الآن
الرئيسية / ثقافة / البؤس الأمريكي في فيلم «اسمح لي أن أجعلك شهيدا»: طريق الشك وتجاوز اليقين

البؤس الأمريكي في فيلم «اسمح لي أن أجعلك شهيدا»: طريق الشك وتجاوز اليقين

القدس العربي/

أيهما أشد تأثيرا، المرارة أم الحزن؟ أن تشعر بالمرارة أم أن تكون حزينا وتعسا؟ وماذا لو امتزجت المرارة بالحزن؟ فهي شعور من الإحباط والاستياء أو الحزن الدائم، وخصوصا حينما تتعرض لخيبة الأمل أو الظلم. هذه هي الفكرة التي يقوم عليها الفيلم الأمريكي «إسمح لي أن أجعلك شهيدا» Let Me Make You a Martyr للمخرجين كوري أسراف وجون سواب، وهو فيلم ذهني بامتياز على شاكلة سينما المخرج الأمريكي ترانتينو، بنية سردية غير تقليدية، مشاهد متسارعة وحضور الفلاش باك في أكثر من مشهد وتوالي الليل والنهار وتغير الأمكنة وحضور الطريق.. كل هذه التقنيات تجعل المشاهد يتابع الفيلم راغبا في الوصول إلى النهاية ومعرفة ما الذي سيقع.
يبدأ الفيلم كما ينتهي بمشاهد القتل والانتقام. فلماذا هذه المآسي التي تعيشها شخصيات الفيلم؟ المرارة تأتي مقابل متعة الحياة التي يبحثون عنها (الأب/ الإخوة/ القاتل المستأجر). يخطط دراو/نيكو نيكوتيرا لإنهاء حكم والده لاري/مارك بون جنيور)، الرجل ذو التعاملات المشبوهة، والهارب مع عشيقته وأخته المتبناة /سام كوارتين). ما لا يعرفه الابن هو أن العشيقة/ الأخت في تعاون وثيق مع الأب. وما لا يعرفه الأب أن قاتلا محترفا/ مارلين مانسون، استأجر لقتل ابنه.

الإدمان وضحالة المجتمع

«الجانكي» أو الجانكيون أو الجانكيات، هي التسمية الصحيحة لمدمني الكوكايين والعقاقير المخدرة، فالمتعاطي أو المدمن على المخدرات كلمة فضفاضة في اللغة العربية، لا تحيل إلى الحالة النفسية والهشاشة الاجتماعية التي يعيشها الجانكي أو الجانكية، جراء الإفراط في تعاطيه للكوكايين ولم تعد له القدرة على التوقف على هذا الإدمان القاتل. الفيلم يعالج قضية بالغة الحساسية من خلال شخصيات جانكية تعيش حالة من التشظي ويعرض مصيرها ومصائر من معها في قوالب سردية أبدع فيها المخرجان من خلال سرد يخلق للبنية الحكائية متعة وتشويقا وزمنا إضافيا للحكي. كيف؟ من خلال قصة واحدة تتفرع عن مجموعة من الحالات النفسية في تعاطيها مع عالم المخدرات والجنس والمال والأكاذيب. وهذا يذكرنا بفيلم ستيفن سودربيرغ «جنس وأكاذيب».
تروى القصة من خلال تحقيق بوليسي عن عائلة مفككة يرغب الأبناء في قتل الأب والسيطرة على أموال المخدرات. وهم أبناء بالتبني عاشوا في جحيم القمار والجنس والمخدرات. يصور الفيلم العوالم الضحلة والسفلى للمجتمع الأمريكي، حيث البؤس والقتل والجريمة والمخدرات. فيلم يفكك بنية هذا البؤس الأمريكي وهذه المرارة الأمريكية المرسومة على الوجوه، حيث تكاد تنعدم الابتسامة ويحتل الحزن والقتامة والسواد. «إسمح لي أن أجعلك شهيدا» يمكن أن يكون فيلما مظلما، حيث نجد مزيجا لعناصر مختلفة لهذا النوع، الجو الجنوبي وشخصيات معذبة تلجأ إلى مصيرها المحتوم. رجل يضرب ويقتل بلا رحمة، وخليط من الجنس والمخدرات والعنف. كل هذا المزيج من العناصر منح الفيلم قيمة سينمائية متميزة، أو على الأقل هو فيلم يطرح أسئلة كبيرة بوجود الإنسان واختياراته الكبرى.

