الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / معركة الغوطة ..  مصير الثورة السوريّة على المحك

معركة الغوطة ..  مصير الثورة السوريّة على المحك

صدى الشام _ عدنان علي/

يضع نظام الأسد، ومن خلفه إيران وروسيا، كلَّ ثقله من أجل حسم الموقف العسكري في الغوطة الشرقية بريف دمشق لصالحه، عبر حرب تدميريّة شعواء شملت شنّ آلاف الغارات الجوية على مدن وبلدات الغوطة مع إمطارها بعشرات آلاف الصواريخ وقذائف المدفعية، ما أوقع أكثر من ألف قتيل بين المدنيين، وأكثر من خمسة آلاف جريح، فضلاً عن تدمير ما تبقّى من بنى تحتيّة في هذه المنطقة المحاصرة منذ خمس سنوات.

“ضاحية جنوبيّة”!

لم يعُدْ يخفى على أحد ان الهدف النهائي من هذه الحرب التدميرية هو الضغط على الأهالي لترك مناطقهم، وترحيل مقاتلي المعارضة إلى مناطق أخرى، حيث يريد النظام، وبالأحرى إيران، المنطقة خالية ما أمكن من السكان، لاستكمال خطط الاستيلاء على محيط دمشق، ودمشق نفسها، بحيث لا تضم أية قوى مقاومة للنفوذ الإيراني في ظلّ معلومات عن خطط إيرانية لمدّ النفوذ الشيعي في مجمل المناطق المحيطة بدمشق انطلاقاً من المرجعيّة الشيعيّة الضخمة التي تعكف على بنائها في منطقة السيدة زينب شرقي العاصمة دمشق والتي تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها ليشمل العديد من البلدات المجاورة مثل الذيابية وشبعا والبحدلية وحجيرة والبويضة والسبينة وصولاً إلى جنوبي دمشق ومناطقه مثل ببيلا ويلدا وبيت سحم والحجر الأسود ومخيم اليرموك والتضامن، فضلاً عن حيّي القدم وعسالي واللذين بدأ تهجيرهما بالفعل في الأيام الأخيرة.

إذاً، الغوطة الشرقية هي العقبة الأخيرة في وجه المشروع الإيراني، لذا وجب تحطيمها، وتحطيم روح المقاومة فيها باعتبار ذلك هو الفصل الأخير من عملية إزالة العوائق أمام هذا المشروع للاستحواذ على ريف دمشق بأكمله، وتحويله إلى “ضاحية جنوبية” جديدة، تتّخذ من منطقة السيدة زينب مركزاً لها، ودفن الثورة السورية برمّتها، وبعد الغوطة سيكون جنوبي دمشق هو الهدف التالي، بل الموازي، حيث بدأ بالفعل تهجير مقاتلي حي القدم وسيتلو ذلك اليرموك والحجر الاسود، وأمرهما هيّن عسكريًّا بالنسبة للنظام.

القضم والعزل

وكما فعلت في مناطق أخرى، تتبع قوات النظام في حربها على الغوطة سياسة القضم التدريجي لمناطق المعارضة ومن ثم العمل على عزلها عن بعضها بعضًا لإضعافها، ومواجهة كل منطقة بشكل منفصل، ومن ثم التفاوض مع كل منها على حده لكي يسهل عليه فرض شروطه.

وبالفعل، تمكّنت قوات النظام من تحقيق تقدّم في شرقي الغوطة وسيطرت على مناطق عدة مثل المحمدية والشوفينية وحوش الظواهرة وحوش الأشعري وأوتايا والنشابية وحزرما ومزارع الريحان وحوش زريقة وكتيبة الدفاع الجوي، والعديد من المزارع والتلال المحيطة، وصولاً إلى بلدتي بيت سوا ومسرابا بحيث لم يتبقَّ أمامه سوى بلدة مديرا التي يعني الاستيلاء عليها فصل الغوطة إلى جزأين، شمالي يضمّ مدينة دوما كبرى مدن الغوطة، وجنوبي يضم بقية المناطق، فضلاً عن عزل مدينة حرستا عن هذين الجزئين.

وقد سيطرت قوات النظام أيضاً على “كتيبة الإفتريس” بعد اشتباكات مع “فيلق الرحمن” خسرت خلالها 30 عنصراً، وتقدمت قوات النظام في البساتين الفاصلة بين مدينتي حرستا ودوما في محاولة لفصل مدينة حرستا عن مدينة دوما التي يسيطر عليها فصيل “جيش الإسلام”، ومدن وبلدات القطاع الأوسط التي يسيطر عليها “فيلق الرحمن”.

