الآن
الرئيسية / ترجمات / مترجم:الحفاظ على اللغات المنقرضة: الدافع رومانسي فقط أم ثمة أسباب أعمق؟

مترجم:الحفاظ على اللغات المنقرضة: الدافع رومانسي فقط أم ثمة أسباب أعمق؟

ساسة بوست/

كتبت المحاضرة بجامعة لندن، ريبيكا روتشي، مقالًا لموقع «aeon» عن احتضار لغات الأقلية ناقشت فيه أسباب وجوب المحافظة على هذه اللغات من الاندثار، وأنَّ هذه الأسباب ليست أسبابًا عاطفية فحسب.

تقول روتشي إن عام 2010 شهد وفاة بوا سنيور، وهي من آخر المتحدثين الأحياء للغة أكا-بو، وهي لغة قبلية أصلية لجزر أندمان بخليج البنغال. أشارت التغطية الإعلامية لموت بوا سنيور إلى أنها قد نجت من تسونامي عام 2004، وهو حدث قيل إنَّ كبار قادة القبيلة قد تنبؤوا به قبل وقوعه، ونجت من الاحتلال الياباني للبلاد عام 1942 والسياسات البربرية للمستعمرين البريطانيين.

وقالت عالمة اللغويات أنفيتا أبي، التي عرفت بوا سنيور سنواتٍ عديدة: «كانت بوا آخر من يتحدث لغة بو طوال 30 أو 40 سنة، وذلك بعد وفاة والديها. كثيرًا ما كانت بوا تشعر بالوحدة الشديدة، وكان عليها أن تتعلم النسخة الأندمانية من اللغة الهندية لتتواصل مع الناس».

وقالت روتشي إنَّ قصص انقراض اللغات دائمًا ما تكون مأساوية، لكن ما أسباب هذه المأساوية؟ إنَّ لغة أكا-بو، مثل الكثير من اللغات المنقرضة الأخرى، لم تشكل فارقًا في حياة الأغلبية الساحقة من الناس. لكنَّ هذا الشعور بفقدان شيء عزيز مع موت لغة ما، أمر شائع. ومع ذلك، فالشائع، بالقدر ذاته، أنّ الحفاظ على لغات الأقلية مضيعة للوقت والموارد.

وقالت روتشي، في محاولتها التوفيق بين هذين الموقفين المتضادين، إنَّ أبسط تعريف للغة الأقلية أنها تلك اللغة التي يتحدث بها أقل من نصف سكان بلد أو منطقة ما. ويجعل هذا التعريف من الماندارين – أكثر لغات العالم تحدثًا – لغة أقلية في الكثير من البلدان. لكننا، عند الحديث عن لغات الأقلية، فإننا عادة ما نعني هذه اللغات التي تعتبر لغات أقلية حتى في البلدان التي تحظى فيها هذه اللغات بأكبر عدد من المتحدثين، وعلى هذا إنما سوف يكون تركيز المقال. فنحن مهتمون بالأساس بلغات الأقلية المعرضة للخطر أو التي سوف تكون معرضة لخطر الانقراض دون جهود حثيثة لدعمها.

وقالت روتشي إنَّ هذا الحزن الذي نشعر به عند موت لغة ما أمر معقد. فموت بوا سنيور لم يكن مجرد علامة على انقراض لغة فحسب، وإنما فقدان الثقافة التي كانت يومًا ما جزءًا منها. هذه الثقافة التي كانت ذات أهمية كبرى لعلماء اللسانيات والأنثروبولوجيا، والتي جاء انقراضها نتيجة للاضطهاد والعنف.

وثمة شيء حزين آخر، بالإضافة إلى ذلك، في فكرة آخر متحدث للغة، في أنَّ شخصًا مثل بوا سنيور، قد عانى فقدان كل الناس الذين كانت يومًا ما قادرة على الكلام معهم بلغتها الأم. كل هذه الأشياء؛ الاضطهاد إلى درجة موت ثقافة كانت مزدهرة ذات يوم وفقدان الأحباب، أمور سيئة، بصرف النظر عما إذا كان فقدان اللغة جزءًا منها أم لا.

فالأمر إذن أنَّ جزءًا من حزننا عند موت لغة ما لا علاقة له بهذه اللغة في ذاتها. فلغات الأغلبية المزدهرة ليست مصحوبة بقصص تراجيدية، ومن ثم فهي لا تثير مشاعرنا بالطريقة ذاتها. ومن غير المثير للدهشة أنَّ القلق حيال لغات الأقلية عادة ما يُرفض باعتباره أمرًا عاطفيًا.

