الآن
الرئيسية / مجتمع / زواج القاصرات بريف حمص الشمالي في ازدياد

زواج القاصرات بريف حمص الشمالي في ازدياد

صدى الشام- يزن شهداوي/

قد يكون الزواج المبكر مفهومًا في سياق النقاش الدائر حول إيجابياته وسلبياته في كل مجتمع من المجتمعات وبالتالي فإن انتشاره يبقى مبنيًا على أسس موجودة وعوامل أخرى طارئة، لكن ما يدعو لقرع ناقوس الخطر هو وجه آخر للظاهرة يحاول الإفادة من مبرراتها للانتشار أكثر ويتمثل بزواج القاصرات، ولعل أبرز ما يقود إلى الحديث عن “خطر” ليس البعد الإنساني والقانوني العام لهذه الظاهرة بل أثرها المباشر على المتزوجات ولجوء بعضهن إلى إيذاء أنفسهن الذي قد يبلغ حد الانتحار.

مخاطر

لوحظ انتشار زواج القاصرات بشكل كبير في مناطق ريف حمص الشمالي خلال الأشهر القليلة الماضية، يقول أبو محمد، أحد رجال الدين في تلبيسة شمالي حمص، وأحد المسؤولين عن عمليات توثيق الزواج بشكل شرعي في المحاكم الشرعية التابعة للمعارضة، إن عدد حالات الزواج هذه تشهد ارتفاعًا كبيرًا حيث وصلت أعداد القاصرات المتزوجات إلى حوالي 600 فتاة دون سن الخامسة عشر في عموم ريف حمص الشمالي، وذلك خلال أشهر.

ورغم تسجيله لعمليات الزواج تلك، إلّا أن أبو محمد لا يخفي عدم رضاه عنها لتقديره للعواقب الاجتماعية التي قد تتعرض لها الفتاة في حالة زواجها وهي في سن القاصر.

وفي هذا السياق تحدث أبو محمد لـ “صدى الشام” عن إحدى الحالات التي مرت عليه، حين تمّ تزويج الفتاة “مريم” وهي في سن الثالثة عشر من رجل يكبرها بإثني عشر عامًا، وهو من مقاتلي المعارضة، وعقب عام من زواجها أنجبت طفلًا بعد عناء كبير في حملها وذلك لأن جسدها كان ما يزال غير مؤهل للحمل وتبعاته، وأضاف أن هذه الفتاة تعاني اليوم كسائر القاصرات المتزوجات من عدم الوعي بمسألة الزواج، وما سيترتب عليه، بالإضافة إلى عمليات الإنجاب التي ستكون من خلالها مسؤولة عن حياة أطفالها “مع أنها تُعتبر هي نفسها قاصر أي طفلة”، واستطرد “الكثير من أهالي المتزوجات القاصرات يعانون مع بناتهم اللاتي يعاملن أطفالهن كالألعاب التي اعتادوا أن يلاعبوها في صغرهم!”.

ويشير أبو محمد، إلى أننا وبالمحصلة نقف أمام ظاهرة متشعبة المشكلات والمخاطر “فزواج الفتاة القاصر يحرمها من حقها في إتمام مراحل بناء جسدها وعقلها بجانب أهلها لتأهيلها لأن تكون زوجة وأمّ في المستقبل، علاوةً على حرمانها من حقها من التعليم، أو تعلم القراءة والكتابة بالحدّ الأدنى، وبذلك ستبني هذه القاصر أجيالًا غير مؤهلة علميًا وغير قادرة على التعلم في المستقبل فالأم المتعملة تعتبر ركيزة هامة في تعليم الأطفال”.

وفي الغالب لا تتكلّل حالات زواج القصر بالنجاح على المدى الطويل، بسبب عدم وعي الطفلة القاصر وغياب التوازن في العلاقة الزوجية مع زوج يكبرها بأعوام، وبالتالي يصبح الانسجام الفكري والنفسي معدوماً، “فالرجل يكون همّه متطلبات الحياة وتأمينها بينما تكون اهتمامات الزوجة القاصر في مكان آخر ربما يتعدى مرح الطفولة، لعدم وعيها للمرحلة الهامة التي دخلتها بزواجها، والذي لم تصل بعد إلى مرحلة اتخاذ قرار بشأنه”، وفق أبو محمد.

