الآن
الرئيسية / مواد مختارة / دمشق وريفها بلا معارضة .. والنظام يصوّب نحو الشّمال
وصول مهجري دوما - اعزاز -عامر السيد علي
وصول مهجري دوما - اعزاز -عامر السيد علي

دمشق وريفها بلا معارضة .. والنظام يصوّب نحو الشّمال

عدنان علي/

حقّق نظام الأسد، أو يكاد، هدفه في إنهاء أي وجود للمعارضة المسلحة في دمشق ومحيطها القريب والبعيد، بعد أن شهدت الايام الأخيرة تهجير مدينة دوما آخر ما تبقى بيد المعارضة في الغوطة الشرقية، ليتلو ذلك بأسبوع واحد تهجير مدن القلمون الشرقي بدءًا من الضمير، وصولاً إلى الحملة على منطقة جنوبي دمشق والتي تشمل عدة مدن وبلدات ومن المتوقع أن تسفر عن النتائج ذاتها.

وقبل أن تنتهي حافلات التهجير من عملها في محيط دمشق، كان النظام ومعه روسيا يضغطان في ريف حمص الشمالي أيضًا لتهجير فصائل المعارضة هناك وعوائلهم و”من يرغب” من المدنيين، وفق الصيغة التي بات متعارف عليها حتى الان.

ويقوم النظام بحملته العسكرية في محيط دمشق وفق عدة مستويات، فمن جهة يُصعِّدُ القصف الجوي والمدفعي والصاروخي، بالتزامن مع محاولات اقتحام أحرز فيها أحيانًا بعض النجاح، ومن جهة أخرى يُجري مفاوضات مع الفصائل الموجودة في المنطقة بما فيها تنظيم “داعش” للمغادرة وفق الشروط المعروفة، مع محاولات لتجنيد فصائل المنطقة المنتمية إلى “الجيش الحر” في المعركة ضد “داعش”، وهي محاولات تقاومها تلك الفصائل حتى الآن، لأن النظام لا يعدها بشيء مقابل موافقتها على القتال إلى جانبه ضد “داعش”، بل يعدها بالتهجير فقط، كما هو حال “داعش” نفسه.

ويواصل الطيران الحربي الروسي وطيران النظام قصف مخيم اليرموك وحي الحجر الأسود جنوب دمشق، بالتوازي مع قصف مدفعي وصاروخي، واشتباكات على أطراف المنطقة بين قوات النظام والميليشيات التي تدعمها من جهة، وتنظيمي “داعش” و”هيئة تحرير الشام” من جهة أخرى، فضلا عن فصائل المعارضة الموجودة في مناطق ببيلا ويلدا وبيت سحم.

وتقصف قوات النظام المنطقة من ثكنة سفيان الثوري وأبراج القاعة التي تستهدف الأبنية السكنية في شارع الثلاثين والتضامن لمساندة محاولات الاقتحام فيما تلقي مروحيات النظام براميل متفجرة على مخيم اليرموك والحجر الأسود .

ورغم محاولات النظام توجيه خطاب مختلف بالنسبة للفصائل الموجودة في يلدا وببيلا وبيت سحم عن الخطاب الموجه إلى “داعش” و”هيئة تحرير الشام” إلا أن السلوك على أرض الواقع لم يُميز بين الاثنين، حيث تستهدف الحملة العسكرية المنطقتين معًا.

ويبلغ عدد مقاتلي “تحرير الشام” في مخيم اليرموك بين 100 و200 عنصر، مع عدد من عائلاتهم والقليل من عائلات المدنيين المحاصرين في جادة عين غزال، بينما يصل تعداد تنظيم “داعش” إلى نحو 1400 مقاتل في حين لدى الفصائل الأخرى المنتشرة في المنطقة بضع مئات من المقاتلين.

وأعلن “الإعلام الحربي المركزي” التابع للنظام سيطرة قوات الأخير على مسجد الإمام علي عند محور زليخة بين حيي التضامن وسيدي مقداد، وعلى حي الزين الفاصل بين حيي يلدا والحجر الاسود بعد مواجهات مع تنظيم “داعش”، إلى جانب التقدم على كتل الأبنية غربه باتجاه حي التضامن.

