الآن
الرئيسية / سياسة / انتخابات الشمال اللبناني: معركة رئاسية مبكرة والنظام السوري حاضر

انتخابات الشمال اللبناني: معركة رئاسية مبكرة والنظام السوري حاضر

العربي الجديد /

تتقاسم مناطق الشمال اللبناني إرثاً طويلاً من الإهمال الرسمي الذي وحّد اللبنانيين من مُختلف الطوائف في وضع اقتصادي واجتماعي سيّئ، قبل أن يتم تقسيم المناطق طائفياً في القانون الانتخابي الجديد. وقد ارتبط اسم مدينة طرابلس بـ”أفقر مدينة في حوض البحر المُتوسط” بحسب دراسات للأمم المتحدة (هذا كان قبل الحرب الليبية)، وتوصف محافظة عكار بـ”خزان الشهداء” (نسبة إلى ارتفاع عدد أبناء عكّار المُنخرطين في مُختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية)، واسم منطقة بشري كـ”نقطة انطلاق إسقاط الإقطاع المسيحي في لبنان”.
لا يشعر أهل الشمال بأنهم مُمثلون في البرلمان والحكومة رغم وجود 27 نائباً شمالياً حالياً في مجلس النواب (كانوا 28 قبل وفاة النائب بدر ونوس)، و4 وزراء في حكومة سعد الحريري الحالية. يتوزّع هؤلاء بين “تيار المستقبل”، مُستقلين من مُختلف الطوائف، “تيار العزم” (كتلة رئيس الحكومة الأسبق نجيب مقاتي)، “حزب الكتائب”، “حزب القوات اللبنانية”، “تيار المردة” و”التيار الوطني الحر”. تتنافس هذه القوى وغيرها اليوم على 7 مقاعد في دائرة الشمال الأولى ذات الأغلبية المُسلمة (عكّار)، 11 مقعداً في دائرة الشمال الثانية ذات الأغلبية المُسلمة أيضاً (3 أقضية إدارية: طرابلس، المنية والضنية)، 10 مقاعد في دائرة الشمال الثالثة ذات الأغلبية المسيحية (4 أقضية إدارية: بشري، البترون، الكورة وزغرتا). ويبلغ عدد المُقترعين في الدوائر الثلاث نحو 792 ألف ناخب.

وكما في مُختلف الدوائر الـ 15 في القانون الانتخابي الجديد، تغيب المشاريع السياسية والبرامج الانتخابية لتحل محلّها شبكة تحالفات مؤقتة قد تنتهي بهدوء أو قد تنفجر بعد انتهاء الانتخابات. وتتقاطع مصادر سياسية شمالية تحدثت لـ”العربي الجديد” عند الكلام على “سعي مُختلف القوى لحجز مقاعد نيابية بعينها (أحد المقاعد السنية في طرابلس، أو المقعد الماروني في البترون مثلاً…)”، وهو ما يُعقّد شبكة التحالفات ويسحب الاستقطاب الشعبي من الأطراف البعيدة باتجاه مراكز الأقضية والمدن الكبرى في الشمال.

“المستقبل” يخوض معركتين

تتنافس 6 لوائح انتخابية في دائرة الشمال الأولى التي ينتخب فيها حوالي 276 ألف شخص، مع انقسام حلفاء “حزب الله” على لائحتين، تجمع الأولى “التيار الوطني الحر” في تحالف هجين مع الجناح اللبناني لتنظيم “الإخوان المسلمين” (الجماعة الإسلامية)، وتجمع الثانية النائب السابق، وجيه البعريني، مع لائحة من حلفاء النظام السوري في الشمال. بينما يخوض “تيار المستقبل” المعركة الانتخابية في عكّار بالتحالف مع “القوات اللبنانية”، ومعه نجل البعريني، وليد، مُرشّحاً مُنافساً لوالده. تتوزع الحظوظ الانتخابية الكبرى حول هذه اللوائح الثلاث، مع تسجيل محاولة وزير العدل السابق والمدير العام الأسبق للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، أشرف ريفي، سحب البساط من تحت أقدام “المستقبل” وتكرار تجربة الانتخابات البلدية في الشمال عام 2016، عندما فازت لوائح المُجتمع المدني المدعومة من ريفي في عدد من مناطق الشمال. لكن انسحاب النائب المفصول من “كتلة المستقبل”، خالد الضاهر، من السباق الانتخابي لصالح “المستقبل”، أضعف حظوظ ريفي الذي كان يُعوّل على اسم الضاهر لاستقطاب أصوات انتخابية”، بحسب مصادر محلية تحدثت لـ “العربي الجديد”.

وإلى جانب العوامل السياسية المحلية التي تمنح تحالف “الوطني الحر” و”الجماعة” حوالي 15 ألف صوت مسيحي في الانتخابات، وتمنح مُرشحي العائلات الكبيرة كالمرعبي والبعريني أفضلية حصد أصوات العائلات والعشائر وحصد الأصوات بالجُملة، يُسجّل حضور مُباشر للنظام السوري في هذه الدائرة بسبب وجود حوالي 5 آلاف ناخب يجمعون بين الجنسيتين اللبنانية والسورية وهم مُقيمون بشكل دائم في الأراضي السورية ويوالون النظام، ولا يزورون لبنان إلا في مواسم الانتخابات لمنح ثقل انتخابي مُستعار لحلفاء نظام الأسد في الدائرة/المحافظة. ومن المُتوقع أن يمنح هؤلاء أصواتهم إلى المُرشّح العلوي على لائحة، وجيه البعريني.

