة للنازحين من أجل إيصال صورة لهم بأن “الإرهابيين” تركوهم وأن نظام الأسد هو من قدّم لهم الطعام والملبس والرعاية الصحية”، موضحةً أن العملية تتم عبر تواصل لفظي مباشر مع النازحين ويتم إخبارهم بأنّهم يجب أن يكونوا موالين للنظام للذي يقدّم لهم المساعدة الفلانية، وبعد رد الفعل الموالي الذي يخرج من النازح تتم مساعدته.

النظام أجبر النازحين إلى مركز الإيواء على الهتاف فداءً لـ”روح بشار الأسد” من أجل الحصول على الطعام والشراب في عملية لا تخلو من الابتزاز والإذلال.

وأضافتْ: “يُشرف على المركز عناصر أمن تابعين لنظام الأسد، وفوقهم عناصر من الشرطة العسكرية الروسية والغرض من وجودهم هو منع حدوث انتهاكات من قبل عناصر الأمن الأسدي، ويُضاف إليهم موظفين من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ومحافظة دمشق”.

وبحسب الشابّة فإن نقاشات فردية وجمعية تُعقد طوال اليوم داخل المخيّمات، يقوم موظفون لدى النظام وعناصر أمنه ومتطوّعون تابعون له، يقوم هؤلاء بالتقرّب من النازحين والجلوس معهم في فترات متقطّعة طيلة اليوم، يفتحون أحاديث عمّا كان المدنيون يعانون منه داخل الغوطة ويتم التركيز على أحاديث يتحدّث بها المدنيون لها علاقة بانتهاكات تقوم بها فصائل المعارضة المسلّحة وعمليات تجويع وقصف، ولا يتم الحديث إطلاقاً عن عمليات القصف، فالحديث يبدو ودّياً ولكن النازح من الغوطة في حال تفوّه بكلمة تُدين النظام سوف يتم اعتقاله بشكلٍ مباشر دون تردّد.

وتصف الشابّة هذه الأحاديث بأنّها عملية إعادة برمجة للنازحين حيث يتم التركيز على نقطتين الأولى أن المعارضة فتَكَتْ بالمدنيين والثانية أن نظام الأسد هو من ساعدهم وخلّصهم من تلك المجموعات التي ما ينفك يصفها بـ “التكفيرية والإرهابية”.

وتؤكّد الفتاة أن هناك كثيرٌ من المدنيين الذين خسروا كثيراً داخل الغوطة بسبب جرائم النظام وحلفائه، غير أن هذه الأمور لا يتم الحديث عنها إطلاقاً.

الأطفال هم الأكثر استهدافًا

أما فيما يخص الأطفال، فقد تم التعامل معهم بشكلٍ منفصل بحسب المتطوّعة ريهام، التي أشارت إلى أنه يتم جمع الأطفال في حلقات داخل مراكز الإيواء، يُقال إن هذه الحلقات تُعتبر ما يشبه مدارس مؤقّتة داخل المراكز.

داخل الحلقات يتم تلقين الأطفال معلومات وأحداث لها علاقة بالغوطة الشرقية وبمناطق سكنهم الأصلية، حيث يتم إجراء مقاربات لها علاقة بتقديم جيش النظام على أنّه بطلاً وأنّه خلّصهم من “الإرهابيين”.

تستحضر الفتاة في أحد المرّات أن طفلاً قام بمجادلة أحد الموظفين التابعين لنظام الأسد وأخبره أنّه لم يكن هناك إرهابيين داخل الغوطة الشرقية وأن “الجيش السوري” كان يستخدم الطيران لقصف المدنيين فتم عزل الطفل عن بقية زملائه من الأطفال، وتتحدّث الفتاة عن كثرة هذه الحالات وترجعها إلى العفوية التي يوُصف بها الأطفال وأنّهم لا يعرفون معنى العنف كما لا يعرفون أن كلاماً كهذا قد يودي بهم في كارثة كبيرة لذلك فإنّهم يستمرّون بتكرارهم.

وأوضحت الفتاة أن طريقة النظام في إعادة “تنظيف” عقول الأطفال نجحت إلى حدٍّ كبير، حيث قام عناصر أمن تابعين للنظام بإخراج الأطفال ومن يرغب معهم من المدنيين بأكثر من مسيرة هتفت لبشار الأسد وجيشه وأظهرت ولاءً أعمى لنظام الأسد.

النظام أخرج الأطفال والنساء في مراكز الإيواء بمسيرات مؤيدة تهتف لبشار الأسد وتحمل صوره وتحيي قواته، كما قام بعزل بعض الأطفال لتلقينهم ما يريد أن ينطقوا به.