وتسيطر فصائل المعارضة جنوبي دمشق على بلدات ببيلا ويلدا وبيت سحم وعقربا وجزء من الحجر الأسود، بينما يسيطر تنظيم “داعش” على الحجر الأسود والقسم الأكبر من مخيم اليرموك، إضافة إلى أجزاء من حيي التضامن والقدم.

وأسفر قصف قوات النظام عن مقتل العديد من المدنيين بينهم عائلة فلسطينية كاملة مكونة من أب وأم وطفل رضيع نتيجة القصف المكثف الذي استهدف شارع صفد في مخيم اليرموك.

كما تسبب القصف في دمار كبير في أحياء المخيم كافة فيما اتهم ناشطون من أبناء مخيم اليرموك، النظام السوري والروسي والمجموعات الموالية باتباع سياسة تدمير ممنهج للمخيم، حيث يتم القصف بشكل منظم ولا علاقة له بوجود عناصر “داعش”.

سياسة النظام

والواقع أن هذه المنطقة، أي جنوب دمشق، ومخيم اليرموك تحديدًا، تعتبر منذ سنوات بحكم الساقطة عسكريًا، حيث الفصائل الموجودة فيها أقل عددًا وأضعف عتادًا، من مناطق كثيرة سيطرت عليها قوات النظام، وهي بعيدة نسبيًا عن العاصمة، خلافًا للمخيم الذي يسيطر على معظمه منذ سنوات تنظيم “داعش”، ولا يبعد عن قلب العاصمة دمشق أكثر من 6 كلم، علمًا أنه يعتبر أحد أحياء العاصمة وفق التقسيم الإداري لدى النظام.

شهد مخيّم اليرموك حصارًا خانقًا من نظام الأسد قبل سيطرة تنظيم “داعش” على الحي، وأسفر الحصار عن وفاة العديد من المدنيين جوعًا.

ومن هنا برزت التساؤلات عن الدواعي التي دفعت النظام للإبقاء على هذا الوضع طيلة السنوات الماضية، وما الذي يأمل في تحقيقه من تغيير المعادلة كما هو متوقع في المرحلة القريبة المقبلة؟

ولعل فهم موقف النظام وسياسته تجاه هذه المنطقة، يتطلب العودة إلى ما جرى خلال السنوات الماضية بعد اندلاع الثورة السورية في ربيع عام 2011 حين كانت منطقة جنوبي دمشق تضم أكثر من مليوني نسمة منهم قرابة المليون في مخيم اليرموك وحده، ربعهم من اللاجئين الفلسطينيين، والبقية مواطنين من جميع المحافظات السورية.

ويعتبر مخيم اليرموك أكبر تجمع للفلسطينيين خارج فلسطين المحتلة، ولطالما وصف بأنه عاصمة الشتات الفلسطيني، حيث كان خلال العقود الماضية حاضنة للحركة الوطنية الفلسطينية، ومنه برزت معظم القيادات الوطنية الفلسطينية، وهوما جعله يحمل رمزية كبيرة بالنسبة لمجمل الفلسطينيين.

والمخيم الذي أنشئ عام 1957، طرأت عليه تطورات كثيرة، وباستثناء بعض الحارات القديمة، لم يبق من المخيم سوى اسمه، حيث تحول الى مدينة مزدهرة استقطبت كبار التجار في دمشق الذين افتتحوا فيه فروعًا لمحلاتهم، بالنظر إلى القوة الشرائية لسكانه، ورخص أسعار البضائع فيه قياسًا لمناطق دمشق الأخرى.

ومع اندلاع الثورة السورية، حاولت قوى شتى تجنيب المخيم تداعياتها خاصة عندما تحولت الى العمل العسكري، لكنها جهود باءت بالفشل بالنظر إلى موقع المخيم الذي يتبع إداريا لمدينة دمشق، إضافة إلى سعي النظام الحثيث لخلط الإوراق ولعب الورقة الفلسطينية بطريقة أدت في النهاية إلى تهجير معظم سكانه، وتدمير نحو 40 بالمائة من منازله.

