الآن
الرئيسية / سياسي / سياسة / خرائط الشمال السوري.. صراع دولي على اقتسام النفوذ
نقاط الرباط في إدلب / عدسة : عامر السيد علي

خرائط الشمال السوري.. صراع دولي على اقتسام النفوذ

صدى الشام _ عدنان علي/

يشهد الشمال السوري تطورات عسكرية متسارعة محكومة بتوازنات إقليمية ودولية متشابكة، ومرتبطة على نحو وثيق بالمسار السياسي الذي تعدّدت محطاته من جنيف إلى أستانا إلى سوتشي، دون أن يتبلور حتى الآن مسار ناضج، قد يفضي إلى حل سياسي مستدام.

وخلال الأيام الأخيرة وضع نظام الأسد، ومن خلفه روسيا وإيران، كل ثقله للتوغل في إدلب غربي سكة القطار في المنطقة المصنفة ” ب” بموجب تفاهمات أستانأ والتي لا يفترض أن توجد فيها قوات للنظام، وذلك فيما يبدو أنه مسعى إيراني لاستغلال الانشغال التركي بعملية عفرين من أجل انتزاع مكاسب على الأرض تتمثل بالوصول إلى بلدتي كفريا والفوعة وفك الحصار عنهما، فضلاً عن حصر فصائل المعارضة في شريط ضيق على الحدود التركية.

غير أن هذا السيناريو أصابه بعض العطب بعد إسقاط الطائرة الروسية في سماء أدلب، وهو ما فُهم أنه رسالة أمريكيّة- تركيّة لروسيا بأن عليها لجم حليفيها النظام وإيران، ولجم نفسها، عن العبث بتفاهمات أستانا التي التزمت بها تركيا، بينما يحاول الطرف الآخر ابتزاز أنقرة من أجل إطلاق يده في مناطق المعارضة مقابل غض الطرف عن العملية العسكرية التركيّة في عفرين.

وبعد إسقاط طائرتها في إدلب بصاروخ حراري، صبت روسيا جام غضبها على محافظة إدلب وقصفت بالطائرات والصواريخ بعيدة المدى من البحر بلدات عدة ما أسفر عن مقتل عشرات الأشخاص جلهم من المدنيين، في حين نفت واشنطن أن تكون زودت أياً من الفصائل في سوريا بصواريخ محمولة مضادة للطيران، وذلك عقب تلميحات روسية بشأن مصدر الصاروخ الذي أسقط  تلك الطائرة.

إلى محور آخر

وساد هدوء حذر المنطقة بعد عمليات القصف الروسية في حين أعلن مسؤول عسكري في قوات النظام توقف العمليات العسكرية لتلك القوات في شرقي محافظة إدلب وتوجهها نحو “جبهات أخرى” وسط حديث عن امتعاض تركي- أمريكي من تجاوز قوات النظام المدعومة من روسيا وإيران لتفاهمات أستانا التي تمنعها من التوغل في المنطقة “ب” غربي سكة الحديد في ريف إدلب الشرقي، مع تكهنات بأن إسقاط الطائرة الروسية قد يكون أحد أشكال التعبير عن هذا الامتعاض.

وقالت مصادر إعلامية محلية إن أول من تبنى المسؤولية عن إسقاط الطائرة هو فصيل “جيش النصر” التابع لـ”الجيش السوري الحر”، والذي تشكل عام 2015 من عدة فصائل للمعارضة المسلحة، وتشمل مناطق وجوده حالياً محافظتي حماة وإدلب.

ونشر “جيش النصر” مقطعاً مصوراً أظهر الطائرة الروسية وهي تشتعل في سماء بلدة معصران، كما ظهر الطيار الذي كان يقود الطائرة يهبط بمظلته قبل أن يتم نشر صور لجثته وحولها العشرات من أهالي المنطقة.

