الآن
الرئيسية / مجتمع واقتصاد / مجتمع / العالقون في الجزر اليونانيّة يعيشون على أمل إكمال “الرحلة”

العالقون في الجزر اليونانيّة يعيشون على أمل إكمال “الرحلة”

صدى الشام- عمار الحلبي/

منذ أن توصّلت تركيا والاتحاد الأوروبي إلى الاتفاق الخاص بوقف تدفّق اللاجئين إلى أوروبا، أصبح طريق البلقان مقفلاً عملياً نتيجة إجراءات عديدة اتخذتها الدول الأوروبية للحد من تدفق اللاجئين إليها، لكن ورغم ذلك لم تتوقف محاولات السوريين وغيرهم من المهاجرين للوصول إلى أوروبا، وبات مهربو البشر يلجؤون إلى أساليب وطرق مختلفة لتحقيق هذا الهدف، مع إدراكهم بأن احتمالات الإخفاق أصبحت أكبر عما كانت عليه في عام 2015 وما قبل.

ونتيجة لذلك كان من الطبيعي أن تكثر حالات الفشل أو الانتظار كضريبة لا بد منها للهجرة غير الشرعية عبر البحر، وراحت الجزر اليونانية (التي تعدّ محطة ثانية في طريق التهريب) تحتفظ باللاجئين الواصلين إلى أراضيها لكن في ظروف صعبة.

ترصد “صدى الشام” في هذا التحقيق الخطوات التي يتبعها السوريين في اليونان للوصول إلى أوروبا، والظروف القاسية التي يعيشونها خصوصاً مع تكّدس الآلاف من اللاجئين في الجزر اليونانية مثل “كوس، ساموس، خيوس” إضافةً إلى جزر أخرى.

 

انتظار

في أواخر شهر أيلول من عام 2016 قبل الماضي، حطّ قارب أحمد المفتي، المطاطي الذي يحمله ويحمل عائلته في جزيرة خيوس اليونانية، واليوم بعد مضيّ نحو 15 شهراً لم يتمكّن أحمد من إتمام رحلة العبور.

يروي المقتي قصّته لـ “صدى الشام” مشيراً إلى أنه “بعد عدّة أشهر على دخول اتفاق وقف تدفّق المهاجرين وعزوف عدد كبير من السوريين عن الهجرة، سمعنا بوجود مهرّبين ما زالوا قادرين على اجتياز بحر إيجة من تركيا باتجاه اليونان”.

حينذاك أخذ أحمد عائلته المؤلّفة من زوجته وأولاده الأربعة، واتجه إلى اليونان وبالفعل كان كل شيء على ما يرام حتّى الوصول إلى الحدود اليونانية، وبعد الوصول تسلّمته السلطات هناك مع مجموعة من المنظمات غير الحكومية وتم نقله إلى كامب (مخيّم) مخصّص لاستقبال الحالات التي تأتي إلى اليونان عبر البحر حيث يتم تقديم المساعدات الأولية لهم.

ومنذ ذلك الوقت حاول أحمد عدّة مرات الوصول إلى العاصمة أثينا بحثاً عن طريقة ما تمكّنه من إتمام رحلة العبور ولكن دون جدوى، يقول أحمد: “الجزر اليونانية باتت عبارة عن سجن كبير يتم تكديس اللاجئين فيه”، موضحاً أن مهمّة الخروج من الجزيرة باتجاه الأراضي اليونانية أمر صعب.

وبحسب الشاب ذاته فإن بعض الواصلين يتمكّنون من الخروج من الجزيرة، ولكن الأمر يحتاج إلى “حظوظ فلكية” ومبالغ مالية كبيرة عن طريق مهرّبين متخصّصين بهذا الأمر، حيث يقوم المهرّبون ذاتهم بمساعدة اللاجئ على تأمين وثائق تساعده على الطيران من الأراضي اليونانية باتجاه دولة أوروبية معينة.

وعلى الرغم من أن أحمد، بصمَ على برنامج إعادة التوطين في الدول الأوروبية، إلّا أن الحظ لم يحالفه حتى اليوم، فما يزال ينتظر أي طريقة للخروج من الجزيرة ومواصلة رحلته، ويعبّر عن غضبه قائلاً: “أكلت هذه الجزيرة من عمري وعمر عائلتي كثيراً ولا أتمنّى أن أمكث هنا أكثر من ذلك”، مشيراً إلى أنّ اللاجئين هناك لا يستطيعون فعل شيءٍ إلّا الانتظار.

وكان آلاف اللاجئين قد قدّموا مناشداتٍ إلى السلطات اليونانية والأوروبية للسماح لهم بإكمال رحلتهم، غير أن أي من هذه النداءات لم تلقَ أي استجابة.

ولا تتوفر إحصاءات دقيقة لعدد اللاجئين في اليونان أو حتى السوريين منهم على وجه الخصوص، ولكن المنظمات الخاصة بالهجرة تقدّر العدد بعشرات الآلاف.

