الآن
الرئيسية / تحقيقات / النظام يفرّغ المدارس من النازحين .. قاطنو “مراكز الإيواء” يعيشون على وقع تهجير جديد

النظام يفرّغ المدارس من النازحين .. قاطنو “مراكز الإيواء” يعيشون على وقع تهجير جديد

صدى الشام- عمار الحلبي/

يتّخذ نظام الأسد هذه الأيام خطوات تدريجية من شأنها تفريغ المدارس الحكومية من النازحين الهاربين من المعارك والقصف، وذلك بعد سنواتٍ على إقامتهم في هذه المدارس في ظل ظروفٍ إنسانيّة سيئة.

ويُقدّر عدد النازحين داخل سوريا بنحو 7 مليون شخص وفقاً لإحصاءات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وقد انتهى المطاف بنسبة كبيرة من هؤلاء في “مراكز إيواء” كانت في غالب الأحيان عبارة عن مدارس، وفي أحيانٍ أخرى مؤسسات حكومية مهجورة.

ويبدو من الصعب معرفة كيف بدأ استخدام المدارس الحكومية كمراكز إيواء للنازحين، غير أن هذا النهج ظهر بشكلٍ واضح منذ منتصف عام 2012، عندما ارتفعت وتيرة المعارك في سوريا بشكلٍ كبير، وأدّت إلى أزمة نازحين غير مسبوقة.

ويوجد في العاصمة دمشق وحدها، 21 مركزاً للإيواء تضم عشرات آلاف المهجّرين منذ تصاعد المعارك، وفقاً لتصريحات مسؤولي النظام.

بطاقة حمراء

اليوم وبعد عدّة سنوات على انتشار مراكز الإيواء هذه ضمن المدارس، يسعى النظام إلى رفع “بطاقةٍ حمراء” بوجه هؤلاء النازحين، وإجبارهم على تفريغ المدارس التي يقطنون داخلها، في عملية ستزيد من معاناة هؤلاء، ولا سيما أن المناطق التي جاؤوا منها إما أن تكون قد تعرّضت للتدمير بشكلٍ كلّي بعد أن سيطر النظام عليها، أو أنّها ما زالت غير آمنة وتشهد عمليات عسكرية وقصفاً مستمرّاً.

وبدأت وسائل إعلام النظام بالحديث عن تفريغ هذه المدارس من النازحين بشكلٍ تدريجي، بدءاً من منتصف العام الجاري في عمليةٍ يبدو أنّها سوف تستمر حتّى يتم إنهاء وجود مراكز الإيواء داخل المدارس بشكلٍ نهائي.

وقبل فترة، أعلن مدير التربية بدمشق التابع للنظام محمد مارديني، أنه “يتم العمل على إعادة تأهيل المدارس التي كانت مراكز إيواء من أجل تفعيلها ووضعها في الخدمة من جديد”ن وأضاف أن “هناك ثلاث مدارس ستوضع في الخدمة مع بداية الفصل الثاني إضافة إلى 4 أخرى سيتم ترميمها”.

وفي مطلع شهر آب الماضي، قال اسماعيل خلّوف، منسّق لجنة الإغاثة بمحافظة دمشق التابع للنظام: “إن ثلاثة مراكز إيواء للمهجّرين اثنان منها في المزّة والثالث في مشروع دمّر تم إغلاقها مؤخّراً”.

وأوضح أنه “بسبب تقلص أعداد المواطنين الموجودين في مراكز الإيواء تم إغلاق 3 مراكز، وتم نقل من تبقى فيها إلى مراكز إيواء أخرى نتيجة وجود شواغر كثيرة في هذه المراكز، وتم تجميع المهجرين في هذه المراكز بغية تسهيل تقديم المزيد من الخدمات الصحية والاجتماعية والإنسانية إليهم” حسب قوله.

وأشار إلى أن “هناك برامج خدمية وصحية واجتماعية وتعليمية تقدم لهؤلاء، ويتم تعليمهم المهن التي تساعدهم على كسب عيشهم وتأمين فرص عمل مناسبة في القطاعين العام والخاص”.

ونقلت صحيفة “الوطن” المقرّبة من النظام عن خلّوف حينها أن “مراكز الإيواء التي يتم إخلاؤها يتم الاستفادة منها سواء أكانت مدارس أم مؤسسات حكومية في توفير أماكن جديدة لهذه المؤسسات”.

وتأتي هذه العمليات في إطار قرارٍ اتخذته “محافظة دمشق”، وبدأت تطبيقه، نصّ على “ترحيل كافة المقيمين في مراكز الإيواء نحو مدنهم وبلداتهم، ونقل نازحي محيط مدينة دمشق إلى مركز الدوير بالقرب من عدرا شمال شرقي دمشق، ومركز حرجلة في الريف الجنوبي الغربي للعاصمة، مع إبقاء عدد من المراكز في أحياء الزاهرة ومساكن برزة في العاصمة دمشق”، حيث تمكّنت المحافظة حتّى الآن من تفريغ ما يزيد عن 11 مركزاً جميعهم مدارس.

