الآن
الرئيسية / Uncategorized / خيبة أمل

خيبة أمل

صدى الشام _ محمد كساح/

في إحدى البقع المحاصرة من كلِّ الجهات، حيث سُدّتْ جميع المداخل والمخارج، حتى لو أن عصفوراً صغيراً أراد الخروج، لالتقطَتْه عشرون قناصة، وحوَلته إلى قطعٍ صغيرة من الريش واللحم المحروق؛ توافد الناس زرافات ووحْداناً يلبّون نداءَ التكبير، مسارعين إلى مسجد الحي القريب.

 كان المؤذّن قد فرغ لتوه من أذان الجمعة، بينما جرى بين أبي سعيدٍ وأبي محمود الحديث التالي:

– لا إله الا الله… اللهم ربَّ هذه الدعوة التامَّة والصلاة…

 وهنا خَفَض أبو سعيد صوتَه متابعاً الدعاء بخشوع وتبتّل، وعندما انتهى قال أبو محمود:

– ما أجمل يوم الجمعة يا أبا سعيد! لكنه كان أفضل بكثير في الأيام الماضية التي سبقت الحرب؛ كان أحدنا يدخل الحمّام فيجد الماء ساخناً، والحمّام نظيفاً فيغتسل ويصبِّن شعره ويَفرك جسده بالصابون المعطّر، ويتنظَّف جيداً، أما الآن فيا حسرةً!

وهنا قال أبو سعيد الذي أعجبَه الموضوع على ما يظهر:

– معك حقّ؛ اليوم انتظرْت ساعتَيْن حتى تمكَّنْت من تسخين قليل من الماء على مَوْقد الحطب، ولا تسأَلْ عن الوَسَخ المتطاير من الدُّخان الذي سوَّد جسمي بدلاً من تنظيفه!

فردَّ أبو محمود:

– مَوقد الحطب أَضَعُ فيه كل شيء يَخطر ببالك: البلاستيك، النَّايلون، الكرتون، القماش، كل شيء ما عدا الحطَب!

– ما أتعس هذه الحياة! تَمْتم أبو سعيدٍ، هَلُمّ ندخل إلى المسجد؛ علَّنا نسمع كلاماً حلواً يُريح القلب، ويسرّ الخاطر.

وهنا كان الاثنان يتخطَّيان عتَبة مسجد قديم بلا مِئذنة، فقد تهدَّمت بفعل القصف، وجثا نصفُ جسمِها على الشارع الملاصق للمسجد كأنه في سجود لا ينقطع.

دلف الاثنان مع الداخلين، وكان الخطيب قد صعد للتوِّ على المنبر الخشبي، وسلَّم ثم قام المؤذِّن ليصدَح ثانيةً بكلمات الأذان في صوت عَذْب، ولحن مُنغَّم، وبعد انتهائه قام الخطيب وهو رجل أربعينيّ ما يزال شعر رأسه الكثيف محافظاً على سوادِه دون خِضاب، أو أيَّة صبغة سوداء، كان يلبس عباءة فضفاضة بدَتْ كبيرةً أكثرَ من اللازم، لكنَّ أحدًا من المصلِّين لم يُشِرْ ولو بغمزة خاطفة إلى هذه العباءة، وهل بالإمكان التكلُّم عن الشيخ أو عن لباسِه في تلك المدينة التي نسيها الزمن؟

 إنه يتكلَّم عن الله، و يخطب على مِنبرِ رسول الله، كما كان يحبّ أن يردّ على معارضيه القلائلِ في تلك الأيام العصيبة.

 تَنحْنَحَ الشيخ، وسَعل سعالاً خفيفاً، ثم شرَع في الخطبة.

 أطال في الحمْدلة، واستفاض في الصلاةِ على النبي، وجَلْجل صوته بالدعاءِ بعد انتهاء الخطبة، ولكن عمَّ كانت الخطبة؟

 لا أحدَ يعلم … غير أن الحاضرين سمعوا كلاماً مُنمَّقاً، وشعراً موزوناً أحياناً، ومكسور الوزن في أغلب الأحيان.

وكان الشيخ يرفع صوتَه تارة، ويَخفِضه في خضوع وخشوع تارة أخرى، ولن نطيل في وصف الخطبة التي بدت غيرَ مفهومة للحاضرين، والتي استمرَّت ساعة من الزمن؛ ساعة كاملة … أحس بها المصلون كأنها أربع وعشرون ساعة! وربما تبيَّن السبب في نوم أغلب المصلين في الصفوف الخلفيَّة للمسجد، الذين كانوا يَسندون ظهورهم على جدران المسجد!

 وعندما انتهى الخطيب قال للناس:

– وها قد انتهينا من الحديثِ عن محبَّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي لقاء قادم سوف أُحدِّثكم عن الأدلَّة الواضحة التي تُوجِبُ علينا قول: “يا سيدي يا رسول الله”؛ خلافًا لأولئك البخلاء الذين يضنّون على النبيِّ بهذه الصفة”.

أَقم الصلاةَ، وسوُّوا الصفوفَ…

كانت البلد في تلك الأثناء تعاني من أزمة الحصارِ واشتدادِ الجوع، وكان من المُقرَّر عقد هدنة مع العدو، أو الاستمرار في الحرب، لكن مع تفعيل سلاح القصف على المدنيين، كانت المسألةُ مُعقَّدةً للغاية، وتقاطر الناس إلى الخطيب المحترم؛ ليعرفوا المزيد حول هذا الموضوع الهام.

وعندما انتهى الخطيبُ من صلاة الجمعة قام فصلَّى السُّنة، ثم خرج مشتملاً بعباءتِه الفضفاضة، بدَتْ عباءته في نظر المصلين أكبرَ بكثير، حتى كأن الشيخَ اختبَأَ تحتها؛ كي لا يراه أحد، وعندما كان المصلون يحملون نِعالهم ويلبسونها ثم يخرجون من المسجد، قال أبو سعيد لصديقه أبي محمود:

– أتذكرُ يا أبا محمود في يومٍ ما، عندما حدَثَتْ مجزرة كبيرة في مدينتي، حضرتُ الجمعةَ، وكان الناس متلهِّفين لسماع شيء ما من الخطيب، أيِّ شيء يُخفِّف عنهم، لكن الشيخَ افتَتح خطبتَه بالقول: إنه سيتكلَّمُ في هذه الخطبة والخطب القادمة عن الحج وأحكام العمرة!

وسار الجميع متقاطرين يلفُّهم الصمتُ، وكثير من الأسى والحزن، وكانت شمس شباط الدافئة تُدغْدغ مشاعرهم بكل حنان؛ كأنها تحرسُهم بيديها الحانيتَيْن كأم رؤوم عطوف!

شاهد أيضاً

مجلة بريطانية: انتصار الأسد في سوريا “أجوف”

اعتبرت مجلة “إيكونوميست” البريطانية، أن الانتصارات التي يحققها بشار الأسد في الشمال على حساب المعارضة،  …

اعتقال سوريين أعادهم لبنان “قسرًا” إلى بلدهم

قال تقرير دولي صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش”: “إن النظام السوري اعتقال مدنين سورييين، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

eight + 12 =