تنقل الكاتبة ما لاحظه الباحثون في مجال السياسات اللغوية أنَّ لغات الأغلبية تميل إلى أن تكون محل تقدير أكبر كونها مفيدة، ولتسهيلها لعملية التقدم، بينما ينظر إلى لغات الأقلية بصفتها عائقًا أمام التقدم وينظر إلى القيمة المنسوبة لهذه اللغات باعتبارها محض قيمة عاطفية.

نميل إلى التفكير في أنَّ العاطفية Sentimentality ارتباط شعوري مبالغ فيه لشيء ما – تقول الكاتبة – وهي مبالغة لأنها لا تعكس قيمة موضوعها. يصف الفيلسوف الراحل جي إي كوهين ممحاة باهتة تبلغ من العمر 46 عامًا، كان قد اشتراها عندما أصبح محاضرًا للمرة الأولى، وقال إنه سوف «يكره فقدانها». كلنا نثمن مثل هذه الأشياء؛ ممحاة عمرها عقود، رسومات أطفالنا، تذكرة قطار قديمة لرحلة قطعناها لرؤية شخص نحبه… إلخ، وهي أشياء لا قيمة لها في نظر الآخرين.

لو كانت قيمة لغات الأقلية عاطفية بالأساس – تفترض الكاتبة – فيمكن مقارنتها بالقيمة التي وضعها كوهين لممحاته القديمة. سوف يكون من باب القسوة تدميرها عمدًا، ومع ذلك فسوف يكون من غير المنطقي له أن يتوقع من المجتمع استثمار موارد ضخمة في الحفاظ عليها. والأمر ذاته يصدق على لغات الأقلية: فقيمتها لبعض الأشخاص لا تستدعي جهدًا مجتمعيًا للحفاظ عليها.

ثمة بعض الردود على هذا المنطق.

 أولًا: ليست قيمة لغات الأقلية محض عاطفية، فاللغات مهمة علميًا. وثمة فروع علمية بكاملها مخصصة لهذه اللغات؛ رسم تاريخها، وعلاقاتها باللغات الأخرى، وعلاقاتها بالثقافات التي وجدت فيها… إلخ. بل إنَّ فهم اللغات يساعد على فهم طريقة تفكيرنا، إذ يعتقد البعض أنَّ اللغة التي نتحدث بها تؤثر على أفكارنا، أو حتى أنَّ اللغة هي ما يجعل الفكر ممكنًا.

ذلك الادعاء مرتبط بما يسمى فرضية سابير وورف، التي وصفها اللغوي والعالم المعرفي ستيفن بينكر من جامعة هارفارد بأنها «خطأ، كلها خطأ».

وتقول روتشي إنه من المؤكد أنَّ فرضية سابير وورف مرتبطة بعدد متنوع من الأساطير المشكوك فيها، مثل الاعتقاد الشائع والخاطئ بأنَّ الإسكيمو لديهم عدد مهول من الكلمات لوصف الجليد. لكنَّ الفكرة الأساسية في هذه الفرضية ليست على هذه الدرجة من الخطأ بحسب اعتقاد بينكر. ومع عدم توافر الكثير من الأدلة على أنَّ الفكر لم يكن ليصبح ممكنًا لولا اللغة، فإنَّ ثمة الكثير من الأدلة على أنَّ اللغة تؤثر على الطريقة التي نفكر بها ونختبر بها العالم.

فثنائيو اللغة ممن يتحدثون الألمانية والإنجليزية بطلاقة، مثلًا، يصنفون الحركة بشكل مختلف بحسب اللغة التي يستخدمونها. وثنائيو اللغة من المتحدثين بالإسبانية والسويدية يعرضون مرور الوقت بشكل مختلف. بل حتى بينكر نفسه، على ما يبدو، يجد الصلة بين الفكر واللغة أمرًا مقنعًا: إذ يعتقد أنَّ الأفكار كامنة في اللغات التي جاءت منها، وهو ما يدعوه «لغة الفكر» وعلى أية حال، فهذا الجدل لا يمكن حسمه إلا إمبيريقيًا، من خلال دراسة أكبر عدد ممكن من اللغات المختلفة (والمتحدثين بها). وهو ما لا يدع مجالًا للشك في أنَّ اللغات قيّمة لأسباب غير عاطفية.

ثانيًا، فلنلق نظرة عن كثب على القيمة العاطفية: لماذا نطلق على بعض طرق التقييم أنها «عاطفية»؟ عادة ما نفعل ذلك عندما يقدر شخص ما شيئًا تربطه به رابطة شخصية محددة، كما كان الأمر في حالة كوهين والممحاة. يسمي كوهين هذا النوع من القيمة بالقيمة الشخصية. هذه الأشياء ذات القيمة الشخصية يقدرها أولئك الذين ليس لهم نفس النوع من الاتصال الشخصي بها تقديرًا أقل بكثير.