الفتاة ذاتها تابعت: “أعتقد أن المدنيين غير راضين عن الخروج بهذه المسيرات الموالية، ولكنهم مضطرون لفعل ذلك لسببين، الأول هو الحفاظ على حياتهم من تهديدات الاعتقال التي تطال أي مدني يعارض أفكار عناصر الأمن التابعين للنظام”، أما السبب الآخر بحسب الفتاة فإنه يعود إلى “خوف المدنيين من انقطاع المساعدات عنهم كونهم خسروا كلَّ شيء”.

في إحدى الزوايا داخل المركز كانت هناك امرأة أربعينية تكافح لتلقين طفلها كلمات تبعد الشبهة عنه، يبدو أن الطفل كان يطلق عبارات مناهضة للنظام، لكن الأم خافت من أن الكلام الذي يتفوّه به قد يودي بالعائلة كاملةً إلى مصيرٍ مجهول، كانت تحذّره بعنف ألّا يتحدث إطلاقاً بالسياسة وأن يبتعد عن الأطفال الذين يتحدثون بكلام “غير جيد” عن بشار الأسد لكي يحفظوا حياتهم.

وخلال فترة النّزوح من الغوطة جهّزالنظام عدّة مراكز إيواء بعضها كانت قديمة وقام النظام بتجهيزها بمعدّات للاستقبال، وأخرى تم تأسيسها من جديد وهي مركز الدوير في عدرا العمالية، ومدارس أخرى في عدرا بريف دمشق، وصالة الفيحاء الرياضية في العاصمة، ومركز حرجلّة الذي يُعد أحد أكبر المدارس ويعيش فيه مهجّرو داريا حتى الآن، إضافً إلى مركز جسر بغداد الواقع بالقرب من جسر بغداد على الطريق الدولي “حلب –  دمشق” من جهة حرستا”.

وحول عدد المدنيين المقيمين في هذه المراكز، فهم أكثر من ١٢٨ ألفاً بحسب ما أعلنت وزارة الدفاع الروسية قبل عملية تهجير المدنيين والمقاتلين من دوما، ويرجّح ناشطون أن يكون نحو ١٠٠ ألف مدنياً خرجوا من دوما إلى مناطق النظام من أصل ١٣٠ ألفاً كانوا داخل المدينة، أي أن مجمل عدد النازحين إلى مراكز الإيواء قارب ربع مليون إنساناً.

ويركض الأطفال متجهين إلى إحدى نقاط توزيع الهدايا والسندويشات وعلب المياه، في مشهد أعاد ما قام به “محمد قبنض” عضو “مجلس الشعب” عندما أجبر النساء على الهتاف بـ “بالروح والدم نفديك يا بشار”، الأطفال يتسابقون للحصول على السندويشات ورجل الأمن يصيح بهم من قائدكم؟ فيردون “بشار الأسد”.

“أم سالم” من المتواجدات في مراكز الإيواء تتحدث عن ذهاب طفلها ذو الثمانية سنوات للحصول على السندويشة، ويعود مع السندويشة بصوت مبحوح بعد الهتاف لمدة طويلة من أجل الحصول عليها، كما تحدثت عن خطبة دينية ألقاها بهم أحد الشيوخ عن النقاب ولبس اللون الأسود وأنه ليس من الشريعة الإسلامية.

عمليّة غسل للعقول

ورأى المختص في الإرشاد النفسي باسل نمرة أنّ ما يقدمه النظام في “معتقلات الإيواء” من “مناهج دراسية” أو “دعم نفسي” كله ممنهج ومُسيّر نحو هدف محدد، ومسيس بطريقة معينة، والطفل في المراحل الأولى من عمره يكون شبيها بالاسفنجة، يمتص أي فكر، ويمسح ما كان في عقله من قبل وإن كان صحيحا، وما يقوم به النظام هو عملية “غسل لعقل الطفل” من خلاله إعطائه دروس “توجيه سياسي” في مكان مغلق.

وأضاف المختص في حديث له مع “صدى الشام”، أن عقل الطفل ومهما كان واعيًا سيتشرّب مع تكرار الدروس بالأفكار الجديدة والتشبيحية، كـ”المؤامرة الكونية، الإرهاب” وسوف تدخل في اللاوعي لتصبح مع الزمن وعياً ومنهجًا يسير عليه في المستقبل عندما يصبح شابًا.

وأوضح باسل نمرة أن الطفل ليست لديه الطاقة على المقاومة كثيرًا وفي النهاية يرضخ لما يُملى عليه من توجيهات وإن كانت غير صحيحة وعند تشرّبه لتلك الأفكار سيخرج عن سيطرة أهله، ومعظم الأطفال في سوريا اليوم ما يزالون في مرحلة بناء الشخصية.

