الآن
الرئيسية / تحقيقات / روسيا تكبح نفوذ إيران الاقتصادي في سوريا

روسيا تكبح نفوذ إيران الاقتصادي في سوريا

صدى الشام _ عمار الحلبي/

بينما ينصبّ تركيز معظم السوريين على إعمار المدن المدمّرة، فإنه ثمّة إعادة إعمار من نوعٍ آخر تُسيل لعاب الدول الحليفة لنظام الأسد، والتي بات لديها مصالح اقتصادية متضاربة، ولا سيما فيما يسمى “إعادة إعمار البُنى التحتية السيادية” في سوريا، ويأتي هذا التضارب والتنافس بين الحلفاء على الرغم من توافقهم في التوجه السياسي القائم على دعم النظام وتعويمه، والقضاء على المعارضة.

ومع تسارع عجلة الحراك الديبلوماسي للتوصّل إلى حلٍ سياسي في سوريا، راحت العديد من الدول تتسابق للحصول على حصة في ملفّ إعادة الإعمار لرفد اقتصادها بموارد مهمة من خلاله.

قطّاعات واحتياجات

قبل الدخول في تفاصيل التنافس الشرس بين روسيا وإيران على إعادة إعمار “البُنى السيادية”، لا بد من تعريف الأخيرة، فالمقصود بها فعلياً هو الحصول على امتيازات اقتصادية من نظام الأسد، بهدف القيام بإعادة ترميم وتأهيل للبُنى التحتية الحسّاسة، ويعدّ هذا الأمر إحدى الوسائل التي تتيح لبعض الأطراف التحكّم بالقرار السياسي للدولة، وجعلها رهينة عبر الإمساك ببُنى تحتية لا يمكن لهذه الدولة الاستثمار فيها.

وفقاً للخبير والباحث الاقتصادي السوري يونس كريم، فإن البُنى التحتية السيادية تنقسم إلى عدّة أقسام، وتضمّ قطاعات المياه، شبكات الكهرباء الرئيسة، الطرق والمواصلات، مصادر الطاقة مثل شركات حقول النفط والغاز، الموانئ، إضافةً إلى قطاعات أخرى تُعتبر الأساس لاستمرار أية دولة.

أما إعادة تأهيل الوحدات السكنية وبناء المنازل والمحلات والمولات والمستشفيات والمدارس والحدائق وغيرها، فهذه لا تُعتبر أولوية للدول الكبرى ولا سيما تلك التي ساندت نظام الأسد وتطمع بحصّة سيادية.

 ويوضح الباحث يونس الكريم، أنه حتّى لو دخلت روسيا أو إيران على خط هذا النوع من إعادة الإعمار فإنها سوف تأخذه من النظام وتمنحه لدول أخرى وتحصّل حصّتها استناداً لمعيار السمسرة، ويضيف “على الرغم من أنّ بشّار الأسد سلّم القرار السياسي السوري إلى روسيا وإيران بشكلٍ كامل إلّا أنّه لم يفعل ذلك اقتصادياً بعد”.

ووصف الكريم كلّاً من الصين وإيران بأّنّهما “تشتركان باستخدام فكر المافيات، لكن الخلاف يكمن في الرؤية الاقتصادية والمصالح لكل منهما”، وأوضح أن بشار الأسد استنجد بالروس للحدّ من الهيمنة الإيرانية، ثم يعمل الآن على استقطاب الأوروبيين اقتصادياً للحد من الهيمنة الروسيّة، أي “أنّه يلعب مع الجميع” حسب تعبيره.

وتحتاج إعادة الإعمار جمع مبلغ يتراوح ما بين 74 و113 مليار دولار وهو ما يغطي نحو 38 -58% من التكلفة، استناداً للتقديرات الحكومية البالغة 195 مليار دولار.

وفي حال الاعتماد على التقديرات غير الحكومية التي تصل إلى 250 مليار دولار وسطياً، تنخفض هذه النسبة لتصبح بين 30 و45% من تكلفة إعادة الإعمار.

أما فيما يخص مصادر التمويل، فهي تقسم إلى موارد داخلية تشتمل الإيرادات العامة للدولة، التي إن عادت إلى مستوياتها إلى ما قبل اندلاع الثورة لتبلغ 22.7% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2010، فإنها سوف تسهم بنحو 8 -13 مليار دولار.

ومن مصادر تمويل إعادة الإعمار الأخرى هناك الاقتراض الداخلي من خلال طرح الحكومة أذونات وسندات للخزينة للاكتتاب العام من المقيمين وبالعملة المحلية.

ويضاف إلى ذلك المصادر الخارجية كالاقتراض الخارجي من خلال طرح سندات للخزينة للاكتتاب العام في الأسواق العالمية وبالعملة الأجنبية، وإبرام اتفاقيات للحصول على قروض ميسّرة أو تسهيلات ائتمانية مباشرة مع دول كروسيا، والصين، وإيران، والهند، أو مؤسسات دولية كالبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.

