الآن
الرئيسية / ثقافة / النحات المصري محمود مختار الرفاعي يقول شكرا «أمنحتب الثالث»

النحات المصري محمود مختار الرفاعي يقول شكرا «أمنحتب الثالث»

القدس العربي/

أن تقف أمام عملٍ ما وتحتاج لأن تشرد داخل تفاصيله، مستجمعا مهاراتك في التمييز ما بين الأعمال الأثرية والأعمال المعاصرة التي تتناول مواضيع مشابهة لتلك؛ حينها يتوجب عليك أن تجل الفنان الذي حمّل منحوتاته – وليدة القرن الواحد والعشرين- شيئا من قداسة القطع الفنية الأثرية، وأثقل كاهلها بحضارةٍ موغلة في القدم، وكأنها رفعت راية الحضارة الفرعونية، وأكملت السير بثقةٍ عالية في طرقات الـ High way. محمود مختار الرفاعي النحات المصري يُلبس بعض أعماله رداء مصريا فرعونيا لتكون أيقونات جديدة؛ وعلى الرغم من أنه يسير في طرق واضحة بعيدا عن اصطناع التفاصيل المزدحمة والتقنيات المعقدة، إلا أن أعماله ذات هوية خاصة، فها هو يصنع الآلهة مع حراسها وسدنة قصورها، شخصياتٌ تملك ملامح الرموز المحفورة على جدران المعابد والمدافن، وتتبنى تأويلاتها المتشابكة، منفتحة على أعين متلقي العصر الحديث، فنراها تارة بكحلٍ ممدود كنفرتيتي، أو برداءٍ تقليدي يحيط بالوجوه ويشمخ كتاجٍ، لتبدو الأعمال كأقرباء لأبي الهول، أحيانا تجمع شخوص الرفاعي بين كائنين كما في الأساطير فنرى طيرا منتصبا كرجل في منحوتة «الحارس»، أو نرى وجها غرانيتيا سرعان ما ينقسم لوجهين متناظرين، بعد تدقيقٍ بسيط، هذه النقطة الأخيرة تشغل بال الرفاعي وتدفعه نحو الخوض أكثر فأكثر في عوالم التجريب، محاولا أن يخلق الجديد في مزج مادتين أو تقنيتين أو كائنين متبايني الصفات، وهذا التفكير يتقاطع مع (الكايميرا) – التي تعني بشكل مبسط أن الجسد الواحد من الممكن أن يحمل صفات وراثية لشخصين مختلفين، وهذا تفسير لكثير من الحالات النفسية والأمراض المناعية- الحضارات القديمة قدّمت هذا الدمج بين الكائنات، فهل كان سر الكايميرا باديا لهم، أم إنهم كانوا يجدون أن الأشخاص ذوي المكانة العالية أعظم من أن يكونوا مجرد شخصٍ واحد، أو ربما وجدوا أن هذا الدمج أيضا من الممكن أن يكون سادا للثغرات البشرية ومعوضا عن نقائصها.

الحيوانات التي قام الرفاعي بنحتها تعيدنا لسببٍ ما لعصرٍ مضى، إما بسبب نوعها المرتبط بأساطير وحكايا، أو ربما بسبب المواد المستخدمة وطريقة توظيفها (البوم، النسر، اللقلق، الثور، الخروف)؛ النساء في منحوتاته سمينات يشبهن نساء Fernando Botero بأجسادهن المليئة بالمنحنيات والكتل المكورة كأقمارٍ مكتملة.

أعمال محمود الرفاعي متفاوتة الأحجام، فهو لا يلتزم بسقفٍ معين، فنجده يصنع عملا حجريا بطول أمتار، وآخر بحجم كف اليد.

التجريب لدى الرفاعي لم يكن فقط في مواضيع الدمج ما بين الكائنات أو المواد… ومدى تأثير غياب عنصر عن مادةٍ ما على التكوين (هذا الموضوع سيكون المحور الأساسي في معرض الرفاعي المقبل)، بل إنه يُدخل المواد إلى عالم التجريب الذي يعشقه وينشغل بتفاعلاتها يراقب ويبحث للحصول على خامات جديدة أو نتائج لم يسبقه أحدٌ إليها؛ في الطرف الآخر هو يستخدم مواد معروفة وبطريقة شائعة، كالخشب أو البرونز أو الحجر مثلا، لكنه يختاره باهتمام ويعرف تاريخه ومن استخدمه وكيفية التعامل معه، بدون المس بصفاته أو خدش مكانته؛ الحجارة لدى محمود كائناتٌ ببطاقات تعريفية، وذلك يساعده ليختار المادة المناسبة للموضوع الذي يطرحه؛ يستخدم حجر «تلك» أو كما يسمى في مدينة الأقصر «الهمر» وهو حجر كان يستخدمه المصري القديم في صناعة التمائم، من أهم خصائص هذا الحجر أنه من الممكن أن يصبح شبيها بالزجاج بعد أن يضاف له مزيج الجليز في وسط قلوي، وقد اختاره الرفاعي لإحدى نسائه، فبدا جسدها براقا وطازجا كثمرة يانعة.