وكان “جيش الإسلام”، أعلن قطعه الطريق الدولي “دمشق – بغداد” في منطقة القلمون الشرقي قرب العاصمة دمشق، و”ذلك بعد استهداف القطع العسكرية المحيطة به، وهو أحد أهم طرق إمداد العدو من وإلى المطارات العسكرية”.

 

حرب نفسيّة

وبالتزامن مع عمليات القصف المكثفة والتقدم التدريجي على الأرض، تنشط ماكينة النظام الإعلامية ومعها الماكينة الروسيّة في الترويج لقرب سقوط الغوطة بيد قوات النظام وترحيب الأهالي بتلك القوات مع بث روح اليأس لدى فصائل المعارضة.

وفي هذا السياق، روّجت وسائل إعلام النظام بأن هناك اتفاقاً بين أهالي حمورية في الغوطة الشرقية والنظام “لإخراج المسلحين من البلدة وفق بنود متفق عليها بين الأطراف، فيما خرجت مسيرات موالية للجيش السوري جابت البلدة منذ عدة أيام وما زالت مستمرة”، وفق صفحة “دمشق الآن” التي تديرها المخابرات السورية.

من جهتها، نشرت صفحة “عرين الحرس الجمهوري” أسماء من قالت إنهم متعاونون مع نظام الأسد في حمورية، وقالت إنهم يقودون التحركات المؤيدة للنظام في البلدة.

كما زعمت وسائل إعلام النظام أن أربعة أشخاص قُتلوا أثناء محاولتهم الخروج من “الممرّ الانساني” المؤدي من جسرين إلى المليحة، بعد استهدافهم من جانب مقاتلي المعارضة.

من جهتها، زعمت وزارة الدفاع الروسية سقوط عدد من القتلى والجرحى جراء استهداف “فيلق الرحمن” قافلة كانت تقلّ مدنيين لإخراجهم من الغوطة الشرقية إلى العاصمة دمشق.

وقال مدير مركز حميميم الروسي اللواء يوري إيفتوشينكو، إن عناصر المجموعة قصفوا قافلة كانت تتّجه نحو المعبر الإنساني في قرية المليحة، والذي فتحته قوات النظام لتمكين المدنيين من مغادرة المنطقة، وادّعى أن عدد المدنيين المستعدّين للخروج من المنطقة يبلغ حتى هذا اليوم 1500 شخصاً.

وذكرت وكالة “سانا” التابعة للنظام أنه تمّ “بالتعاون مع الفعاليات الشعبية ووجهاء الغوطة افتتاح ممر جديد لإخراج المدنيين من منطقة القتال عبر طريق جسرين-المليحة”.

وتنفي فصائل المعارضة هذه المزاعم باستمرار، مؤكدةً أنه لا أحد من أهالي الغوطة يرغب في مغادرة أرضه نظراً لعدم ثقتهم بما قد يتعرضون له على يد قوات النظام، فضلاً عن رفضهم لفكرة التهجير إلى مناطق أخرى.

مساعدات أمميّة

في غضون ذلك، أدخلت الأمم المتحدة ومنظمة الصليب الأحمر الحمولة المتبقّية من القافلة الأولى للمساعدات التي لم تفرغ والمخصّصة لمدينة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية.

وقالت اللجنة الدولية لمنظمة الصليب الأحمر إن قافلة المساعدات التي دخلت الغوطة  تشمل 13 شاحنة كان من المفترض تفريغها مع القافلة التي دخلت الإثنين الماضي، ولا تضمّ القافلة الأدوية والمواد الطبية التي منعت حواجز قوات النظام دخولها.

وقد خرج مع قافلة الامم المتحدة 13 شخصاً من الموقوفين لدى “جيش الإسلام” والتابعين لـ “هيئة تحرير الشام”، ووصلوا إلى محافظة إدلب، وسط حديث عن مفاوضات لإخراج بقية مقاتلي الهيئة من الغوطة، والذين تتذرّع روسيا بوجودهم لقصف الغوطة.

الأوضاع الإنسانيّة   

إلى ذلك، قالت الأمم المتحدة إن العمليات العسكريّة التي تشهدها الغوطة الشرقية أدت إلى إفراغ ثلاث بلدات من سكانها، ونزوح ما يزيد عن 50 ألف شخص.