ظروف قاسية

في أواخر شهر آذار من عام 2017 الفائت، أقدم شاب سوري يبلغ من العمر 25 عاماً، على الانتحار عن طريق شنق نفسه في ميناء بيرايوس اليوناني، بعد هذه الحادثة بثلاثة أيام، قام شاب سوري آخر بالانتحار عبر سكب مادة البنزين وإشعال النار بجسده في جزيرة كيوس.

ورجّحت وسائل إعلام يونانية أن تكون أسباب الانتحار هي عدم قبول لجوء الواصلين إلى اليونان بعد التاريخ المعتمد للاتفاق التركي الأوروبي، والذي يقضي بإعادة المهاجرين غير الشرعيين إلى تركيا مجدداً، فضلاً عن الظروف السيئة التي يعيشها هؤلاء في تلك الجزر.

داخل اسطبل يبدو أنّه كان مخصّص للأبقار أو الأحصنة سابقاً، تكدّست عشرات العائلات من السوريين والعراقيين والأفغان وذلك في جزيرة خيوس اليونانية، وفي هذا المكان المؤلف من جدران وسقف خشبي لم يكن أي شيء على ما يرام بالنسبة لقاطنيه من المهاجرين، فشروط الإقامة هنا “غير بشرية” كما العديد من المخيمات في بقية الجزر.

وبحسب المتطوّع في مجال الإغاثة توفيق الناصر (عراقي الجنسية) فإن السلطات اليونانية ليس لديها معونات لتمنحها للاجئين، وكل ما يُقدم لهم هو من الصليب الأحمر والمنظمات الأخرى، ومساعدات مقدمة من دول الاتحاد الأوروبي.

وبالدخول إلى أماكن تجمّع اللاجئين، لن تجد فرقاً بين مخيّمات عكار وعرسال في لبنان ومخيّمات اللاجئين في اليونان، أرض فارغة وسط جزيرة خيوس تحتوي على عددٍ كبير من الخيام المتلاصقة بعضها ببعض، جميعها كُتب عليها شعار مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وداخل كل خيمة لا تتعدّى مساحتها 3 أمتار مربعة توجد عائلة كاملة وتعيش في ظروف سيئة.

وبالمقابل فإن من تمكّنوا من قطع هذه الجزر والوصول إلى أثينا لم يكن حالهم أفضل، فهنا لا يوجد مخيّمات إطلاقاً، لذلك فإنهم مبعثرون بكل ما للكلمة من معنى، وبحسب معلومات “صدى الشام”، فإن عدداً من اللاجئين يباتون بالشوارع وآخرين في “كامبات طارئة” تم تأسيسها بشكلٍ مخصّص لهم، في حين أن عدداً منهم يباتون في منازل “سكن شبابي” وآخرون في مداخل المباني السكنية.

وبسبب عدم وجود أي مساعدات في أثينا فإن الوضع يكون أكثر سوءاً وهو ما دفع الكثير من اللاجئين للتظاهر مؤخّراً أمام السفارة الألمانية في العاصمة اليونانية أثينا.

ومعظم المتظاهرين هم ممن وصلوا إلى أثينا قبل أكثر من عام، وطالبوا بمغادرة هذه الدولة، التي لا تطبق فيها قواعد اللجوء الإنساني.

وعلى إثر هذه التظاهرة، حذرت الرابطة الاتحادية لقضاة المحاكم الإدارية من كثرة القضايا المتعلقة بملف اللجوء، وقال رئيس مجلسها روبرت مولر، إن حوالي مئتين وخمسين ألف دعوى، طالب أصحابها بالحصول على حق اللجوء، لا تزال معلّقةٌ لدى المحاكم الألمانية، واصفاً الوضع بالمأساوي.

ثلاثة طرق

يقول الناشط الإغاثي، توفيق الناصر إنه لدى السوريين بعد وصولهم إلى اليونان ثلاثة طرق للوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي منها ما هو شرعي ومنها ما هو غير شرعي.

وبحسب الناصر فإن الطريقة الأولى هي التسجيل على المفوضية حتّى يأتي موعد الشخص أو العائلة، استناداً إلى معايير تضعها مفوضية شؤون اللاجئين، واختيار الدولة التي ستتم فيها إعادة التوطين.

غير أن هذه الطريقة وبحسب الناصر تستغرق وقتاً طويلاً يرجع إلى عاملٍ واحدٍ وهو حظ اللاجئ ومدى سرعة التعامل مع ملفّه في حين قد يستغرق سنوات دون أن يتم البت به مع آخرين، وخلال هذه المدّة على اللاجئ أن ينتظر في الجزر اليونانية.

أما الطريقة الثانية والتي كانت مُعتمدة إلى حدٍّ كبير سابقاً بين اللاجئين، لكنها لم تعد مجدية مؤخّراً، فتتمثّل بالوصول إلى العاصمة اليونانية أثينا ومن ثم الاتفاق مع المهرّب على مبلغٍ مالي محدّد حيث يقوم باستصدار جواز سفر أوروبي طبقاً للدولة التي يريد المهاجر الوصول إليها، ومن ثم يستقلّ المهاجر الطائرة من اليونان إلى الدولة التي يريد اللجوء فيها، ويقدّم طلبه فور الوصول إلى المطار.