وبدأت مأساة اليرموك ترتسم عندما سقطت في الثالث من آب – أغسطس 2012 عدة قذائف هاون حي الجاعونة وسط المخيم القديم، ليسقط أكثر من عشرين شخصًا بينهم أطفال، ثم جاءت الضربة الأخرى القاسمة في كانون الأول 2012 حين استهدف الطيران الحربي الأسدي مركز إيواء مسجد عبد القادر الحسيني ما تسبب بسقوط نحو مئتي شخص بين قتيل وجريح ، ليبدأ بعد ذلك نزوح جماعي شمل عشرات الآلاف توجهوا إلى شوارع وضواحي دمشق ولم يعودا إليه بعد ذلك أبدا.

ثم توالت مغادرة السكان المخيم رغم الحصار الجزئي الذي فرضته قوات النظام والفصائل الفلسطينية الموالية لها على المخيم نهاية العام 2013، وصولاً إلى الحصار التام اعتبارًا من منتصف العام 2014، بعد أن غادر نحو 90 بالمائة من السكان المخيم، ليبقى فيه نحو 20 ألفًا ممن لم تسعفهم ظروفهم على الرحيل إما لكونهم مطلوبين أمنيًا، أو هم من السكان الأشد فقرًا ممن لا يقوون على استئجار منازل خارج المخيم .

ولم تنجح كل الجهود والمبادرات التي طرحت لاحقًا في تحييد المخيم وإعادة سكانه إليه أسوة ببعض المناطق الأخرى لأسباب غير واضحة وإن كان من الثابت أنه كان للنظام دور رئيس في إفشالها، مع وجود اعتقاد راسخ لدى معظم سكان المخيم أنه لو أراد النظام جديًا اجتياح المخيم وإخضاعه لسيطرته، لفعل ذلك خلال ساعات خاصة بعد سنوات من الحصار المفروض عليه، مع عدم توفر أسلحة ثقيلة لدى القوى المختلفة المناهضة للنظام في المنطقة.

ولعل ما يفسر سياسة النظام هذه ظهور تنظيم “داعش” بقوة وبشكل مفاجئ في هذه المنطقة المحاصرة بشدة، وسيطرته خلال فترة قصيرة على مناطق واسعة من جنوبي دمشق بما فيها المخيم، بالتعاون مع “جبهة النصرة” في البداية، قبل أن يختلف الطرفان في وقت لاحق، ويدخلان في صراع دموي تسبب في مضاعفة معاناة ما تبقى من سكانه ومغادرة نحو 14 ألفًا منهم إلى المناطق المتاخمة للمخيم، حيث لم يبق في المخيم اليوم سوى 6 آلاف يعانون الأمرّين بسبب افتقادهم لكل مقومات الحياة.

تهجير القلمون

وبينما تتواصل الحملة على جنوبي دمشق، بدأت قوافل المهجرين من القلمون الشرقي تصل تباعًا إلى الشمال السوري وذلك في إطار اتفاق مع روسيا يقضي بترحيل مقاتلي الفصائل في تلك المنطقة مع عائلاتهم، بدءًا من مدينة الضمير التي سبقت المدن الأخرى في توقيع اتفاق التهجير وصولاً إلى المدن الأخرى والتي تشمل جيرود والرحيبة والناصرية.

وبموجب هذه الاتفاقات تم تسليم السلاح الثقيل وتسجيل الراغبين بالمغادرة وتنظيم عملية خروجهم من قبل الجانب الروسي، ونشر الشرطة الروسية على مداخل المدن وعدم دخول قوات النظام إلى مدن القلمون.

وخضع القلمون الشرقي لسيطرة فصائل معارضة، أبرزها “جيش تحرير الشام” بقيادة النقيب، فراس بيطار، و”جيش الإسلام”، و”قوات الشهيد أحمد العبدو” و”جيش أسود الشرقية”.

وقالت مصادر محلية أن الدفعة الأولى من المهجرين كانت من “جيش تحرير الشام” الذي يبلغ مجموع مقاتليه وعائلاتهم نحو 2500 شخص.

وقضى الاتفاق بتسليم السلاح الثقيل والمتوسط ومستودعات الذخيرة، قبيل خروج المقاتلين حيث سلمت جميع الفصائل سلاحها الثقيل، والتي يبلغ عددها قرابة 100 آلية عسكرية.

