الآن
الرئيسية / تحقيقات / الأمن الغذائي لملايين السوريين على المحكّ
صورة رمزية / أنترنت

الأمن الغذائي لملايين السوريين على المحكّ

صدى الشام- عمار الحلبي/

لم يكن أمن السوريين الغذائي بمعزل عن مجريات “الحرب” المستمرة منذ نحو سبع سنوات في البلاد عقب اندلاع الثورة، إذ شهد هذا القطاع تدهوراً كبيراً نتيجة تدمير البُنى التحتية الخاصة بالزراعة والصناعة والتصدير وإنتاج الغذاء عموماً، ما أدّى إلى اتساع شريحة السوريين “المحتاجين”.

هذا الأمر دفع بمنظمات الأمم المتحدة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، مع انخفاض القيمة الشرائية لليرة السورية واحتدام المعارك وسياسة الحصار العسكري في مناطق مأهولة بالسكّان، ما انعكس على حصّة الفرد التي تضاءلت بشكلٍ واضح، فخرجت تحذيرات عن احتمال تفاقم الأمر مستقبلاً في حال استمرار الوضع على ما هو عليه.

أرقام النظام

قبل أيام، أعلن “المكتب المركزي للإحصاء” أن نسبة الأسر غير الآمنة غذائياً في سوريا وصلت خلال عام 2017 إلى 31.2%، مسجلة انخفاضاً مقارنة بنتائج مسح 2015 حيث كانت تبلغ نسبتها نحو 33%.

الأرقام جاءت استناداً لمسح قام به المكتب لتقييم حالة الأمن الغذائي، وبحسب النتائج فقد: “تراجعت نسبة الأسر المعرّضة لفقدان أمنها الغذائي من نحو 51% في 2015 إلى نحو 45.5% خلال 2017، فيما زادت نسبة الأسر الآمنة غذائياً من نحو 16% في 2015 لتصل إلى 23.3% في العام الجاري”.

واعتبر مدير المكتب علي رستم، أن هذا التحسّن الطفيف جاء بسبب “الوضع الأمني في بعض المناطق” مُستبعداً أن يكون له أي علاقة بتحسّن الوضع الاقتصادي في سوريا.

وقال: “السلع أصبحت متاحة اليوم أكثر من العام 2015، لكن العائلات التي تملك القدرة المادية للحصول عليها لا تزال نسبتها قليلة بسبب بقاء الأسعار مرتفعة للغالبية العظمى من السكان” لافتاً إلى أن هذه الحالة تُسمّى في العرف الإحصائي بـ “تغيرات غير معنوية”.

وأشارت نتائج المسح إلى أن نسبة الأسر غير الآمنة غذائياً في العاصمة دمشق وحدها ارتفعت من 31% في عام 2015، إلى 35.9% في العام الحالي، بينما ارتفعت في محافظة السويداء من 33% إلى 46.1%، وفي حال من 40.2% إلى 49%

وبالمقابل تحسّنت نسبة الأمن الغذائي في ريف دمشق من 15% إلى 23.9%، وفي طرطوس من 13% إلى 38.2%، فيما تراجعت نسبة الأسر السورية التي تعيش حالة من الانعدام الغذائي من 30% في عام 2015، إلى 21.5% في عام 2017 الحالي، وهبطت نسبة الأسر المهدّدة بفقدان أمنها الغذائي من 57% إلى 40.3%، بحسب الأرقام الصادرة على الإحصاء ذاته.

واقع مغاير

في الثامن والعشرين من شهر تشرين الثاني الفائت، أي قبل نحو أسبوعين من صدور نتائج مسح المكتب المركزي الصادرة عن النظام، قال برنامج الأغذية العالمي” إن ما يزيد عن عشرة ملايين سوري يعانون ظروفاً قد تعرضهم للجوع.

وأوضحت المتحدثة باسم البرنامج بتينا لوشر”أن السنوات السبع الماضية في سوريا، وضعت السوريين في تحدٍ مع البطالة وانعدام الأمن وتدهور قيمة الليرة السورية وغلاء الأسعار”.

وذكر تقرير برنامج الأغذية أن “ما يُقارب ثلاث ملايين سوري يعيشون في مناطق محاصرة ومناطق يصعب الوصول إليها، ويكافحون من أجل سد رمقهم للاستمرار على قيد الحياة”.

وتطرّق التقرير إلى الأوضاع الإنسانية في الغوطة الشرقية قرب دمشق التي تُعاني من الحصار منذ نحو أربع سنوات.

وأوضح تقرير برنامج الأغذية العالمي الصادر في عام 2016 الماضي، أن “سبعة ملايين شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي في أنحاء البلاد، بعد أن استنفدوا مدخراتهم ولم يعودوا قادرين على إطعام عائلاتهم”.