من جهتها، أعلنت “هيئة تحرير الشام” مسؤوليتها عن إسقاط الطائرة، لكن مراقبين لاحظوا أنها استخدمت في إعلانها مقاطع الفيديو نفسها التي صورها عناصر “جيش النصر”.

وساد جبهات ريف إدلب الشرقي هدوء حذر عقب إسقاط الطائرة الحربية الروسية، وسط الحديث عن توقف عمليات قوات النظام في المنطقة وتوجهها إلى محور آخر.

يأتي ذلك، بعد أن صعدت قوات النظام وبإسناد كثيف من الطيران الحربي الروسي من هجماتها في ريف إدلب الجنوبي والشرقي مستهدفة خاصة مدينة سراقب ومحيطها في مسعى للوصول إلى المدينة ومنها إلى بلدتي كفريا والفوعا المحاصرتين والمواليتين للنظام في ريف إدلب الشمالي، وذلك في ظل تشتت الفصائل المدافعة عن المنطقة وخلافاتها مع “هيئة تحرير الشام”، وفي ظل صمت تركي على خرق النظام وروسيا وإيران لتفاهمات أستانا، واستغلالهم كما يبدو حاجة تركيا لدعمها في عمليتها بمنطقة عفرين.

وأسفر القصف والعمليات العسكرية عن خروج معظم المراكز والنقاط الحيوية في تلك المناطق عن الخدمة خاصة في سراقب والقرى المجاورة مثل كفرعميم والريان الشيخ إدريس، مع استمرار موجة النزوح، حيث قُدّر عدد النازحين من هناك بمئتي ألف نسمة خلال الأيام الماضية وسط تفاقم المعاناة الإنسانية، بعد أن امتلأت البساتين والأحراش والمباني المهجورة بمدينة إدلب بالنازحين الهاربين من القصف.

تفاهمات أستانا

ومع الحديث عن توقف العمليات العسكريّة بريف إدلب الشرقي، نقلت وسائل إعلام تابعة للنظام عن سليمان شاهين، قائد “مجموعات الحمزة” التابعة لميليشيا سهيل الحسن، قوله إن عمليات قوات الأسد شرقي إدلب توقفت، وأن القطاعات وستُسلّم لقوات عسكرية مهمتها التثبيت.

وأوضح شاهين أنه سيتم “تثبيت نقاط مراقبة على أوتستراد معرة النعمان – حلب، لتتحول الأعمال العسكرية باتجاه آخر يتم الإعلان عنه لاحقاً”، في إشارة إلى إعادة التزام قوات النظام بتنفيذ التفاهمات المسربة عن اتفاق أستانا والتي تمنع قوات النظام من التوغل في المنطقة “ب” غربي سكة القطار، وهي منطقة من المفترض ان تكون بموجب هذه التسريبات خالية من وجود قوات النظام، وتحت سيطرة الفصائل، خلافا للمنطقة “أ” شرقي السكة التي يفترض أن تكون تحت الحماية الروسية وتديرها مجالس محلية، بينما تكون المنطقة “ج” تحت الحماية التركية.

وكانت قوات النظام توغلت خلال الأيام الماضية في عمق المنطقة “ب” عقب سيطرتها على مطار أبو الظهور، وباتت على بعد كيلومترات قليلة فقط من مدينة سراقب في محاولة منها للوصول إلى بلدتي كفريا والفوعا المواليتين لنظام والمحاصرتين من جانب فصائل المعارضة في ريف إدلب الشمالي.

وكانت فصائل المعارضة قد شكّلت غرفة عمليات موحدة تحت اسم “دحر الغزاة”، بغية وقف زحف قوات النظام في المنطقة.