وعلى غرار العاصمة دمشق، كان النظام قد أخلى المراكز الموجودة في محافظة اللاذقية، وأبرزها “المدينة الرياضية” والمراكز في مدينة حلب، وأبرزها المدينة الجامعية، وذلك بعد سيطرته على أحياء حلب الشرقية أواخر العام الماضي، وإجبار السكّان على العودة إلى أنقاض منازلهم غير الصالحة للعيش.

أين يذهبون؟

يتذرّع نظام الأسد بأنّه أعاد “الأمن والأمان” إلى المناطق التي ينحدر منها النازحون، وبالتالي فإنه لم يعد هناك أي داعٍ لوجودهم في تلك المراكز. غير أن شخصين من عائلة واحدة التقتهم “صدى الشام” وتم تفريغ المركز الذي كانوا يعيشون فيه في صحنايا، أكّدا أنّ مناطقهم حتّى الآن غير آمنة.

يقول مقيم سابق في المركز الذي تم إغلاقه إنه ينحدر من مخيّم اليرموك في العاصمة دمشق الذي يسيطر عليه حتّى الآن تنظيم “داعش”، وهو غير قادرٍ على العودة إلى المخيّم بسبب الحصار المفروض على المخيّم واستحالة الدخول والخروج منه، فضلاً عن الممارسات التي يرتكبها التنظيم هناك.

ويتساءل المقيم الذي رفض الكشف عن هويته لأسبابٍ أمنية: “كيف يمكنني العودة؟ وإلى أين عليَّ الذهاب؟”.

ومؤخراً استطاع الشاب أن يستأجر منزلاً في مدينة جرمانا جنوب شرقي العاصمة، وعاش فيه مع عائلته، إضافةً لشقيقه وعائلة شقيقه أيضاً حيث يحاول الشقيقان العمل لتأمين إجار المنزل الباهظ والبالغ 70 ألف ليرة شهرياً.

وبخلاف النازحين الذين لا تزال مناطقهم تشهد عمليات عسكرية وأمنية، فإن أولئك الذين توقّفت المعارك في مناطقهم لم يكونوا أحسن حالاً، حيث عاد هؤلاء إلى منازلهم ليجدوها إمّا مدمّرة بشكلٍ كلّي أو جزئي، على أقل تقدير وفي كلا الحالتين فإن السواد الأعظم من النازحين لا يملكون الأموال الكافية للترميم، أو حتى التصاريح الأمنية اللازمة للبدء بالترميم في المناطق التي سيطر عليها النظام، وحتى في حال لم يكن المنزل مدمّراً فإن جميع محتوياته تكون قد تم تعفيشها، وهذه أقل الخسارات التي قد يتلقّاها النازح، وهو حال “حسام”، الذي اضطر مؤخّراً للعودة إلى منزله في مدينة الذيابية في ريف دمشق، ولكنه وجد أن المنزل فارغ من محتوياته كما تعرّضت واجهته للتدمير جراء تلقّيها قذيفة مدفعية ما أجبره على استئجار منزل يوفّر الأمان لعائلته.

كابوس

فيما يخص الحياة داخل هذه المراكز، يروي لنا حسام بعض التفاصيل التي عاشها هناك، والتي تأتي بخلاف ما تشيعه وسائل إعلام النظام حول الخدمات التي يتلقّاها النازحون داخل هذه المراكز.

ولا يزال المصدر الوحيد للاطلاع على واقع هذه المراكز محصوراً بشهادات النازحين، ولا سيما مع منع النظام دخول أي من وسائل الإعلام إلى داخل هذه المراكز بما في ذلك وسائل الإعلام المحلية.

يقول حسام لـ “صدى الشام”: “إن معظم مراكز الإيواء تكون في الغالب عبارة عن مدارس ابتدائية وثانوية، بعضها تم تخصيصها بشكلٍ كامل للنازحين وتم إلغاء العملية التعليمية فيها نهائياً، وهذه المراكز نُزلاؤها محظوظون، في حين أن مراكز أخرى أصبحت مشتركة بين النازحين والطلّاب الذين يكون لديهم دوام صباحي فقط، ويلتزم نزلاء المركز في هذه الفترة غرفهم ليتمكّنوا لاحقاً من الخروج بعد مغادرة الطلّاب.

ويستطرد: “كان عدد العائلات يفوق بكثير عدد الصفوف والغرف، لذلك فإنّهم كانوا يضطروا لتقسيم الغرف ووضع أكثر من عائلة في غرفة واحدة، وتكون الأولوية لوضع العائلات التي تربطها قرابة من أجل الخصوصية داخل العائلة الواحدة، ولكن في بعض الأحيان تحصل عائلات على غرفة كاملة منفردة وذلك استناداً إلى علاقتها مع مسؤولي هذه المراكز”.

وتابع: “كانوا يقدّمون الطعام في بعض الأحيان ولكن لاحقاً خصّصوا سلّة غذائية لكل عائلة”.