وفي عام 2016، قالت منظمة الأغذية والزراعة العالمية (فاو): “إن عدد الأشخاص المحتاجين إلى مساعدات داخل سوريا ارتفع إلى 9.4 مليون شخص، بزيادة حوالي 716 ألف شخص عن أيلول 2015”.

وتختلف هذه الأرقام ومؤشراتها بشكل واضح عما صدر عن “المكتب المركزي للإحصاء” التابع للنظام، وهو ما يجعل نتائج دراسات هذا المكتب موضع شك، مع إمكانية تدخّل أجهزة أمنية ومخابراتية للضغط على المركز والعبث بمخرجاته البحثية، على ما يؤكده ناشطون.

 

 

الموارد غير موجودة

الباحث والخبير في الشأن الاقتصادي، حسين الجنيد، استبعد أي ارتباطات بين واقع شحّ الغذاء في سوريا، وبين الوضع الأمني في البلاد، مؤكّداً أنه لا يوجد أي علاقة بين المعارك وتوفّر الأغذية للعامة.

وقال الجنيد لـ “صدى الشام”: “سوريا باتت اليوم دون موارد، وبالتالي فإن السكّان في مناطقهم سواء كانوا يعيشون ظروف حربٍ أو سلم فإن الموارد غير موجودة، وهو ما يصعّب من مهمّة وصول جميع طبقات المجتمع إلى الغذاء بشكلٍ سلس”.

وأرجع الجنيد السبب في نقص الموارد إلى عدّة عوامل، أبرزها أن “الظروف المناخية غير الملائمة في بعض المناطق تعرقل الوصول إلى الأراضي وإمدادات الزراعة والأسواق وتصعّب من مهمة المزارعين في الحفاظ على سبل معيشتهم وتوفير الغذاء للبلاد التي يمزقها النزاع”، موضحاً أنَّ عدداً كبيراً من المزارعين باتوا غير قادرين على تحمّل الوضع الحالي، بما في ذلك عدم توفّر السماد والمياه والقصف الذي يطال المزارع وعدم القدرة على الصمود أمام الوضع الأمني، وهو ما جعل العديد منهم يتركون مزارعهم ويتّجهون نحو مهنٍ تحقّق دخلاً أكثر استقراراً.

وقدّرت منظمة الأمم المتحدة أضرار القطاع الزراعي عام 2013 بما يزيد على 1.8 بليون دولار ، مع توقّع أن تكون التقديرات أكبر عام 2014 وكذلك في حال استمرار الحرب لوقت أطول في العام 2015.

وأضاف الجنيد، أن عزوف المزارعين عن عملهم جراء الظروف الصعبة جعل الوضع خطيراً جداً، وله انعكاسات كبيرة على الأمن الغذائي “وقد يؤدّي إلى عمليات نزوح لا علاقة لها بشكلٍ مباشر بالنزاع لكنها أحد الأسباب غير المباشرة له”.

وفي هذا السياق تبيّن الإحصاءات الصادرة عن “الفاو” في عام 2016 أن “المناطق التي زرعت بالحبوب في موسم الحصاد 2015- 2016 كانت الأصغر مساحة على الإطلاق”، مُستندةً في ذلك إلى زيارات وعمليات مسح ميدانية في أنحاء البلاد.

وأضافت: “لم تتعدّ المساحة التي زرعها المزارعون 900000 هكتاراً من القمح العام الماضي مقارنة مع 1.5 مليون هكتار قبل “الأزمة”، في حين سجل الإنتاج انخفاضاً حاداً أكبر من ذلك، حيث هبط من معدل 3.4 مليون طن من القمح كان يتم حصادها سنوياً قبل “الحرب” إلى 1.5 مليون طن هذا العام، أي انخفاض بنسبة 55%”.

من جانبه قال عبد السلام ولد أحمد، المدير العام المساعد والممثل الإقليمي لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في الشرق الأدنى وشمال إفريقيا: “اليوم نرى ما يقرب من 80% من الأسر في أنحاء سوريا تواجه صعوبات بسبب نقص الغذاء أو المال لشراء الغذاء، والوضع سيصبح أسوأ إذا ما فشلنا في دعم المزارعين ليتمكنوا من الحفاظ على أراضيهم وسبل عيشهم، وكانت الزراعة هي المصدر الرئيس لعيش الأسر الريفية قبل “الأزمة”، وهي لا تزال تنتج إلى حد ما، إلا أنها تتعرض لضغوط وصلت إلى أقصاها، كما استنفد المزارعون قدراتهم على التحمل” على حد قوله.

بدوره أكد مهند هادي، المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووسط آسيا وشرق أوروبا، أن “الأمن الغذائي لملايين الناس داخل سوريا يواصل تدهوره حيث يصنف أكثر من سبعة ملايين شخص على أنهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي في أنحاء البلاد بعد أن استنفدوا مدخراتهم ولم يعودوا قادرين على إطعام عائلاتهم”.