الطريقة الأخرى للتقييم العاطفي تكمن في تقدير شيء متصل بشخص أو شيء نهتم به. هذا النوع من القيمة هو سبب السوق المزدهرة لتوقيعات المشاهير وهي السبب الذي من أجله يلصق الآباء في كل العالم رسومات أبنائهم على الثلاجة.

وقالت روتشي إنَّ مصطلح «عاطفي» تحقيري بشكل مخفف: فنحن نرى العاطفية باعتبارها قيمة أدنى (مقارنة بالفائدة العملية مثلًا)، وذلك على الرغم من سعادتنا عادة عند المشاركة في الارتباطات العاطفية مع الآخرين عندما لا تسبب لنا هذه الارتباطات أي ضيق. فعاطفية الآباء تجاه رسومات أطفالهم لا تضايق الآخرين، لكنَّ العاطفية حول لغات الأقلية عادة ما تضايقهم، إذ تتطلب جهدًا وموارد لدعمها. ويساعدنا هذا الأمر على فهم السبب الذي من أجله تعد لغات الأقلية بالنسبة للبعض غير مستحقة لعناء المحافظة عليها.

ومع ذلك، بحسب روتشي، فالعاطفية ليس أمرًا يسهل تهميشه. ذلك أنَّ ثقافتنا تثبتها قيم، لو تأملناها عن كثب، فسوف يتبين لنا أنها تشبه القيم العاطفية إلى حد كبير. فكر في المقارنة التالية: يمكننا جميعًا أن نتفق على أنّ من قبيل العاطفية أن يصر كوهين (كما فعل حقًا) أنه سوف يرفض تحديث ممحاته القديمة بأخرى جديدة لو أتيحت له الفرصة.

ومع ذلك فلو رفض متحف اللوفر عرضًا من مزور محترف لمبادلة الموناليزا بنسخة «محسنة» بعد إزالة الضرر الذي حاق بالنسخة الأصلية على مر السنوات، فمن غير المرجح أن نرى في هذا القرار شيئًا عاطفيًا. على العكس، فلو حدث وقبل المتحف عرض المزور فبإمكاننا أن نتوقع أن تشق هذه القصة الصادمة طريقها لعناوين الأخبار الرئيسية في العالم.

إنَّ مواقفنا المتناقضة هذه تخفي حقيقة التشابه الكبير للقيم المضمنة في هاتين الحالتين. ففي كلتا الحالتين يقيم عنصر ذو تاريخ محدد على عنصر آخر، مطور إلى حد ما، ذي تاريخ مختلف.

هذا النوع من القيمة في كل مكان؛ فنحن نحافظ على أشياء مثل قلاع العصور الوسطى، وبرج إيفل والكولوسيوم الروماني لا لأنها أشياء مفيدة وإنما لأهميتها التاريخية والثقافية. عندما حطم مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) معروضات متحف تعود إلى 5 آلاف عام بعد استيلائهم على الموصل عام 2015، ركز الصحافيون الغاضبون على ارتباطات التحف المدمرة بالثقافات القديمة والمنقرضة. هذه الأهمية التاريخية والثقافية جزء من سبب تقديرنا للغات. وقد قال الفيلسوف نيل ليفي إنّ هذا هو السبب الرئيس لتقدير هذه اللغات.

وقالت روتشي إنَّ تقدير لغات الأقلية عادة ما يحظى بالإعجاب بنفس القدر الذي يعتبر فيه أمرًا عاطفيًا. فالفيلم الوثائقي (We Still Live Here (2010 يحكي قصة إعادة إحياء لغة وامبانواج، وهي إحدى لغات السكان الأصليين لأمريكا كانت قد انقرضت منذ أكثر من قرن من الزمان. يحتفل الفيلم بإعادة إحياء اللغة وجهود جيسي ليل دو بايرد، التي ترأست جهود إحياء اللغة التي كان أسلافها من المتحدثين الأصليين بها، وأصبحت ابنتها أول المتحدثين الأصليين بهذه اللغة المستعادة. وكانت بايرد قد حازت على زمالة ماك آرثر لتنفيذ مشروعها، وجذب نجاحها اهتمامًا إعلاميًا وتكريمًا واسع النطاق، بما في ذلك جائزة «أبطال بيننا» من فريق بوسطن سيلتيكس لكرة السلة.