لماذا؟

وعما يدفع الأهالي لتزويج بناتهم في سن مبكر، قالت إحدى النساء العاملات في تنسيق عمليات الزواج بين العائلات، وتدعى أم تحسين، “أن كثيرًا من العائلات يلجؤون إلى ذلك بسبب الخوف على بناتهم من مخاطر اقتحام قوات النظام لمناطقهم ومقتل الأب والأم تحت عمليات القصف المختلفة وبقاء هؤلاء البنات دون معيل أو ولي أمر يعتني بهن كحال الكثير من الفتيات اليتيمات، لذا فهم يسعون لتزويج بناتهم وهم ما يزالون على قيد الحياة وذلك للاطمئنان بأنه أصبح لهذه الفتاة حياة وعائلة خاصة بها مهما كانت ظروف المعيشة بسيطة، وحتى لو كان الشاب فقير الحال فالمهم أنهم يعلمون بأنه سيكون سندًا لها في المستقبل”.

يضاف إلى ذلك أيضًا العامل الاقتصادي فقد باتت عوائل ريف حمص الشمالي تشتكي من كذلك الفقر الشديد، والذي أصبح بدوره سببًا رئيساً في زواج القاصرات، فكثير من هذه العائلات تلجأ إلى تزويج بناتها إلى رجال من عائلات غنية إلى حدّ ما لتأمين معيشة جيدة لبناتهم، وللتخلص من عبء المصاريف التي تترتب على وجود كل فرد من أفراد الأسرة ومصاريفه المتمصلة بالطعام والشراب وسواها.

وعلاوةً على ذلك يبرز عامل آخر تحدثت عنه أم تحسين، وهو تسلط بعض العائلات والتي يترأس أبنائها بعض الفصائل المسلحةـ ليصبح بمقدوره إجبار أهل الفتاة على القبول بطلب الزواج رغماً عنهم، “ولكن هذه الحالات كانت قليلة مع أنها حصلت فعلاً في مناطق عديدة”.

وهناك أيضًا خوف بعض العوائل من ظاهرة العنوسة خاصة مع قلة عدد الشبّان نتيجة مقتل الكثيرين أو سفرهم خارج البلاد، وبالتالي أصبح هذا الهاجس أحد الأسباب الرئيسة أيضاً في موافقة الكثير من الأهالي على تزويج بناتهم رغم صغر سنّهم، فمعظمهم يجد في زواج بناته خيارًا جيد لهن من جميع النواحي المادية والإجتماعية، وضمن الأعراف والتقاليد التي ما زالوا يتبعونها.

نشر الوعي

انطلاقًا من كل العوامل والدوافع السابقة فإن الكثير من العوائل في ريف حمص الشمالي باتت لا تجد في زواج الفتيات بسن مبكر مشكلة بل ضمانًا لحياتهن ومستقبلهن، دون النظر إلى إمكانية تقريرون خياراتهن بإرادتهن.

ومن جانبها حاولت مديرية الثقافة التابعة للحكومة السورية المؤقتة الدخول على خط التأثير في هذا الشأن فقامت بالتعاون مع مكتب شؤون الأسرة بإطلاق مبادرة “زواج القاصرات” لنشر الوعي وتثقيف العائلات بمخاطر الزواج على الفتيات وعائلاتهم وعلى المجتمع بأكمله، خاصة بعد الحديث عن كثرة الحالات في هذا السياق عقب دراسة أجريت في ريف حمص الشمالي وأظهرت معاناة الزوجات القاصرات من أمراض عصبيّة ونفسيّة.

شاهد أيضاً

تركيا تفعّل حركة الترانزيت وعبور الطلاب عبر معبر “باب الهوى”

أعلن “معبر باب الهوى” الحدودي بين سوريا وتركيا، عن التوصّل إلى اتفاق مع السلطات التركية، …

هذه علاقة الأتراك باللحوم

يتفاوت استهلاك اللحوم في تركيا بحسب المناطق الجغرافية أو القوميات ربّما، فديار بكر ذات الأغلبية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

four × 2 =