وكان النظام حريصًا على تسلم الأسلحة من فصائل المعارضة بحالة جيدة قبل السماح بخروج المقاتلين، تجنبًا لتكرار تجرية الغوطة الشرقية حيث وجد النظام معظم الأسلحة الثقيلة التي تركتها فصائل المعارضة معطوبة ومحروقة.

سلمت فصائل المعارضة في القلمون الشّرقي مخازن السّلاح الثّقيل لقوّات النّظام قبل مغادرة المنطقة إلى الشّمال.

وجاء اتفاق منطقة القلمون الشرقي بعد يومين من تسلّم النظام بلدة الضمير في القلمون الشرقي وأسبوع على إخلاء مدينة دوما آخر مدن الغوطة الشرقية التي كانت بيد المعارضة.

وأثار تسليم السّلاح الثّقيل غضب معارضين على مواقع التواصل الاجتماعي، وأشاروا إلى أنه أكبر ترسانة عسكرية يتم تسليمها للنظام السوري منذ انطلاقة الثورة السورية، والتي كانت فصائل المعارضة استولت عليها عام 2013 من مستودعات “مهين” التابعة للنظام في ريف حمص.

وقد اغتنم تنظيم “داعش” فرصة خروج الفصائل من المنطقة للسيطرة على مساحات واسعة في محيط منطقة المحسا بالقلمون الشرقي تشمل جبلي بئر الأفاعي وزبدة، بعد تسلمهما من قبل قوات النظام اثر اشتباكات خفيفة بين الجانبين.

قصف ومفاوضات بريف حمص

أمّا في ريف حمص الشمالي، فإن النظام يواصل التفاوض تحت القصف مع فصائل المعارضة وممثلي المنطقة، وقد انسحبت لجنة المفاوضات عن ريف حمص الشمالي من الاجتماع الذي كان يفترض أن يكون حاسمًا في 22 الشهر الجاري مع الجانب الروسي، بينما أحبطت فصائل المعارضة السورية هجومًا لقوات النظام والميليشيات المساندة لها بريف حمص الشمالي، وجاء الانسحاب بسبب إصرار الوفد الروسي على نقل مكان الاجتماع إلى مناطق سيطرة النظام.

وكانت عقدت مفاوضات غير حاسمة بين الجانبين قبل ذلك بأيام في معبر الدار الكبيرة، رغم طلب الوفد الروسي نقل مكان الاجتماع إلى فندق سفير حمص أو إلى مناطق سيطرة النظام.

وقال بيان للجنة التفاوض في حينه أن المفاوضات تناولت وضع المنطقة الحالي والمستقبلي، حيث تم الاتفاق على وقف إطلاق النار، غير أنّ النّظام لم يلتزم بوقف اطلاق النار، وواصل خلال الايام الماضية استهداف مناطق ريف حمص الشمالي بالقصف الجوي والمدفعي، مع محاولات تقدم مستمرة.

ويخضع ريف حمص الشمالي لاتفاق “خفض التصعيد” منذ آب 2017 ، دون التزام من النظام بإيقاف القصف، وقد شكلت الفصائل العسكرية العاملة في ريف حمص الشمالي قيادة عسكرية واحدة، كممثل وحيد للقرار السياسي والعسكري، مطلع نيسان الحالي، في خطوة استباقية لأي عمل عسكري من جانب قوات النظام والميليشيات المساندة لها باسم “القيادة الموحدة في المنطقة الوسطى.

وتشير كثير من المعطيات إلى أن النظام يخطط للتوجه بعد ريف حمص الى ريف حماة وربما إدلب، ومن ثم المنطقة الجنوبية التي تشمل محافظتي درعا والقنيطرة، وستكون آخر ما بيد المعارضة من مناطق.

شاهد أيضاً

بعد التدمير والتهجير..النظام يسيطر على دمشق وريفها بالكامل

قالت مصادر ملحية إن وجود تنظيم “داعش” في جنوب دمشق انتهى اليوم الاثنين مع إخراج …

النظام ينهي تدمير جنوب دمشق.. “داعش” إلى البادية

قالت مصادر محلية إن الدفعة الاولى من مقاتلي تنظيم “داعش” غادرت حي اليرموك جنوب دمشق …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two + eleven =