الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / ما بعد البوكمال ..مواجهة بين النظام و”قسد” أم توافق روسي- أميركي؟

ما بعد البوكمال ..مواجهة بين النظام و”قسد” أم توافق روسي- أميركي؟

صدى الشام _ عدنان علي/

يراوح الموقف العسكري في عموم البلاد في مكانه، والمتغير الوحيد فيه هو الانحسار المتزايد للمساحات التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” لصالح النظام السوري والميليشيات الكردية، بينما تنشغل فصائل المعارضة بالاقتتال فيما بينها سواء في الغوطة الشرقية بريف دمشق أم في الشمال السوري بريف حلب الغربي.

وفي الأثناء، خطَت المجموعة الدولية ممثلةً بروسيا والولايات المتحدة خطوة أخرى نحو تحديد خطواتهما للمرحلة المقبلة التي قد تشهد نهاية تنظيم “داعش”، وما قد يعقب ذلك من صدام بين القوتين الرئيسيتين اللتين تتنافسان على ضم ما يخسره التنظيم، وهما النظام حليف موسكو  وميليشيات “قسد” حليفة واشنطن، وهو ما استدعى وضع أسس لإنعاش العملية السياسية مجدداً بحثاً عن حلّ يبعد سيناريو الصدام بين الجانبين، ويرضي مجمل الأطراف المتصارعة.

كرّ وفرّ

وبعد تقدم قوات النظام والميليشيات التي تقاتل معها نحو مدينة البوكمال على الحدود العراقية ساد لغط بشأن سيطرة تلك القوات على المدينة، حيث أعلن النظام هذه السيطرة، ليتضح أنه إعلان كاذب، خاصة مع شن “داعش” المزيد من الهجمات المعاكسة وتمكنه من تعديل الموقف لصالحه.

وفيما يرى مراقبون أن قوات النظام قد تسيطر على المدينة عاجلاً أم آجلاً حيث تنهار مراكز “داعش” تباعاً في عموم محافظة دير الزور التي تشكل الملاذ الأخير لعناصر التنظيم وقياداته، فإن اللافت كان “تبخر” قيادات “داعش” وعدم وقوع أي منها بيد قوات النظام أو قوات “قسد” ما أثار تكهنات بشأن مدى ارتباط تلك القيادات أو بعضها بالنظام وبالولايات المتحدة، وسط اتهامات روسية صريحة للولايات المتحدة بالتواطؤ مع “داعش” وبسحب بعض القياديين المرتبطين معها عبر مروحيات هبطت في بعض قرى دير الزور.

من جهته، ذكر المرصد السوري لحقوق الانسان أن قوات النظام سمحت لبعض عناصر وقيادات “داعش” الذين كانوا يتمركزون في البوكمال  بالعبور الى مناطق سيطرة التنظيم في الريف الشرقي لدير الزور .

وتعتبر مدينة البوكمال الواقعة على بعد 130 كم شرق دير الزور، آخر المعاقل الرئيسية لتنظيم داعش في سوريا، وقد نزح أغلب سكانها خلال الأسابيع الماضية جراء القصف العنيف الذي تعرضت له المنطقة.  وكان عدد سكانها قبل الثورة السورية يقدر بنحو 120 ألف نسمة .

وتشهد المعارك في المنطقة حضوراً مكثفاً لميليشيا الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة لإيران التي تسعى إلى احتلال المنطقة لتأمين الخط الواصل بين ايران والبحر المتوسط مروراً بسوريا والعراق، وهو ما قالت الولايات المتحدة أنها لن تسمح بحدوثه.

وتعرّض “داعش” في الأشهر الأخيرة لضربات كبيرة أدت الى تراجع سيطرته في عموم سوريا ليحتل المركز الثالث في نسبة السيطرة بعد قوات النظام والميليشيات الكردية. وما زال الوجود الأكبر للتنظيم هو في محافظة دير الزور إلى جانب وجوده في قرى متناثرة بريف الحسكة الجنوبي ومناطق في أقصى ريف حمص الشرقي وقرى في الريف الحموي الشمالي الشرقي.

“قسد” تتقدم

وبالتوازي، أغلقت “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) جيب البصيرة في ريف دير الزور الشرقي، بعد إعلان السيطرة على المدينة بشكل كامل.

ولم يعلّق تنظيم “داعش” على مجريات المعارك في البصيرة، إلا أنه أعلن مقتل العشرات من عناصر “قسد” في منطقة الشدادي بريف الحسكة الجنوبي.