وعبر المحيط الأطلنطي نجد كاترينا إيساو (84 عامًا) وهي واحدة من ثلاثة متحدثين باقين للغة نأوو، وهي إحدى لغات الـ«نقر» الجنوب أفريقية. أدارت إيساو على مدار العقد الماضي مدرسة في بيتها تدرس فيها لغتها للأطفال المحليين في محاولة للإبقاء على اللغة. وتلقت، عام 2014، نوط الافتخار القومي من رئيس البلاد، جاكوب زوما. وقد حظيت كل من بايرد وإيساو بتغطية إعلامية عالمية لجهودهما، التي وصفت بأنها مساهمات إيجابية لمجتمعيهما.

ومن حسن الطالع أنَّ العاطفية يمكن أن تكون موقفًا يحظى بالاحترام. ودون هذه العاطفية – أي بالتركيز على القيمة العلمية والأكاديمية للغات فحسب – يصعب شرح أفضلية الحفاظ على لغات الأقلية الموجودة حاليًا بدلًا من إحياء لغات ماتت منذ زمن طويل ولا يأبه بها أي شخص حي اليوم، أو سبب تفضيل دعم اللغات الطبيعية المعرضة للانقراض مثل لغات اللنكان في أمريكا الوسطى، لا اللغات الاصطناعية مثل فولابوك (التي صنعها راهب روماني كاثوليكي في ألمانيا في القرن الـ19) ولغة كلينجون (وهي لغة الفضائيين في سلسلة أفلام ستار تريك)، أو سبب تفضيل الحفاظ على اللغات الطبيعية المعرضة للانقراض بدلًا من اختراع لغات جديدة بالكامل.

لكن هل كون لغات الأقلية مهمة يعني أنَّ المجتمعات ينبغي لها الاستثمار في دعم هذه اللغات؟ تقول روتشي إنَّ الأمر ليس كذلك بالضرورة. إذ أحيانًا ما تفوق قيمة عدم دعم هذه اللغات قيمة دعمها وثمة سببان لذلك أولهما العبء الذي يضعه دعم لغات الأقلية على الناس، وفوائد تقليل التنوع اللغوي.

فمع تقديرنا لقيمة الحفاظ عل لغات الأقلية لأسباب مشابهة لتقديرنا لقلاع العصور الوسطى، فثمة فارق مهم يكمن في أنَّ الحفاظ على لغة من لغات الأقلية يضع عبئًا على الناس أكبر من عبء الحفاظ على قلعة. إذ يمكننا الحفاظ على قلعة بأن ندفع للناس مالًا مقابل صيانتها. لكن لا يمكننا الحفاظ على لغة أقلية بأن ندفع لأشخاص مقابل صيانتها. وإنما يجب علينا أن نجعل الناس يضعون هذه اللغة في مكان أكبر في حياتهم، وهو أمر ضروري لو أردنا جعلهم متحدثين أكفاء بهذه اللغة.

بعض الناس يفعلون ذلك طواعية، لكن لو أردنا نمو اللغة إلى حد أبعد من عدد من المتحمسين، فينبغي لنا فرض تغييرات متعلقة بأسلوب الحياة على الناس سواء أحبوا ذلك أم لا. وعادة ما يتضمن هذا الأمر تشريعات تضمن تعلم الأطفال للغة الأقلية في المدرسة. وهذه السياسات مثيرة للجدل. إذ يظن بعض الآباء أنَّ الأفضل لأطفالهم تعلم لغة أغلبية مفيدة بدلًا من تعلم لغة أقلية ذات فائدة أقل.

وختمت روتشي مقالها بالقول إنَّ تعلم لغة أجنبية، حتى وإن لم يكن مفيدًا بشكل مباشر في حالة المتحدثين باللغة الإنجليزية الذين يمكنهم التواصل مع أي مكان في العالم، إنَّ هذا التعلم يعطي فهمًا أعمق لثقافة وتاريخ أصحاب هذه اللغة، ويتيح للمتكلمين فرصة المشاركة في بعض أوجه الثقافة التي سوف تكون مغلقة الأبواب أمامهم دون تعلم هذه اللغة.

 

رابط المادة الاصلي: https://aeon.co/amp/essays/should-endangered-languages-be-preserved-and-at-what-cost

شاهد أيضاً

صحيفة: واشنطن تتخلى عن شرط إسقاط الأسد مقابل “المصالحة” في سوريا

نشرت صحيفة الإندبندنت مقالا للكاتب المعروف، روبرت فيسك، حول الملف السوري يقول فيه إن الساحة …

اتّفاق منبج مرتبط بالانتخابات التركية القادمة

في لقاء أجرته صحيفة ايدنلك التركية مع “سينجر أيمر” أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هاجي تبه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two × 4 =