الآن
الرئيسية / مجتمع / مواد مجتمعية مختارة / تُرِكُوا لمعاناتهم.. مرضى الثّلاسيميا في الشّمال ضحيّة تراجع القطاع الطّبي

تُرِكُوا لمعاناتهم.. مرضى الثّلاسيميا في الشّمال ضحيّة تراجع القطاع الطّبي

صدى الشّام - حسام الجبلاوي/

وسط ظروف القصف المستمر من نظام الأسد على شمال غربي سوريا، يعاني المرضى الذين يحتاجون لعلاج ورعاية دائمة من صعوبات كبيرة تتمثل بنقص الأدوية، وقلة المراكز الصحية، والمخابر والمستشفيات المتخصصة.

ومن بين هؤلاء مرضى “الثلاسيميا” الذين لا يمكنهم البقاء على قيد الحياة دون الحصول على دم جديد كل فترة، وهو ما جعل حياتهم في خطر دائم مع كل تأخير في الحصول على العلاج.

مركزٌ وحيد

لم تحص شذى عدد المرات التي زارت فيها المركز الوحيد المتخصص بعلاج الثلاسيميا في مناطق الشمال السوري، ولكن كل ما تذكره أنها تأتي إلى كفرنبل في ريف إدلب باستمرار بين الفترة والأخرى، وتقطع في كل رحلة عشرات الكيلومترات من مخيمها الواقع في خربة الجوز بريف اللاذقية.

الطفلة التي لم يجاوز عمرها الثانية عشر قالت في حديثها لصحيفة “صدى الشام” إنها لم تمل من تجديد دمها المتكرر، بقدر ما تشعر بالضيق من الرحلة الطويلة والعناء الذي تقاسيه مع والدها للقدوم إلى المركز.

شذى ليست الوحيدة هناك المئات حالتهم مشابهة، وباتوا ضحية تراجع القطاع الطبي في المناطق المحررة، وندرة المراكز المتخصصة، والأدوية والأجهزة اللازمة، وهجرة معظم الكوادر الطبية المتخصصة إلى خارج البلاد.

يروي خالد شحرور وهو أحد نازحي مخيم أطمة معاناته التي بدأت بعد تشخيص الأطباء لمرض ابنه محمد المصاب بالثلاسيميا.

يعاني مصابو الثّلاسيميا من صعوبات كبيرة في الحصول على الدّم والعلاج بسبب عدم وجود مراكز كافية

يقول شحرور لـ”صدى الشام”: “أنا مضطر لمراجعة المركز مرة على الأقل كل ثلاثة أسابيع، فكّرتُ مراراً بنقل سكني إلى كفرنبل للتخلص من مشكلة النقل التي باتت باهظة ومتعبة لنا، لكنّ قلة الحيلة منعتني من ذلك، أحيانا أضطر لمراجعة المركز أكثر من مرتين في الشهر عندما تسوء حال ولدي، وأبقى هناك لساعات طويلة بانتظار دورنا، ثم نعود ومعنا ورقة صغيرة تشير لموعدنا قدومنا القادم”.

ويضيف شحرور “كل ما أتمناه حالياً هو افتتاح مركز قريب يخفف عنا تلك المعاناة المستمرة، ويشعرني بالأمان في حال ساء وضعه واضطررت لإسعافه”.

ضعف الدّعم

ورغم وجود العديد من المراكز الطبية والمشافي المختصة خلال السنوات السابقة، والتي كان بإمكانها مساعدة مرضى الثلاسيميا في تأمين زمر دموية لهم، وإجراء التحاليل الروتينية، إلا أنّ معظمها توقف عن العمل نتيجة القصف وشح المواد الطبية، ومنذ العام 2016 لم يبق سوى مركز واحد متخصص في كفرنبل أُنشأ في العام 2014 لهذا الغرض.

425 طفلًا في المنطقة المحررة من نظام الأسد شمال غرب البلاد حياتهم مهددة ويحتاجون لعمليّات نقل دم مستمرّة.

ويُقدم المركز الدم لمصابي فقر الدم الانحلالي أو ما يعرف بحُمَّى البحر المتوسط نسبة لانتشار المرض في دول حوض المتوسط، حيث يأتي هذا المرض بسبب خلل الجينات الذي يُسبب فقر الدم المزمن، وهو مرض قد يُسبب الوفاة لدى المصابين به.