غير أن هذه الطريقة اليوم لم تعد مجدية كثيراً بحسب الناصر، وذلك بسبب ملاحقة السلطات اليونانية للمهربين، إضافةً إلى التشديد الكبير الذي تتخذه هذه السلطات في مطار أثينا والتي تحول دون قدرة اللاجئين على العبور حيث يتم اكتشاف أمرهم والجوازات المزوّرة التي يحملونها بسهولة.

أما الطريقة الثالثة فهي العبور برّاً من اليونان باتجاه دول البلقان، حيث يتم التوجّه إلى مقدونيا ثم صربيا ثم سلوفينيا ثم هنغاريا أو كرواتيا وبعدها إلى النمسا، وتُعتبر هذه الطريقة من أقسى الطرق على المهاجرين، لأن اللاجئ سيواجه حدوداً مغلقة وخطر الاعتقال في كل دولة يمر بها، وفي حال وجد مهرّبين يساعدونه على قطع حدود دولةٍ ما مقابل الأموال فإن هذه الطريقة قد لا تنجح في الدولة التي تليها، ويوضّح الناصر أنَّ قلة قليلة من اللاجئين يلجؤون لعبور هذا الطريق، وغالباً ما يكونون شبّاناً وليس معهم عائلات أو فقدوا الأمل بالوصول عبر المفوضية أو المطار.

عائلات مشتّتة

وصل يحيى (اسم مستعار) إلى ألمانيا في منتصف عام 2015، بعد أن دُمّر منزله في مدينة حرستا بريف دمشق، واضطر بعدها للانتقال للعيش في العاصمة ثم هاجر إلى أوروبا بسبب التضييق الأمني وطلبه للخدمة الاحتياطية.

يحيى لديه طفلان، أخذ واحداً منهما معه في رحلة اللجوء وترك الآخر مع زوجته في سوريا، بعد وصوله إلى ألمانيا وملاحظته أن معاملة لم الشمل عملية معقّدة وتأخذ سنوات، قرّر أن تلحق به زوجته بالطريقة ذاتها، وبالفعل تمكّنت من الوصول إلى تركيا ومنها استقلّت قارباً مطاطياً مع ابنها ووصلت إلى اليونان لكنها علقت هناك.

يتمنّى يحيى أن يعود به الزمن ليتراجع عن فكرة لحاقها به، ويقول: “رضخت للم الشمل في كلتا الحالتين، ولكن لو تركت زوجتي وابني في دمشق لكنت متأكداً أنّهما يعيشان في المنزل لا في مخيّمٍ سيء الخدمات”.

ويُشير إلى أنّه استنفذ كل محاولات لم الشمل والطرق الأخرى لتصل زوجته إلى ألمانيا، لافتاً إلى أنّه لا يعرف حتّى الآن موعد لم الشمل.

وعلى غرار يحيى هناك الكثير من العائلات السورية علقَ نصفها في اليونان فيما النصف الآخر في دول أوروبا الغربية، ولا يستطيعون الاجتماع في ظل نظام لمّ شمل يشوبه الروتين وفترات الانتظار الطويلة التي تؤدّي إلى اليأس.

التفكير بالعودة

مع يئس عدد من السوريين الموجودين في اليونان من واقعهم في ظل فقدان الأمل بالوصول إلى أوروبا، وصعوبة احتمال الحياة في المخيّمات طيلة حياتهم، راح بعضهم يفكر بالعودة إلى تركيا، فهناك يمكن تأمين حياة أفضل من تلك التي يعيشونها في الجزر اليونانية.

ولكن هذا الخيار تشوبه الكثير من العقبات التي يشرحها ناشط حقوقي رفض الكشف عن هويته، ويوضح الناشط أنه “وفقاً لاتفاقية وقف تدفّق اللاجئين لا يمكن لأي شخص يرغب في العودة إلى تركيا أن يعود بمفرده كون الاتفاقية تنصّ على تنظيم العودة، ولا تتم إعادة شخص من اليونان إلى تركيا إلا بعد قبول طلب اللجوء لشخص موجود في المخيّمات التركية”.

وأشار إلى أن “عملية الإعادة إلى تتم بين السلطات التركية واليونانية ولا تخضع لإرادة اللاجئ الذي يريد العودة متى شاء، ونتيجة ذلك انتشر مهرّبون يعملون عبر البحر ولكن بطريقة عكسية حيث يقوم المهرّب برحلات عبر بلم أو يخت سياحي من الشواطئ اليونانية إلى تركيا، وهذه الطريقة أقل خطراً من الذهاب من تركيا إلى اليونان، وتتطلّب مبلغاً يزيد عن 700 دولار أمريكي”.

شاهد أيضاً

سلسلة قرارات يونانية تزيد التضييق على اللاجئين السوريين

صدى الشام اتخذت السلطات اليونانية مؤخّرًا سلسلة قرارات جديدة، تهدف لمزيدٍ من التضييق على اللاجئين …

تسجيل إصابات جديدة بفيروس “كورونا” في سوريا

صدى الشام أعلنت وزارة الصحة في حكومة النظام السوري، عن تسجيل 16 إصابة جديدة بفيروس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fourteen + one =