وأعرب مراقبون عن اعتقادهم أن ضغوطاً تركيّة على روسيا قد تكون وراء توقف عمليات قوات النظام في تلك المنطقة، ما دفع روسيا إلى الطلب من قوات النظام المدعومة من إيران وقف عملياتها في المنطقة والالتزام بتفاهمات أستانا، فضلاً عن امتعاض أميركي من محاولة حلف روسيا وإيران والنظام التهام محافظة إدلب بالكامل، ما قد يعني تغييراً كبيراً في موازين القوى على الأرض، وفي المعادلات الناظمة للعملية السياسية بين النظام والمعارضة، لأن سقوط إدلب، على غرار سقوط حلب من قبل بيد قوات النظام، ينهي فعلياً وجود المعارضة في الشمال السوري برمته، باستثناء المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المدعومة من تركيا في ريف حلب الشمالي.

وأجرت أنقرة اتصالات مكثفة مع موسكو عقب استهداف قواتها قبل أيام خلال محاولتها تثبيت نقطة مراقبة في ريف حلب الجنوبي، بموجب اتفاقات أستانا، وأكد الرئيسان رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين على الالتزام بتلك الاتفاقات وعدم إعاقة انتشار القوات التركية في تلك المنطقة، وذلك عقب إطلاق النار بشكل متكرر وتفجير سيارة مفخخة في تلك القوات من جانب من قوات نظام الأسد والميليشيات الإيرانية، الأمر الذي فسره مراقبون عسكريون بأنه حركة إيرانية لإرباك تركيا والضغط عليها كي تغض الطرف عن تقدم قوات النظام باتجاه بلدتي كفريا والفوعة، مقابل مواصلة غض النظر عن العملية العسكرية التركية في عفرين.

وقالت مصادر إعلامية إن مباحثات جرت قبل أيام بين ضباط روس وأتراك داخل إحدى القواعد العسكرية التركية بحث خلالها الجانبان أبعاد الاعتداءات الأخيرة على القوات التركية داخل الأراضي السورية من قبل عناصر إيرانيين موجودين بريف حلب الغربي، واتفق الجانبان على إعادة دخول القوات التركية إلى الأراضي السورية.

وأضافت أنه تم الاتفاق على نشر مخافر للشرطة الشيشانية على أطراف سكة الحجاز التي تمتد من “أم حارتين” بريف حماة الشرقي حتى “حي الراشدين” في حلب، حيث سيتم وضع المخافر على مسافة بين ٢٠ و٣٠ كم، وفي الجانب المقابل سيتم وضع مخافر تركية على طريق حماة – حلب بشكل متناظر مع مخافر الشيشان.

وأشارت إلى أنه سيتم نزع السلاح الثقيل والمتوسط من المنطقة “ب ” الواقعة بين سكة الحجاز وطريق الأتوستراد، على أن تنتشر فيها “الشرطة الحرة” التابعة للجيش الحر، وستقوم على تسيير أمورها المجالس المحلية التابعة لكل منطقة.

ومن جهة أخرى، يرى المراقبون أنه بالرغم من نفي واشنطن تزويد فصائل المعارضة بصواريخ حرارية محمولة على الكتف مضادة للطائرات، إلا ان هذا الاحتمال يبقى وارداً، وقد يكون أحد تلك الصواريخ هو الذي تسبب في إسقاط الطائرة الروسية، خاصة أن الفصيل الذي أعلن عن إسقاطها وهو “جيش النصر” المدعوم من الولايات المتحدة.

خطط قوات النظام

وحسب مصادر عسكرية تابعة لنظام الأسد فإن الخطط العسكرية لقوات النظام ستركز في المرحلة المقبلة على محور بلدة العيس وتلّتها الاستراتيجية في ريف حلب الجنوبي، وريف حماة باتجاه الشمال (أي ريف حلب الجنوبي) بهدف وصل الجبهتين، وجعل الجبهة المواجهة لإدلب عريضة بشكل كبير، وتمتد من الحمدانية جنوباً مروراً بتل طوفان عند الحدود الإدارية لحلب، وصولاً إلى بلدة الحاضرة شمالاً في ريف حلب الجنوبي الذي يعتبر امتداداً طبيعياً لجبهة إدلب.