الوضع الاقتصادي

أدت الحالة الاقتصادية المتردّية إلى العجز عن توفير الأدوات اللازمة لتحويل الموارد إلى غذاء، وفق ما يشير الباحث الجنيد، ويشار إلى أن هناك “عدداً كبيراً من البُنى التحتية مثل مصانع الغذاء والآلات الزراعية ومعامل تحويل المواد الخام قد دُمّرت جراء النزاع”، ولكن لم يتم إصلاحها على الرغم من ابتعاد المعارك عن تلك المناطق وذلك بسبب عدم تحرّك نظام الأسد لإجراء أي عمليات إعادة تأهيل فعلية من جهة، فضلاً عن أن أصحاب هذه المنشآت لا يملكون الموارد الكافية لتفعيل عملهم من جهة أخرى.

وبيّن الجنيد أن “وهم” العقوبات على نظام الأسد، لم يسبّب أي ضررٍ للنظام لأنّه وجد البدائل من حلفائه، غير أنّه أثّر على السوريين بمن فيهم المقيمون في مناطق المعارضة، حيث أدّى ذلك إلى إعاقة التجارة والأسواق، وصعوبة الوصول إلى الوقود الضروري لتشغيل المضخات والجرّارات الزراعية، وفيما لو توفّرت فإن سعرها يكون مرتفعاً جداً.

تقشّف غذائي!

في وقتٍ يحاول النظام إظهار السوريين المقيمين في مناطقه على أنّهم مكتفون غذائياً، يُظهر واقع الحال في شوارع العاصمة السورية دمشق، عكس ما يحاول الأسد قوله.

ففي جولةٍ قامت بها “صدى الشام” في شوارع العاصمة اتضحت الصعوبة الكبيرة للوصول إلى السلع الغذائية الرئيسة من قبل السوريين.

ومن أبرز أسباب صعوبة تحصيل الغذاء هناك الغلاء الكبير لأسعار هذه السلع والبضائع نتيجة شحّ الإنتاج الزراعي والصناعي، في حين أن دخل السوريين بات متهاوياً إلى حدٍّ كبير في مقابل إنفاق المال الذي من المفترض أن يقوموا بدفعه للحصول على المواد الأساسية اللازمة.

“زياد” هو رب أسرة مكوّنة من ستة أشخاص، يعمل في مصنع للجلديات في المدينة القديمة، سألناه عن غذائه وكيفية تأمينه لأسرته فأجاب أنه يتقاضى 70 ألف ليرة شهرياً، يذهب منها 50 ألف ليرة لأجار المنزل وحده، ولذلك فإنّ وكما حصل مع أسر سورية كثيرة، قام بالتقشّف غذائياً لإتمام مستلزمات الحياة الأخرى، وأضاف: “استغنيتُ عن كثير من المتطلّبات الأساسية في منزلي، فبعد أن كانت اللحوم الحمراء حاضرة في معظم الوجبات، باتت وجبة لمرّة واحدة شهرياً” موضحاً أن جميع الطبخات التي يتم طهيها منزلياً تكون خالية من اللحوم.

وأشار إلى أن العناصر الغذائية الأخرى كالحليب والبيض والأجبان والألبان يتمّ إحضارها إلى المنزل بأوقات محدّدة وبكميات قليلة.

وتابع أن عدداً كبيراً من الأسر باتت تعتمد بشكلٍ كبير على المساعدات الغذائية التي تقدّمها منظمات الأمم المتحدة عبر السلّة الغذائية ما يجعل غياب هذه السلل يعني بالضرورة خسارة السوريين أحد الموارد الرئيسة للغذاء.

وبيّن أن معظم الوجبات في منزله باتت تعتمد على الخضروات والبقوليات كالمعكرونة والأرز والعدس والمشاريب الشعبية وغيرها، لافتاً إلى أن ذلك يُحدث ضعفاً في نمو الأطفال على وجه التحديد.

وتشير تقديرات المنظمات العاملة في هذا المجال، إلى أن أسعار الغذاء ارتفعت 10 أضعاف منذ بدء الثورة السورية، في حين بقي دخل المواطن على حاله أو ارتفع بشكلٍ طفيف، ما أدّى إلى عدم قدرته على الوصول إلى ما يحتاجه من غذاء.

ويبرز الارتباط واضحاً بين سعر صرف الدولار وأسعار المواد الغذائية، ولا سيما أن المواد الرئيسة الداخلة في الغذاء ومستلزمات إنتاجها كانت مستوردة بجزئها الأكبر قبل الثورة، غير أن أسعار الغذاء المحلي سجّلت مستويات قياسية مقارنة بالأسعار العالمية.

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

seventeen − thirteen =