وبحسب مدير المركز الدكتور بدر الشامان فإن هناك 425 طفلًا مصابًا بهذا المرض ويحتاجون لعمليات نقل دم مستمرة تؤدي أحيانا إلى إلى تراكمات الحديد في جسمهم؛ وهو ما يهددهم بأمراض مثل قصور في القلب أو الكلى وتطور في مرض السكري.

وأضاف الشامان في حديثه الخاص لـ “صدى الشام” أن كل مريض بحاجة إلى أدوية شهرية طارحة للحديد “Desfral” تؤمنها حاليا منظمة “الرعاية الإنسانية” بشكل مجاني، لكنّ المشكلة الأساسية وفق قوله هي النقص الحاد الحاصل حالياً في المعدات الطبية من أكياس نقل الدم وموادّ للتحاليل وكلفة تشغيلية، حيث يحصل المركز على مواده من خلال متبرعين بين الفترة والأخرى وهو ما يهدد استمراره.

ووفق الشامان يستقبل مركز كفرنبل مرضى من محافظات مختلفة مثل ريف حلب، وحمص، واللاذقية، بالإضافة إلى مناطق بعيدة في محافظة إدلب مثل مخيمات أطمة وسهل الغاب وريف حماة الشمالي، ولا يتوفر لدى الكادر أي آليات تساعد على نقل المرضى بعد علاجهم رغم حاجتهم لذلك.

ويحصل بنك الدم في كفرنبل على حاجته من الزمر الدموية المختلفة من خلال عمليات تبرع للأهالي ينظمها المركز بين الفترة والأخرى، حيث كثف المركز وفق مديره عمليات التبرع ووسعها خلال الأشهر الأخيرة، لاسيما مع وصول مرضى جدد من نازحي الغوطة الشرقية.

صعوبة الكشف

تعود أسباب مرضى الثلاسيميا وفق المخبري علاء الدين يوسف إلى عوامل وراثية ناتجة غالباً عن زواج الأقارب، أو تنتقل من الوالدين إلى الأبناء في حال كانا يحملان سمة المرض، وتصل نسبة احتمال إنجابهما لأطفال مصابين بهذا المرض إلى 25%، وأطفال سليمين 25% وحاملين للمرض بنسبة 50%، أما في حال كان أحد الوالدين يحمل المرض، فإن احتمال إنجاب أطفال حاملين للمرض يصل لـ 50%.

وتكمن المشكلة الأساسية حاليًا وفق يوسف والذي يعمل لدى “وزارة الصحة” التابعة للحكومة المؤقتة في صعوبة الكشف المبكر عن هذا المرض، حيث يحتاج ذلك إلى فحص مخبري يجري بالفصل الكهربائي للهيموغلوبين، أو تحليل انحلال الخضاب، ومعظم الأجهزة اللازمة لذلك باتت غير متوفرة في المناطق المحررة، وهو ما يضع المريض أمام خيار التوجه إلى تركيا أو مناطق النظام لمعرفة مرضه.

ويؤكد يوسف أنّ تكاليف علاج مرضى الثلاسيميا باهظة للغاية، حيث يحتاجون لأدوية شهرية قد تصل تكاليفها شهرياً إلى مائة ألف ليرة سورية وهو مايزيد من صعوبات تأمينها مع تراجع المنظمات الطبية الداعمة.

وختم يوسف حديثه لـ”صدى الشام” بالتأكيد على أن مرضى الثلاسيميا هم ضحية استهداف المراكز الطبية، وعجز المجتمع الدولي ومؤسساته عن مساعدتهم، مؤكدًا أن هذه الفئة من المرضى هم عيّنة عن آلاف المرضى الآخرين في الشمال السوري الذين تركوا لأوجاعهم.

شاهد أيضاً

فلتان أمني مستمر في إدلب ومحيطها

خطف مجهولون مدير مستشفى باب الهوى وعميد كلية الطب بجامعة إدلب أمس الأربعاء خلال توجهه …

في مناطق الميليشيات الكردية.. المواطنون تحت عبء الضرائب المزدوجة

في مناطق سيطرة الميليشيات الكردية في شمال سوريا، يدفع التجار ضريبة مزدوجة على الدخل، أولى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

one × five =