وتسعى قوات النظام للسيطرة على العيس، ومن ثم السيطرة على بلدة الزربة القريبة، وتأمين الجزء الذي يمر في ريف حلب من الأوتوستراد وفقاً لتلك المصادر.

كما تشير الوقائع على الأرض إلى أن قوات النظام تتجه خلال المرحلة المقبلة إلى تقليص المساحات التي تمدد فيها مؤخراً تنظيم ” داعش” في ريف حماة الشرقي بعد أن سمحت له في وقت سابق بهذا التمدد بهدف مضاعفة الضغط على فصائل المعارضة في تلك الجبهة، حيث قاتل الطرفان معاً تلك الفصائل ما أدى إلى انكفائها عن مطار أبو الظهور.

وقد سيطرت قوات النظام بالفعل على قرى عدة في ريف حماة الشرقي بعد انسحاب تنظيم “داعش” منها دون قتال، في حين ألقى الطيران المروحي التابع للنظام براميل متفجرة على قرى أخرى.

عملية سوتشي

وتزامنت هذه التطورات الميدانية مع انعقاد مؤتمر سوتشي الذي أقر لأول مرة وثيقة المبادئ الـ 12 التي كان المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا سبق أن قدمها إلى وفدي النظام والمعارضة في محادثات جنيف.

وأبرز هذه المبادئ الاتفاق على تشكيل لجنة دستورية من النظام والمعارضة لإعداد دستور جديد للبلاد أو تعديل الدستور الحالي الذي وضعه النظام عام 2012 على أن يكون عمل اللجنة المكونة من 150 شخصاً تحت اشراف دي ميستورا.

وحسب المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرينيتييف فإن الوثائق التي تم إقرارها في مؤتمر سوتشي ستحال إلى دي ميستورا، لمواصلة العمل بها، مؤكداً أن “مؤتمر الحوار الوطني السوري يسعى لدعم عملية جنيف بالتوافق مع قرار 2254 لمجلس الأمن الدولي”، ولم يستبعد عقد جولة ثانية من مؤتمر الحوار الوطني السوري لكن بشكل وإطار مختلف، حسب تعبيره.

من جانبه، قال دي ميستور إن تشكيلة اللجنة الدستورية ستكون واسعة إلى أقصى حد ممكن، “فيجب أن تضم على الأقل، ممثلي الحكومة والمعارضة الذين يشاركون في مفاوضات جنيف، وخبراء سوريين وممثلين عن المجتمع المدني السوري إضافة إلى ممثلي العشائر والنساء، والتمثيل الملائم للمكونات العرقية والدينية”.

وحسب مصادر عدة، فإن دي ميستورا تلقى خلال مؤتمر سوتشي قائمة تضم نحو 150 شخصاً مرشحين من جانب روسيا ونظام الأسد للمشاركة في اللجنة الدستورية، على أن يقوم هو بالاختيار النهائي لأعضاء اللجنة والذين قال إن عددهم سيكون بين 45 و50 عضواً.

وقالت مصادر مطّلعة لـ “صدى الشام” إن المبعوث الدولي قد يختار مجموعة إضافية تعمل بالتنسيق مع مكتبه لرفد المجموعة الرئيسة الرسمية بما يصل إلى 25 اسماً إضافياً.

شاهد أيضاً

ولاية ألمانية تدعو لترحيل أنصار نظام الأسد إلى سوريا

صدى الشام دعت ولاية بافاريا الألمانية، إلى تفعيل عمليات الترحيل إلى سوريا، ضد من يثبت …

بالتزامن مع اتساع رقعة مظاهرات السويداء.. مجهول يطلق النار على المارة وسط المدينة

صدى الشام ذكرت شبكة “السويداء ٢٤” المتخصّصة بأخبار السويداء، أن مسلّحًا مجهولًا أطلق النار على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twenty − eight =