استغلال النجم الأوحد

تعتمد السينما على العديد من التقنيات لبيع منتوجاتها السينمائية، ومن بين الطرق استغلال صناعة النجوم، وحضور الممثلين الكبار خلف الملصق وخلف المشاهد الكبرى، حتى لو كان حضورا جزئيا وعابرا. الغاية هي جلب معجبي هؤلاء النجوم لأن حضورهم في الفيلم له هالة وقيمة كبرى، باعتبار أن النجوم يختارون بدقة الأفلام التي يشاركون فيها حفاظا على شهرتهم ونجوميتهم. في فيلم «إسمح لي أن أجعلك شهيدا « فيلم يكرس نظرية استغلال تقنية النجوم الذين يحتكرون الشاشة الكبرى. وهو اقتراح لصناعة عبادة المشاهير والنجوم.. وهذا ما سعى له النجم الهوليوودي مارلين مانسون كمنتج للفيلم وممثل فيه. ظهور مانسون (5 دقائق طوال الفيلم في حوار قصير جدا) وبملامح ووجه قاس وعبوس يبعث على الرهبة من نظراته وأفعاله. وحركاته تشير إلى القيام بفعل شنيع أينما وصلت خطاه، رغم أنه هو المنفذ لأغلب الجرائم داخل الفيلم. الدقائق الخمس لهذا البطل كانت كافية والهدف منها المزيد من إضفاء لون الفيلم/ النجم وإعطاء نبرة شعرية لكل ما يحدث على الشاشة، مع الاعتماد على تقنية الفلاش باك في استرجاع ماضي الشخصيات ولحظاتها. لهذا تم تقديم الممثل مارلين مانسون في ملصق الفيلم وفي مشاهد الدعاية بغية الترويج للفيلم بشكل جيد مستغلين شهرته الكبيرة.

العنف القاتل

يتخذ الفيلم من العنف أسلوبا وطريقة له. طوال مشاهد الفيلم يمتزج خوف الشخصيات بالعنف المسيطر عليهم. القتل وحده من يحدد نهايات الشخصيات، بطلة الفيلم تعمد إلى قتل أحد مروجي الكوكايين بطلقة مسدس، وهي بدورها يقتلها أخوها خنقا بيديه وبأعصاب باردة، والأخ بدوره يقتله القاتل المستأجر. يدور الفيلم في متوالية من العنف والقتل لنصل في نهاية المطاف إلى تحرير الطفلة المختطفة. العنف ليس فقط ماديا، بل هناك عنف رمزي من خلال الواقع المهين، الذي يزرح فيه الجانكيون والجانكيات كحالات من التعاسة التي لا تنتهي، ومن خلال الطريقة الفظة والخشنة التي يتعامل بها هؤلاء الجانكيون وكلامهم وتعابير وجوههم وأفعالهم التي تتسم بالعنف والعنف المضاد.

نشوة الابتلاء

من أكثر المشاهد اتقانا وإبداعا في الفيلم مشهد العجوز المدمن للكوكايين في الكوخ، حينما ينتشي ويشعر بنوع من الاسترخاء واللذة المفتعلة جراء تلقيه حقنة كوكايين ويذوب في عوالمه الخاصة. ومشهد الجانكية الأخت/ العشيقة حينما تحقن نفسها هي الأخرى بالحقنة ذاتها وتغيب في أحلامها وترحب بممارسة الجنس مع أخيها الذي سيعمد إلى خنقها وقتلها بيديه. في هذين المشهدين هناك أصالة سينمائية بالغة وحرفية كبيرة لدى المخرجين، بحيث يبرزان حالة الجانكي/ الجانكية في ذهولهما جراء تعاطيهما لحقنة الكوكايين والمفعول الغريب لهذه الحقنة التي ترسم حالة نشوة كبرى لا يمكن تصورها.

استغلال الجنس

يعمد مخرجا الفيلم إلى مشاهد الجنس والإثارة، حيث نجد أخ بطل الفيلم يمارس الجنس مع عشيقته مع الاحتفال بتصوير هذه الممارسة الجنسية وبثها على تلفازه الخاص لمشاهدتها والتمتع بها. مشهد للجنس مرة ثانية بطلة الفيلم وهي تمارس الجنس مع أحد أباطرة مروجي المخدرات، ثم لقطة ثالثة لبطلة الفيلم وهي في أحضان والدها بالقبل والعناق وبين أخيها وهي ترغب في ممارسة رغبتها الجامحة وهي في نشوة الإدمان. حضور الجنس هو عمل مركزي في الأعمال الهوليوودية لاضفاء نوع من الإثارة بجرعات خفيفة والتخفيف من حدة العنف المسيطر على أجزاء كبيرة من الفيلم. وهي شبه عادة دأبت عليها السينما الهوليوودية في استغلال المرأة وإبرازها ككائن مولد للرغبة والمتعة بمقابل.

تحضر الموسيقى في الفيلم بشكل متميز، على شكل مقاطع غنائية تضفي مزيدا من التأمل والصفاء لنفسيات أبطال الفيلم. موسيقى تكشف عن هويات الشخصيات الفيلمية وتطلعاتهم وحسهم بالخطيئة وباقترافهم أفعالا مشينة تتعدى عتبات المحظور. الفيلم يطرح سؤالا باستمرار «ما الذي يحدث؟» حتى تكتشف أخيرا، أنه لا شيء .. لاشيء.

شاهد أيضاً

مسرحية «يوتيرن» لا نجاة من الطوفان … إلا بالعودة إلى النقاء

كانت تباشير هزيمة النازية قد لاحت في الأفق في الوقت الذي كتب الأميركي ثورنتون وايلدر …

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 + ten =