أمّا باقي المقاعد، فيُفترض أن تتوزّع بشكل طائفي بين “المستقبل” الساعي لحجز 3 مقاعد سنية من أصل أربعة، إضافة إلى المقعد الماروني الذي رشّح له النائب الحالي، حليف المستقبل، هادي حبيش. علماً أن مسيرة حبيش البرلمانية تكلّلت بتسجيل تعديه على مساحة حرجية واسعة بهدف فتح ممر خاص إلى منزله في عكّار، وارتباط اسم شقيقه وزوجة شقيقه بفضيحة تلفيق تهمة العمالة للمسرحي اللبناني، زياد عيتاني، المُتورطة فيها زوجة شقيقه، المُقدّم في قوى الأمن الداخلي، سوزان الحاج حبيش، وهي موقوفة حاليّاً. ويبقى مصير المقعدين الأرثوذكسيين في عكار مرهوناً بتوجهات الناخبين وقدرة الماكينات الانتخابية على ضبط توزيع الأصوات التفضيلية التي نصّ عليها القانون الجديد، بما يسمح بفوز مرشحيهم عن هذين المقعدين.

وفي الدائرة الثانية (طرابلس والضنية والمنية) تتنافس 8 لوائح، وهو ثاني أعلى رقم للوائح المتنافسة في دائرة واحدة بعد “بيروت الثانية” التي تتنافس فيها 9 لوائح. ويعود السبب إلى تشتت مركزية القرار السياسي في مناطق انتشار “تيار المستقبل” بعد سلسلة الأزمات السياسية والمالية التي مرّ بها رئيس التيار سعد الحريري. في قضاء الضنية مثلاً (3 مقاعد سُنيّة)، سيكون على الحريري مواجهة تبعات مخالفة رئيس كتلته النيابية، فؤاد السنيورة، ومجموعة من النواب، لقرار انتخاب ميشال عون رئيساً قبل عام ونصف العام. لذلك قرّر الحريري استبعاد النائب أحمد فتفت عن قائمة الترشيحات، وهو أحد المُعترضين على انتخاب عون، واستبداله بنجله سامي الذي “يمتلك حظوظاً أقلّ من مرشّح المُستقبل الآخر عن المقعد السني، النائب الحالي قاسم عبد العزيز”، على ما أكدت مصادر سياسية في الضنية لـ “العربي الجديد”. وترى هذه المصادر أن الحريري “حاول احتواء فتفت من خلال ترشيح ابنه، لكن توجيهات منسقيّة التيار في الضنية إلى الناخبين شدّدت على منح صوتهم التفضيلي لعبد العزيز”.

وفي قضاء المنية المُجاور، يواجه الحريري أيضاً صعوبات، بعد اعتراض النائب الحالي في “كتلة المستقبل”، كاظم الخير، على استبعاده من قائمة ترشيحات “المستقبل” قبل ساعات من موعد إعلان مرشحي المستقبل، فانضم إلى اللائحة التي شكّلها نجيب ميقاتي في الدائرة. ومن المُتوقع أن يتمكن “المُستقبل” من احتواء أزمة آل الخير بسبب تشتت أصوات العائلة بين النائب الحالي كاظم الخير، وبين حليف “حزب الله” المُرشّح على لائحة ثالثة، كمال الخير. علماً أن “المُستقبل” ومُختلف الأحزاب المشاركة في السلطة حالياً، ستستفيد إلى حدّ كبير من تشتت أصوات المنافسين في مُختلف الدوائر. وسيُغطي هذا التشتت على حالة الامتعاض الشعبية وتراجع ثقة الجمهور الحزبي بقياداته.

وفي مدينة طرابلس (ثاني أكبر مدن لبنان)، تسعى مُختلف القوى إلى حجز مقاعدها الانتخابية فيها، تأكيداً على تسيّدها للمشهد السياسي شمالي لبنان، علماً أن المدينة هي مسقط رأس نجيب ميقاتي، ووزير العمل الحالي، محمد كبارة، والوزير الأسبق ريفي، وجميعهم مُرشحون.

يحاول “المُستقبل” في طرابلس حجز مقعدين سُنيين لمُرشحيْه النائبين الحاليين سمير الجسر ومحمد كبارة، من أصل 5 مقاعد سُنية في المدينة. وبحسب حسابات الماكينات الانتخابية للمُتنافسين، قبل شهر على موعد الانتخابات، فإن إثنين من المقاعد الثلاثة الباقية ستتوزع بين ميقاتي وفيصل كرامي، نجل رئيس الحكومة الراحل عمر كرامي، بينما يتنافس على المقعد الثالث ريفي وحليف كرامي، جهاد الصمد. وتبقى هذه الحسابات مؤقتة ومرهونة بنسبة التصويت التي ستُحدّد الحاصل الانتخابي (قسمة عدد الناخبين على عدد المقاعد في الدائرة لتوزيع هذه المقاعد وفق المحاصصة الطائفية). وتتحدث معلومات عن تحالف غير مُعلن بين ميقاتي وكرامي ينص على تبادل الأصوات التفضيلية بين الضنية وطرابلس، مقابل انضمام كرامي إلى كُتلة ميقاتي النيابية بعد انتهاء الانتخابات، بحسب ما علمت “العربي الجديد”.