وتمنع إدارة المركز على المدنيين الخروج إلّا في أوقاتٍ محدّدة من اليوم، حيث تُدار هذه المراكز من قبل محافظة دمشق، وتقوم المنظمات الحكومية والدولية وغير الربحية بفعاليات ونشاطات صحية ومجتمعية داخلها ولكن تحت إشراف الجهة التي تدير المركز وفقاً لـ حسام، الذي أوضح أن المعاملة كانت “سيئة بالمجمل، حيث لا يوجد أماكن استحمام نظيفة وينظر القائمون على هذه المراكز للنازحين على أنّهم خلايا نائمة للمعارضة السورية، وهو ما يزيد الوضع سوءاً”، حيث يصف الرجل أيّامه داخل المخيّم بـ “الكابوس”.

وإضافةً لذلك فإن هذه المدارس التي تحوّلت إلى مراكز إيواء، باتت بيئة غير مناسبة للطلّاب، فقد أدّت إلى تسرّبهم من المدارس.

انعكاسات على العملية التعليمية

التحقت أعداد كبيرة من الطلّاب بالمدراس ولا سيما خلال الأعوام الفائتة، بعد ازدياد فرص التعليم في مناطق النظام، وهو ما انعكس سلباً على الطلّاب بسبب الضغط على المدارس التي تعاني أساساً من طاقة استيعابية ضعيفة، ما أدى إلى انتشار ظاهرة التسرّب.

تقول ليندا، وهي ناشطة مجتمعية في العاصمة دمشق، وعملت في مجال توعية الأهالي لتعليم الأطفال: “إن وجود النازحين داخل المدارس بات معضلة كبيرة، خلقت عدداً من المشاكل المتراكمة”.

وتشرح الناشطة لـ “صدى الشام” أنه “جاء إلى العاصمة دمشق أساساً مئات آلاف النازحين من الريف ومن محافظات أخرى ممن لم يعيشوا في مراكز الإيواء بل استأجروا منازل خاصة بهم، وهو ما زاد عدد الطلّاب الذين هم بحاجة إلى تدريس مقارنةً مع القدرة الفعلية للمدارس”.

وتضيف أن زيادة عدد الطلاب من جهة ونقص المدارس من جهةٍ أخرى أدّى إلى ضغوطاتٍ كبيرة أثرت على واقع التدريس، موضحةً أنّ عدد الطلبة ارتفع داخل الشعبة الواحدة من 40 إلى أكثر من 70 طالب في بعض الحالات، ولا سيما في المرحلة الابتدائية وخصوصاً في مناطق تشهد اكتظاظاً سكانيّاً كالمزة والدويلعة وركن الدين”.

وتشير ليندا إلى وجود مشاكل أخرى نتيجت عن هذا الواقع، ومنها مشاحنات حصلت في المدارس التي باتت مشتركة بين الطلاب والنازحين، حيث شهدت عدّة حالات شجار بين الجانبين، لافتةً إلى أن “المدارس تأثّرت بالأزمة أكثر من أي قطاعٍ آخر” على حد تعبيرها.

وهنا تقع المعضلة كونه من الصعب ترحيل النازحين بسبب عدم وجود بدائل لهم، في وقت تحتاج المدارس إلى تفريغ لمصلحة الطلاّب من جهة أخرى.

استغلال

وبسبب تسرّب عدد كبير من الطلّاب في ظل ظروف المدارس الحكومية، فقد لجأ عدد كبير من الأهالي إلى المدارس الخاصة، ولا سيما ميسورو الحال منهم، للحصول على بديل تعليمي لأولادهم، وهو ما أدّى لازدياد الطلب على المدارس الخاصة، التي بدأت تستغل هذا الواقع وترفع التكاليف على الطلّاب بشكلٍ كبير.

تتحدث الناشطة ليندا عن حالة في هذا السياق، عن إحدى زميلاتها التي فشلت عدّة مرات في ضم ابنها إلى مدرسة قريبة من منزلها في حي مساكن برزة بالعاصمة دمشق، بسبب العدد الكبير للطلّاب المنتسبين إلى هذه المدارس، ووجود واسطات ومحسوبيات في عملية اختيار الطلاب للشواغر داخل الصفوف، ما أجبر المرأة في نهاية المطاف على وضع ابنها في إحدى المدارس الخاصة القريبة من المنطقة.

وبحسب ليندا فإن المرأة اضطرت إلى دفع 150 ألف ليرة تكاليف السنة الدراسية للفصلين الأول والثاني اللذين لا يتعدّيان ستة أشهر فقط.

وأوضحت أن المدارس الخاصة باتت تستغل حاجة الناس بشكلٍ كبير ولا سيما بعد أن اتضح أمامها وجود أزمة حقيقية في المدارس وعدم كفايتها لعدد الطلاب سواء من أبناء العاصمة أو الوافدين إليها.

شاهد أيضاً

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

“القانون 10” نسخة لسرقة إسرائيل أملاك الفلسطينيين

ما تزال أصداء “القانون” الذي أصدره نظام الأسد تحت مسمى “المرسوم التشريعي رقم 10 لعام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

nineteen − two =