وفي مؤتمر صحفي عقدته المتحدثة باسم الأمم المتحدة للشؤون الإنسانيّة، ليندا توم، قالت إن سكان كل من بلدات مسرابا وحمورية ومديرا، فرّوا من النزاعات الدائرة في بلداتهم إلى مدينة دوما.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن الحملة العسكريّة سبقها حركة نزوح أدّت إلى تشريد ما يزيد عن 15 ألف شخص نزحوا داخل الغوطة نهاية كانون الثاني الماضي.

من جهتها، وصفت هنرييتا فور، المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) الغوطة الشرقية المحاصرة بـ “الجحيم على الأرض” للأطفال.

 ووصف ناشطون الوضع الإنساني في الغوطة بأنه كارثي، مؤكداً أن معظم الناس يعيشون إما تحت الأرض أو تائهون في الشوارع، وكثير منهم لم يتناول أي طعام منذ ثلاثة أيام، فيما يملأ الركام الشوارع، حيث إن أغلب الطرقات مدمّرة وغير صالحة للاستخدام إضافة إلى دمار البنية التحتيّة بشكل شبه كامل، بينما تعيش الكوادر الطبية حالة من الشلل والعجز بسبب كثرة الإصابات وقلة الإمكانيات.

 

استعدادات

في غضون ذلك، تشهد محافظة درعا جنوبي سوريا تحضيرات مختلفة استعداداً لمعركة مرتقبة مع قوات النظام، في ظل مؤشرات على قرب اندلاعها، وسط تعزيزات وتحشيدات متبادلة، بغية تخفيف الضغط عن الغوطة الشرقية، وتحسباً لأن تكون درعا هي المحطة التالية للنظام بعد الغوطة.

وحسب مصادر عسكرية فإن المعركة المرتقبة ستكون باتجاهين: الأول باتجاه مثلث الموت وتتولاه فصائل تحالف الجنوب التي تنتمي إليها فرقة “الأولى مشاة”، والثاني باتجاه خربة غزالة وازرع وستتولاه فصائل تحالف “الجيدور” التي تواصل بدورها التحضير للعمل العسكري المرتقب.

وكانت مصادر صحفيّة ذكرت أن التحضيرات في الجنوب تزامنت مع وصول نحو 200 ضابط وجندي أمريكي إلى قاعدة “التنف” قرب الحدود مع الأردن والعراق، والتي تضم غرفة عمليات أمريكيّة مشتركة مع فصائل من الجيش السوري الحر في المنطقة، وكذلك وصول عدد من الضباط البريطانيين إلى الحدود السورية الأردنية، في إطار تلك التجهيزات.

غصن الزيتون

وفي شمال البلاد، تسارعت وتيرة عملية “غصن الزيتون” في مختلف المحاور، وباتت على مشارف مركز مدينة عفرين والتي تعتبر

المعقل الأبرز لـ “وحدات حماية الشعب” الكردية، وسط انهيارات في صفوف المقاتلين الأكراد بالرغم من التعزيزات التي وصلتهم أخيراً من شرقي البلاد.

وقد سرّعت فصائل المعارضة من وتيرة عملياتها وأحرزت تقدماً كبيراً في الأسبوعين الأخيرين، سيطرت خلالهما على ثلاثة نواحٍ كُبرى وأكثر من عشرين قرية وبلدة.

ورأى مراقبون أن “وحدات الحماية” الكردية تشهد انهياراً سريعاً في دفاعاتها بسبب الضربات الدقيقة التي يوجهها لها سلاح الجو التركي وفقدانها طرق المواصلات، وانهيار معنويات مقاتليها مع تضييق الخناق عليهم أكثر وفقدانهم لمعظم النواحي ومراكز الثقل السكاني في المنطقة، حيث لم يتبقَّ بيد الوحدات الكردية سوى ناحية واحدة هي المعبطلي، إضافة إلى مركز مدينة عفرين، وما تبقى قرى صغيرة يصعب الدفاع عنها.

شاهد أيضاً

“حركة رجال الكرامة”: لسنا طرفا في إراقة الدماء

أعلنت “حركة رجال الكرامة” في بيان لها وقوفها على الحياد وعدم دخولها في المعارك الجارية …

المعارضة تشكل غرفتين للعمليات العسكرية في الجنوب

أعلنت فصائل من المعارضة السورية المسلحة في الجبهة الجنوبية عن تشكيل غرفتين للعمليات العسكرية في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

nine − seven =