معركة رئاسية مبكرة

وفي دائرة الشمال الثالثة التي تضمّ أربعة أقضية إدارية ذات أغلبية مسيحية، حيث ينتخب حوالي 246 ألف شخص، يخوض الثلاثي: رئيس التيار الوطني الحر، وزير الخارجية جبران باسيل، رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية، ما يشبه معركة رئاسية مُبكرة قبل موعد الانتخابات الرئاسية عام 2022. والثلاثة مُرشحون جدّيون لتولي المنصب بعد انتهاء ولاية عون.

يتنافس المرشحون الثلاثة مع مرشحي “الحزب القومي السوري الاجتماعي” و”حزب الكتائب اللبنانية” على مقاعد الدائرة العشرة، ضمن 4 لوائح. ويبدو أنّ باسيل، صهر رئيس الجمهورية، سيتمكّن أخيراً من الوصول إلى الندوة البرلمانية كنائب عن البترون بعد أن خسر في انتخابات العامين 2005 و2009، بينما يتنافس الوزير السابق والنائب الحالي بطرس حرب، مع مُرشّح “الكتائب” سامر سعادة، على المقعد الماروني الثاني في البترون.

في قضاء الكورة، تُشير أرقام الماكينات إلى حجز النائب في كتلة “القوات” فادي كرم، للمقعد الأرثوذكسي الأول (كل المقاعد في الكورة مُخصصة للمسيحيين الأرثوذكس)، وفوز مرشح “تيار المستقبل” بالمقعد الثاني، على أن يتنافس “القوات” و”الوطني الحر” و”القومي السوري” على المقعد الثالث في القضاء.

أمّا في زغرتا، وهي القضاء الرابع في الدائرة، ومعقل “تيار المردة”، فإن المعركة اتخذت بُعداً جديداً مع تحالف ميشال معوّض، نجل رئيس الجمهورية الأسبق رينيه معوّض، مع “التيار الوطني الحر”، رغم الاختلاف السياسي العريض بينهما، ولكن تجمع بينهما الخصومة الشديدة مع تيار فرنجية. سيرث نجل فرنجية، طوني، مقعد والده النيابي، بينما سيحجز معوّض المقعد الثاني، وستكون نتيجة المقعد الماروني الثالث مرهونة بعائلات المنطقة، وخصوصاً كرم ودويهي ومعوض.

التمثيل السياسي نقيض الإنماء

عانت منطقة الشمال اللبناني من التبعات الإنسانية والاقتصادية والأمنية لأزمة اللجوء السوري في لبنان، بسبب الاتصال الجغرافي والطائفي للشمال اللبناني بالداخل السوري. فشهدت مدينة طرابلس جولات عنيفة من القتال الطائفي بين منطقة جبل محسن ذات الأغلبية العلوية، ومنطقة باب التبانة ذات الأغلبية السُنية، انتهت كما بدأت بقرار سياسي. كما عانت المنطقة من تدفّق اللاجئين السوريين إلى عكّار والضنية، وتكرار اعتداءات قوات النظام السوري على سيارات المدنيين وعلى مراكب الصيادين في شاطئ عكار.

واليوم، يجري الحديث عن إعادة تأهيل بعض المرافق الحيوية المنتشرة في الشمال من مطار القليعات الذي يبعد مسافة 6 كيلومترات عن الحدود السورية، إلى مرفأ مدينة طرابلس، مروراً بمعرض رشيد كرامي الدولي في المدينة نفسها، تمهيداً للعب دور في عملية إعادة إعمار سورية.

وبانتظار جلاء حقيقة انتعاش الشمال اقتصادياً خلال إعادة إعمار سورية، يبقى الثابت أنّ حجم التمثيل النيابي والبرلماني لشمال لبنان لم يُترجم إنمائياً، وبقيت مناطق الشمال في حالة عُزلة لا يُعبّر عنها سوى المقولة المُتداولة هناك، بأن حدود لبنان تنتهي عند نفق منطقة شكا (بين طرابلس وبيروت).

شاهد أيضاً

فعاليات الباب: الاحتجاج ضد “الحريري” عمل ثوري

استنكرت الفعاليات المدنية والثورية في مدينة الباب زيارة رئيس “هيئة التفاوض السورية” نصر الحريري إلى …

النظام يبدأ بتنفيذ الاتفاق

النظام يبدأ بتنفيذ اتفاق إجلاء الفوعا وكفريا

دخلت ستون حافلة صباح اليوم إلى بلدتي الفوعا وكفريا في ريف إدلب تحضيرا لنقل الدفعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + seven =