وتخوض “سوريا الديمقراطية” معارك شرقي نهر الفرات، تزامنًا مع أخرى تجري ضد التنظيم في الجزء الجنوبي من محافظة دير الزور، في محيط حقل التنك النفطي. وسيطرت “قسد” على ست قرى وبلدات في محيط مدينة البصيرة، وتحاول انتزاع المناطق المتبقية بيد تنظيم “داعش” على جانبي نهر الخابور. وفي هذا السياق سيطرت “قسد” أيضاً على بلدة مركدة آخر معاقل التنظيم في ريف الحسكة الجنوبي.

وتأتي عمليات “قسد” ضمن الحملة العسكرية التي أطلقتها، منتصف أيلول الماضي باسم “عاصفة الجزيرة” للسيطرة على ما تبقى من أراضي الجزيرة السورية بيد التنظيم.

غير مُستبعد

واذا كان نهر الفرات ما يزال يمثل بشكل عام خطاً فاصلاً بين قوات الطرفين بموجب تفاهمات روسية – أميركية غير معلنة، بحيث تتحرك قوات النظام  ضد “داعش” غرب النهر و”قسد” شرقه، فان هذا الخط تمّ اختراقه مرات عدة من  كلا الجانبين، ولو بشكل محدود حتى الآن. ومع سيطرة قوات النظام على البوكمال، فان “بنك” الأهداف التي تحت سيطرة “داعش” يكاد ينضب بالنسبة لقوات النظام، ما يعني أنها قد تتوجه الى المناطق التي بحوزة “قسد” وخاصة تلك التي استولت عليها الأخيرة في الفترات القليلة الماضية بما في ذلك مدينة الرقة التي أعلن أكثر من مسؤول في النظام، وعلى رأسهم رئيسه بشار الأسد بأنهم يعتبرونها مدينة محتلة طالما لم تخضع لسيطرة جيش النظام.

ومن أبرز الساحات المرشحة لحصول تصادم بين الجانبين مدينة الرقة التي كانت الميليشيات الكردية استولت عليها في 17 الشهر الماضي بعد معارك مع تنظيم “داعش” لأكثر من أربعة أشهر. وقبل تصريحات الأسد الأخيرة كانت هناك تصريحات مماثلة وأكثر وضوحاً لمستشارته بثينة شعبان التي دعت أكراد سوريا للاتعاظ مما جرى لأكراد العراق. كما أعلن مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي في تصريحات له من بيروت، أن قوات النظام السوري ستتقدّم قريباً لانتزاع مدينة الرقة من “قوات سوريا الديمقراطية”  بينما ذكرت القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية الروسية أن “الحل العسكري هو الخيار الوحيد للتعامل مع المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد” في سوريا.

وتعتبر الرقة مدينة حيوية لكلا الجانبين، حيث يعتبر النظام استعادتها جزءاً هاماً من مشروعه المعلن لفرض سيطرته على كامل التراب السوري، فضلاً عما تحتويه المحافظة من ثروات باطنية ومن منشآت هامة مثل سد الفرات. كما أن الأكراد يطمحون لضم المدينة إلى مشروعهم الخاص بالإدارة الذاتية للإفادة من ثروات المحافظة مستفيدين من السعي الأميركي للحفاظ على مناطق نفوذ لهم في شرقي البلاد، حيث تعتبر الميليشيات الكردية هي الذرائع الرئيسية للأميركيين على الأرض.

مناورات

غير أنّ بعض المراقبين يرون أن تصريحات مسؤولي النظام السوري والتصريحات الإيرانية الخاصة بالتوجّه إلى الرقة لانتزاعها من يد “قسد” قد لا تكون أكثر من محاولة لاستعراض القوة أمام أميركا في هذه المرحلة، بهدف الضغط على القوات الأمريكية حتى لا توسّع دوائر الاستهداف ضد إيران وتغض الطرف عن سيطرتها على البوكمال، وتدشين الخط البري من إيران إلى المتوسط، بالإضافة إلى تقدير إيران أن هناك مخططاً لضرب “حزب الله” في لبنان، وبالتالي يسعى الإيرانيون لاستعراض البدائل المتاحة أمامهم لإزعاج أميركا في المنطقة.

ويرى هؤلاء أن ثمة أسباباً كثيرة تؤكد هذه الحقيقة أولها أن قراراً من هذا الحجم لا تملكه إيران وهو بيد روسيا لأنها هي من ستتورط في هذه الحرب، وموسكو غير مستعدة للمواجهة مع أميركا في هذه المرحلة. كما أن التقسيم الحالي لمناطق النفوذ هو نتيجة توافق روسي- أميركي؛ ميداني وسياسي، ولا تستطيع روسيا الإخلال به، وهذا التوافق سيظل على الأرجح ساري المفعول.