حجر الجير المصري ذاك الذي يغريك بتحسس مساماته ومشاهدة العمل بأصابعك، فتجد نفسك تمسد ظهر بومٍ، ولعلك تدغدغه، لكن ضحكته حبيسة الهيكل الحجري؛ الغرانيت موجود بألوانه الواسعة؛ حجر البازلت الأسود أو الفرعوني هو الأكثر استخداما عند الرفاعي بسطوحه الملساء، فنرى منه وجوه نساء، وحيوانات (ثور، خروف، ماعز) بحدٍ أدنى من التفاصيل؛ قيل (البلاغة في الإيجاز) وهذا صحيح، ولكن ليس في الكتابة فقط، بل في النحت أيضا حيث نجد الرفاعي يكثف الملامح ويختزلها؛ فالخط المنحني يحمل كل الأنوثة باستدارة وجه امرأة، ويحمل كل الثبات بتكويرة جسد ثور في منحوتة ثانية، وكل القوة بالتفاف قرن كبش في منحوتة ثالثة، فهو يوصل المعنى المراد بأقل التفاصيل، فيخطو العمل في اتجاه التجريد الحقيقي الذي تكمن في التخلص من الزيادات الشكلية، التي تشكل عبئا أمام الروحانيات، بعيدا عن التشويه البصري الذي يدعي التجريد والحداثة.

ونحن إن كنا ممتنين لأحدٍ بوجود النحات محمود مختار الرفاعي في عالم الفن، سيكون «أمنحتب الثالث»، ليس بصورةٍ شخصية، لكننا نشكر روحه الساكنة في تمثاله المقيم في الصالة الرئيسة من المتحف المصري، لسنا فقط من سيشكره، الرفاعي سيشاركنا الشكر، فقد ذكر أن قشعريرة أصابته عند رؤية هذا التمثال الضخم وبقي الانبهار ساكنا داخله لفترةٍ طويلة، كانت تلك الشرارة التي أوقدت شعلة الفن في يده، بالإضافة إلى أنه من مواليد عين شمس (مدينة أونو) مدينة كانت لها عقيدتها الخاصة وهي عقيدة تاسوع هليوبوليس، وكان بيته يطل كما ذكر على مقبرة هليوبوليس حيث يقف تمثالٌ ضخمٌ من الحجر الرملي وكان ذلك محفزه البصري الأول وبدأ حبه للنحت.

محمود الرفاعي من مواليد 1986. درس في كلية الفنون الجميلة- جامعة المنيا وتخرج فيها عام 2008 – قسم النحت. عمل مصمم شخصيات صلصال لمسلسلات تحريك الصلصال من 2008 وحتى 2011. اختصاصي نماذج أثرية في وزارة الدولة لشؤون الآثار منذ 2011 . عضو البعثة المصرية الألمانية للحفائر الأثرية في تونا الجبل منذ 2015. قام بالعديد من ورشات العمل أهمها:

– ورشة عمل في بيت السناري للثقافة والفنون والعلوم التابع لمكتبة الإسكندرية 2014 – 2016
– ورشتان لفنون النحت الجداري في متحف الفنون الجميلة في الإسكندرية
– ورشة مبادئ فن النحت في مركز جسور التابع لكاتدرائية جميع القديسين في القاهرة 2016
كما شارك في سمبوزيوم BUC الدولي لنحت الأحجار 2016 بالإضافة لمشاركته في عشرات المعارض الفنية داخل مصر وخارجها.

شاهد أيضاً

قدرة الرواية على التغيير

هل للرواية قدرة على تغيير المجتمعات والتأثير في الشعوب وتشكيل وعيها ورسم هوياتها؟ للإجابة عن …

المنشورات العربية في تركيا تتضاعف 6 مرات خلال 10 أعوام

تضاعفت المطبوعات الصادرة باللغة العربية في تركيا 6 مرات في السنوات العشر الماضية، ليبلغ عددها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + twelve =