امتعاض

في خطوة اعتُبرت مفاجئة خرجت صحيفة “قانون” الإيرانية، المقرّبة من “الحرس الثوري الإيراني” مؤخراً لتشنّ هجوماً شرساً على نظام الأسد، بسبب إقصاء إيران من عملية إعادة الإعمار، وقالت الصحيفة: “يجب ألا نسمح لبشار الأسد وأي شخص آخر بتحقيق أهدافه المتمثلة في تقليم أظافر إيران وحذفها من مرحلة إعادة الإعمار في سوريا”، موضحةً أن العالم “يدرك أن إيران هي التي تحملت تكلفة بقاء الأسد في رئاسة سوريا، ودفعنا ثمناً باهظاً لذلك”.

ووصفت الصحيفة بشار الأسد بأنه “بلا مبادئ، وناكر للجميل بسبب اتفاقه مع الروس على تسليم ملف إعادة إعمار سوريا لموسكو بدلًا من طهران”، وأضافت: “مصالحنا القومية وكرامتنا التي اكتسبناها بدماء العديد من قتلانا لا ينبغي أن تستنزف لشخص جبان مخنث وأناني”، في إشارة إلى الأسد.

من جهته نشر موقع “تابناك” تقريراً حمل عنوان “من المسؤول عن حذف وإقصاء إيران من عملية إعادة إعمار سوريا؟”، وقال فيه: “إن اتفاقاً سرياً وقَّعت موسكو ودمشق عليه يهدف إلى إبعاد طهران عن العملية”، مشيراً إلى أن “إيران واحدة من الجهات الفاعلة التي تريد المشاركة والانخراط في مرحلة إعادة إعمار سوريا لتعويض جزء من عشرات مليارات الدولارات التي استنزفتها خلال السنوات الماضية في سوريا لحماية النظام، وهذا يقتصر فقط على التكاليف المادية والاقتصادية وليس التكاليف البشرية”.

وتابع الموقع: “على الأقل إذا لم نربح في حرب سوريا، فيجب علينا أن نعوّض على الأقل بعض التكاليف التي تكبدناها، وهذا ما ينبغي أن ينتبه له المسؤولون في النظام الإيراني” لافتاً إلى معلومات تشير إلى أن وزراء النظام قالوا لبشار الأسد: “إن إيران لم تتمكّن من المشاركة في إعادة إعمار سوريا لعدة أسباب، من بينها البيروقراطية المعقدة والمشاكل الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها إيران، وأيضاً النقص في الموارد المالية وانتشار الفساد الذي يدفع لإقصاء إيران عن مرحلة إعادة إعمار سوريا”.

سطوة روسيّة

في محاولةً لتفسير هذه المواقف الإيرانية وعلامَ تستند، لا بد أوّلاً من استعراض المواقف التي قطعت فيها روسيا يد إيران عن منشآت وقطاعات حيوية في سوريا خلال أعوام السنوات الماضية.

وبحسب الباحث يونس الكريم، فإن الصراع الاقتصادي بين روسيا وإيران في سوريا ليس جديداً، إذ بدأت بذوره في عام 2012، عندما حدث خلاف بين الطرفين فيما يخص تشغيل المطاحن لطحن القمح السوري.

وانتهى الخلاف بتسلّم روسيا هذا الملف، حيث وضعت خطّةً لبناء مطحنة دقيق ضخمة في محافظة حمص وسط سوريا، بقدرة إنتاجية تصل إلى 600 طن من الحبوب يومياً.

وبحسب ما ذكر مدير المشروع من الجانب الروسي، محمد مازوكبازوف، فإن الخبراء الروس سيطلقون قبل نهاية 2017 مطحنة للدقيق في حمص، ستكون الأكبر في البلاد، وقال: “إن المطحنة المزمع إطلاقها مجهزة تقنياً بالكامل، وقدرتها الإنتاجية تصل إلى 600 طن من الحبوب في اليوم”.

أما الملف الثاني الذي أُبعِدت فيه إيران وفقاً للباحث الكريم، فهو الاستثمار في مجال شبكات الكهرباء، حيث تسلّمت روسيا هذا الملف بعد وعود بدخول مولّدات تشغيل إيرانيّة لكن ذلك لم يتمّ، وباتت روسيا هي مُصدّر شبكات التوليد.

أما الصفعة الثالثة التي تعرّضت لها إيران، فجاءت في ملف المياه، حيث تدخّلت روسيا مباشرةً على خط المفاوضات بين نظام الأسد والمعارضة، وحضرت كل المفاوضات التي انتهت بإخراج مقاتلي المعارضة من مدينة عين الفيجة وعموم وادي بردى، وقامت بوضع يدها على المنطقة مباشرةً لقطع الطريق أمام إيران، التي كانت تعتبر الوادي من أهم أهدافها في سوريا.