ووفق هذا الرأي فان الإيرانيين يريدون توريط الروس في المجابهة مع أميركا ووضعهم في موضع المدافع عن مشاريعهم بشكل صريح وعلني وهو ما ترفضه روسيا، ذلك أن إنخراطهم في الحرب على “قسد” في هذه الظروف سيكون له تفسير واحد وهو حماية الطريق البري لإيران، وبمعنى آخر الانحياز نهائياً للمشروع الإيراني في مواجهة السنّة في المنطقة.

والواقع أن موسكو التي تدير لعبة توازنات دقيقة في سوريا معنيّة بالحفاظ على “قسد” والمكوّن الكردي لحسابات تتعلق بالعلاقات مع الأكراد في منطقة الشرق الاوسط كلها حيث تراهن موسكو على علاقات جيدة مع الأكراد تساهم في زيادة أوراق قوتها الإقليمية.

ويرى مراقبون أن التصريحات الأخيرة لمسؤولي النظام تشير إلى أن النظام الذي أعطى منذ البداية هامشاً كبيراً لميليشيات “حزب الاتحاد الديمقراطي” للتحرك والسيطرة على بعض المناطق بينما كان هو مشغولاً بمحاربة فصائل المعارضة السورية، يَعتقد اليوم أنه ما زال قادراً على التحكم بقواعد اللعبة وسحب ما أعطاه لتلك الميليشيات في الوقت الذي يريد. غير أن الميليشيات الكردية خاصة بعد معركة كوباني (عين العرب) بدأت في نسج علاقات أقوى مع الولايات المتحدة وروسيا، وبدأت تنظر إلى نفسها كلاعب مستقل، وليس من السهولة إخضاعها لمشيئة النظام، وهو ما يرجح حدوث مواجهات محدودة بين الجانبين في المرحلة المقبلة، ستبقى منضبطة طالما هناك تفاهمات روسية – أميركية سارية المفعول.

إنعاش المسار السياسي

وتلافياً لمثل هذه الصدامات، وبغية تحديد ملامح مرحلة ما بعد “داعش” التي تلوح في الأفق، اتفق الزعيمان الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب على مجموعة من النقاط التي تحدد أسس التحرك السياسي في المرحلة المقبلة.

وأهم تلك الأسس أن لا حل عسكرياً في سوريا، والتأكيد على الالتزام بسيادة سوريا واستقلالها وسلامة أراضيها ومواصلة الجهود المشتركة بهدف هزيمة تنظيم “داعش”، إضافة لحث ما سماه البيان “كل أطراف الصراع السوري على المشاركة بفاعلية في عملية السلام بجنيف”.

ورأت بعض أوساط المعارضة أن هذا الاتفاق يتضمن التوافق على الإبقاء على رأس النظام  بشار الأسد في المرحلة المقبلة من مستقبل سوريا، وهذا يمكن اعتباره اعترافاً روسيّاً – أمريكياً ببقاء بشار مستقبلاً، مشيرة إلى ان هذا الاتفاق قد يحدد سقف المؤتمرات القادمة في جنيف وأستانا ومؤتمر الرياض.

واعتبرت تلك الأوساط الاتفاق محاولة روسية للقفز فوق القرارات الدولية ذات الصلة، لا سيما بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2254، والذي ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالي واعتماد مسار لصياغة دستور جديد لسوريا وعلى أساسه يتم إجراء انتخابات نزيهة.

كما أن الاتفاق يشرعن موقف الأسد من قبل أمريكا، رغم تصريحات متكررة لوزير الخارجية ريكس تيلرسون، آخرها أن عهد عائلة الأسد اقترب من النهاية.

ولم يتضمن البيان أي إشارة إلى الانتقال السياسي أو “جنيف” عام 2012، الذي نص على تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، برغم إشارته الى القرار 2254 .

وتضمن الاتفاق إجراء انتخابات بمشاركة الشتات السوري، وهو ما يتضمن تنازلاً من جانب الروس لإقناع الأمريكيين بالتخلي عن مرجعية جنيف.

شاهد أيضاً

النظام السوري يقضي مجدداً على مسار جنيف… في إدلب

لم يكتف النظام بتعطيل الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف مع المعارضة السورية من أجل تأكيد …

مؤتمر العشائر السورية في اسطنبول: لإسقاط النظام وطرد الجيشين الروسي والإيراني

قال مضر حماد الأسعد، الأمين العام لـ”مؤتمر المجلس الأعلى للعشائر والقبائل السورية” المنعقد في مدينة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three × four =