ورأى نمرة أن مختلف الصّراعات التي حصلت في سوريا وجرت وشاهدها أو عاشها الطفل، سوف تؤثر في شخصيته، وسيكون هناك تضارب نفسي وتضارب في تكوينه الشخصي، والأطفال الذين بقوا تحت سلطة النظام سيتوجّهون إلى الخط الذي يرسمه النظام لهم.

وأشار إلى أن النظام يقوم باستغلال “غريزة البقاء على قيد الحياة” لدى الإنسان، أي أنه يقوم باستغلال هذه الحاجة لدى الناس في مراكز الإيواء عن طريق فرض دخول أطفالهم إلى “حلقات تعليمية” في مراكز الإيواء مقابل الحصول على الطعام والإعانة والطبابة، بغية وصوله إلى مايسمى بـ”أشبال الأسد”.

كذلك يستغل النظام تلك الغريزة لدى الناس في التأثير على الشباب ومن خلالها يجبرهم على التطوع في صفوفه مقابل إبقاء عائلاتهم على قيد الحياة وتقديم الطعام والشراب لهم، كما يقوم بعمليات “توجيه سياسي”  كلها تصب في حفرة تأليه “القائد بشار الأسد” والقتال في سبيله.

ووضع النظام مؤخرًا خطة لغسل عقول الأطفال والمواطنين تحت مُسمّى “فرق التوعية” وذلك بهدف “مواجهة التلوث الدّيني” وفق زعمه، عن طريق تكوين فرق من قبل وزارات الأوقاف والثقافة والتربية والتعليم وغيرها في حكومته.

وتم تشكيل تلك الفرق بعد اجتماع بين الوزارات المذكورة والتي قررت استهداف كافة الفئات العمرية المتواجدة في مراكز الإيواء بالدّرجة الأولى، ثم التوجه إلى من بقي من الأهالي في داخل الغوطة، حيث نقلت مصادر قول وزير الأوقاف في حكومة النظام “محمد عبد الستار السيد” خلال الاجتماع إن التوجيهات من قبل القيادة في إشارة إلى “قصر الأسد” تطلب وضع خطة  تهدف إلى إجراء عملية تغيير فكري للخارجين من الغوطة.

وأتت تلك الخطوة مباشرة بعد عمليات إذلال لم تخفى على المتابعين من قبل رجال أعمال وأعضاء “مجلس الشعب” وعناصر الميليشات وضباط النظام للأهالي الذين وصلوا إلى “مراكز الإيواء” في محيط دمشق، إبان سيطرة النظام على الغوطة الشرقية وقبلها.

توجيه سياسي

وخرج مئات الرجال والشباب أيضًا من مدن وبلدات الغوطة الشرقية إلى مراكز الإيواء وكان حظ الجميع الاعتقال أو الاقتياد إلى دورة “توجيه سياسي” قبل إلحاقهم بالخدمة الإلزامية في صفوف قوات النظام، وتقام تلك الدورات تحت مراقبة من الشرطة العسكرية الروسية.

وقبل إلحاقهم بجبهات القتال يريد النظام تلقينهم التوجيهات جيدًا لكسبهم في المرحلة الحالية على الأقل في مواجهة المعارضة والثوار، وذلك بعد تعرض قواته لخسائر فادحة بسبب عمليات انشقاق قامت بها مجموعات مسلحة صالحت النظام، في وقت سابق وكانت مجبرة على الانخراط في صفوفه خوفا من الموت، وعندما سنحت لها الفرصة للخلاص من النظام سارعت إلى ذلك.

وتُعيد تلك العملية التي يلجأ إليها النظام إلى الأذهان طريقة المناهج الدراسية التي وُضعت في سورية لسنوات، من دورات واجتماعات حزبية ومادة “الثقافة القومية” ومادة “التربية العسكرية”، والتي كانت كلها تصب في تأليه الرئيس الميّت “حافظ الأسد” والرئيس الحي “بشار الأسد” وتتغنى بأقواله.

ويلجأ النظام أيضًا إلى عملية التوجيه السياسي في البلدات والمدن التي قامت بعملية المصالحة دون قتال وهي بلدات ومدن لم تثر ضد النظام أساسًا، إلا أن الأخير يخشى تحولها إلى بؤر للثورة، فعمد مباشرة إلى عقد ما سمّاها بالمصالحة وبدأ بالدعاية من أجلها.

ويُشار إلى أن النظام وحلفاءَه يقومون عبر الإعلام الحكومي والإعلام الخاص الموالي الذي يسيطر عليه النظام وحلفاؤه بشكل تام منذ انطلاق الثورة في مارس عام 2011 بنشر دعاية “محاربة الإرهاب” و”محاربة المتطرفين”، كما يقوم بتشويه الحقائق وتزييفها، إلا أن ذلك لم ينجح في إخماد الثورة ضده.

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five − 1 =