وبحسب الباحث يونس الكريم، فإن شركة روسيّة هي من تسلّمت حالياً صيانة النبع، لافتاً إلى أن التحكّم بالمياه الواردة نحو دمشق هو بمثابة تحكّم بالقرار السياسي في العاصمة.

كما منعت روسيا إيران من الدخول على خط الاستحواذ على سوق دمشق، الممتد من العصرونية إلى دمشق القديمة وبرج دمشق والبحصة، والتي يُطلق عليها في إيران “بازار الشام”.

إبعاد إيران عن وادي قنديل

في شهر نيسان من عام 2017 أفشلت روسيا صفقة بين نظام الأسد وإيران، تنص على استئجار إيران لمنطقة “وادي قنديل” الواقعة على الساحل السوري.

وعُرفت إيران بمحاولاتها مدّ نفوذها هناك عبر استئجار ساحل وادي قنديل، وهو واحد من أكثر الشواطئ السياحية شهرةً في سوريا، لكن الأمر لم يتم وذلك بعد أن قامت روسيا بالتدخل.

وبحسب مصادر محليّة تحدثت لـ “صدى الشام” فإن مشروعاً لتوليد الطاقة الكهربائية الإيراني كان يهدف لرفد مدن الساحل السوري بالطاقة، ولكنه لم ينجح بعد أن تدخلت روسيا أيضاً.

بدوره أشار الباحث الاقتصادي يوسف الكريم، إلى أن هناك عدّة عوامل دفعت روسيا إلى إبعاد إيران فوراً من تلك المنطقة، ويأتي على رأس هذه العوامل، أن النسبة الأكبر من سكّان وادي قنديل هم من السوريين التركمان، لذلك فإن الإيرانيين غير مرحب بهم من قبل السكّان المحليين، إضافةً إلى وجود توازنات دولية مع تركيا كون المنطقة قريبة من حدودها.

وأشار أيضاً إلى أن “وادي قنديل” تُعتبر من ضمن منطقة النفوذ الروسي، ولا تبعد عن القاعدة العسكرية الروسية في “حميميم” كثيراً ما يشكّل خطراً على هذه القاعدة في نظر الروس، فضلاً عن قدرة إيران على تشكيل ميناء صغير فيها يمكّنها من مراقبة حركة السفن والوصول إلى المياه الدافئة التي تعتبرها روسيا من مناطق نفوذها وتمتلك فيها قاعدتين في كلّ من طرطوس وحميميم.

مكاسب

يُشير الباحث يونس الكريم إلى أن تركيز إيران ينصب على أربعة نقاط حصلت منها على اثنتين فقط، في حين أن الاثنتين المتبقّيتين لا تزالان رهن موافقة أو معارضة روسيا وليس نظام الأسد.

ومن أبرز طموحات إيران في إعادة الإعمار بحسب الكريم، مدّ الخط النفطي بين سوريا والعراق، والذي دفعت إيران مقابله 10 مليار دولار بموجب عقود، وبالتالي فإن النظام مُلزم بمدّ هذا الخط، ويتوقّع كريم أن يتم مد خط الطاقة هذا، ولكن “وفقاً للشروط الروسية”.

أما المطمع الثاني، فيتمثل بمناطق الزبداني وجبال القلمون ووادي بردى وعين الفيجة، وحصلت إيران منها على القلمون والزبداني فقط، بينما استولت روسيا على عين الفيجة.

أما الجانب الثالث من طموحات إيران الاقتصاديّة، فهو منطقة بادية شرقي حمص الغنية بالفوسفات والملح الصخري الذي يدخل في 14 ألف صناعة، لكن هذا الطموح قتلته روسيا بعد أن بسطت سيطرتها على المنطقة.

وأخيراً يتمثّل الطموح الرابع في أسواق دمشق القديمة “بازار الشام”، لكن روسيا لم تسمح بذلك خوفاً من تمدّد نفوذ إيران في سوريا بشكل أكبر.

ولفت الكريم، إلى أن إيران حاولت مؤخّراً التمدّد في ريف دير الزور ومناطق التنف والبادية، بهدف إثبات وجودها، مشيراً إلى أن روسيا تحافظ على النفوذ الأمريكي والكردي ونفوذ المعارضة السورية لكي يصطدموا مع القوات الإيرانية ويبعدوها عن المنطقة.

وتوقّع أن تنتهي الأمور بحصول روسيا على الامتيازات السياديّة الأكبر في إعادة إعمار سوريا، بسبب ثقلها السياسي الذي حجّم الدور الإيراني.

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + 11 =