الآن
الرئيسية / ثقافة / لاجئو الشرق الأوسط: أخبركم بما تراه عيني فقط

لاجئو الشرق الأوسط: أخبركم بما تراه عيني فقط

العربي الجديد _ جيل/

يستضيف مركز أولد ترومان بريوري، شرقيّ العاصمة البريطانية لندن، معرضاً فنيّاً بعنوان “بإمكاني أن أخبركم بما تراه عيني فقط”، وذلك في الفترة من الرابع وحتى الخامس عشر من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الجاري.

على الباب الخارجي للمعرض، ثمّة صورة لطفلٍ يبدو دون العاشرة من العُمر بثيابِ متّسِخة ونظّارةِ سميكةٍ تكشف عن عينَين واسِعَتين إحداهما مضمّدةٌ بشاشٍ طبيّ، كُتِبَ تحتَ الصورة: “بإمكاني أن أخبركم بما تراه عيني فقط”. وحين سألنا المصور الصحافي البريطاني جايلز دوليي عن حكاية الصورة، أخبَرنا بأنها لواحدٍ من الأطفال السوريين النازحين في منطقة البقاع
اللبنانية كانت عينه اليمنى أُصيبت بينما كان يلعب بمقلاعٍ مطاطي مع صبية آخرين في المخيم.

عام 2015 كلّفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين جايلز دوليي، وهو المصوّر الصحافي البريطاني الذي عرفته الأوساط الفنية والموسيقية كواحدٍ من ألمعِ المصوّرين قبل أن يشهد مسار حياته المهنية والشخصية ما يشبه انقلاباً جذرياً حينما قرّر منذ سنوات التفرّغ لتوثيق الآثار الإنسانية للصراعات المسلحة حيث بدأ من أفغانستان التي ساقته أقداره فيها إلى السير فوق لغمٍ من مخلّفات الحرب أودى بثلاثة من أطرافه، ساقَيه وذراعه الأيسر. كلّفتهُ بمهمة توثيق رحلة اللاجئين الهاربين من جحيم الشرق الأوسط بالصور ليشرع في رحلةٍ بدأت من لبنان فالأردن فالعراق وصولاً إلى جزيرة ليسبوس اليونانية، حيث يلقي اللاجئون رحالهم على أمل بلوغ العواصم الأوروبية.

كانت المهمّة عاجلة، اكتفى المسؤولون في مفوضية اللاجئين بالقول لي: اتبع قلبك، يقول لنا جايلز الذي لا تفارقه ابتسامته الطافحة بالأمل. يتحدّث بشغفٍ لافت. وحينما سألناه عن شعوره كمصوّرٍ يقف وراء العدسة فيما تدور أمامه مشاهدُ قلّما يستطيع المرء أن يقف مكتوف الأيدي إزاءها، يقول: في كثيرٍ من الأحيان كان علينا كمصوّرين إغلاق كاميراتنا والانخراط في مساعدة الواصلين الجدد إلى ليسبوس على النزول من القوارب وعلى انتشالهم من الماء، أتحدّث عن شتاءٍ تهبط فيه درجة الحرارة إلى ما دون عشر درجاتٍ تحت الصفر. كنّا نُديرُ التدفئة في سياراتنا ونضع داخلها الأطفال الرضّع الذين كادوا أن يتجمّدوا.

كانت مهمة جايلز، كما يقول، “إبراز الجانب الإنساني المؤلم لمعاناة هؤلاء اللاجئين ونقل حكاياتهم لمشاركتها مع مَن أمكن من البشر علَّهم يدركون الكلفة الباهظة التي تتكبّدها البشرية جرّاء هذه الصراعات. لقد قطعتُ وعداً بمساعدتهم بنحوٍ ما، وها أنا أفي بوعدي في عرض حكاياتهم في قلب لندن، فأنا في النهاية سارد حكاياتٍ مصوّرة”. لا يكتفي جايلز بسرد حكاية التقاط صوره إذا ما سألته عن إحداها، بل يذهب حدَّ إطلاعك على آخر أخبار شخوصها، فهو يتابعهم قدْرَ ما يستطيع.

“لقد حَفَرت هذه التجربة عميقاً في نفسي، لقد تعلّمتُ الكثير من كَرَمِ ونُبلِ هؤلاء اللاجئين الذين التقيتهم، ذلك الصنف من البشر الذين يقتسمون معك كلّ ما في حوزتهم، كان لا بدّ من رد بعض الجميل لهم ومساعدتهم بطريقةٍ ما. لقد استطعنا جمع ما يقرب من 200 ألف دولار لدعم الاحتياجات المعيشية للعائلات المقيمة في مخيمات اللاجئين عن طريق حملةِ إلكترونية لجمع التبرعات، كما أنّ هذا المعرض وريعُه مخصّص لدعمهم”، يُخبرنا جايلز.

كانت فكرة إقامة هذا المعرض الثلاثي (تصوير ضوئي ورسم وموسيقا) قد انقدَحَت في لقاءٍ جمَعَ الثلاثي جايلز دوليي بالفنّان التشكيلي السوري المقيم في بيروت سمعان خوّام فضلاً عن الموسيقي السوري المقيم في إيطاليا علاء إرشيد والمجموعة الموسيقية التي يعمل معها علاء والمعروفة باسم “seeds أي بذور” وتضمّ كلاً من إيساك دي مارتن وبانو سيليستي وحيان إرشيد، فضلاً عن علاء. قرّر الثلاثي العمل على نقلِ حكايات اللاجئين التي واكبوها ومشاركتها مع جمهور العاصمة البريطانية لندن، وبعد أشهرٍ من التحضيرات، أبصر المعرض النور.

يضمُّ المعرضُ الذي يستمر لمدة أحد عشر يوماً، قسماً خاصّاً برسوماتٍ أنجزها أطفال لاجئون
من ذوي الاحتياجات الخاصة في مخيم الزعتري. رسم الأطفال هواجسهم وخيالاتهم التي ترزح تحت وطأة اقتلاعهم من أماكن طفولتهم الأولى. ثمّة من رسم مدارس يحلم بها، وهنالك من رسم بيوتاً تلقى عليها القذائف من الطائرات، وهنالك من رسم أطفالاً يتحلّقون حولَ أمهم الميتة، مع ذلك ترسم الطفلة فاطمة ما تسمّيه آمالاً صغيرة بألوان تكشف عن موهبةٍ آسرة.

وإلى جانب لوحات الأطفال، تلفُّ الجدرانَ صورٌ ضوئية بأحجام متفاوتة دوّنها جايلز دوليي في رحلته عبر طريق الدياسبورا السورية. وجوهٌ طافحةٌ بالتعبير والحكايا التقطتها عينٌ شغِفة وحاذقة. ثمّة أيضاً صور للاجئين أفغان ركبوا البحر إلى جانب أقرانهم السوريين. يخصّص جايلز جداراً خاصّاً للوحات الأُسرة في محاولةٍ لإبراز لحظاتٍ إنسانية دافئة وحميمة لعائلات شرّدتها كارثة الحرب وكان عليها أن تُفارِقَ مواطنها الأولى بحثاً عن حياةٍ أخرى.

في صالة المعرض، ومنذ ساعات النهار الأولى، يقف الفنان التشكيلي السوري سمعان خوّام بمريوله الملطّخ بالألوان منشغِلاً برسم لوحاتٍ سوفَ تُباعُ على هامش المعرض لدعم النازحين السوريين في لبنان. يرسمُ سمعان غِرباناً تنقُرُ رؤوساً منحنية أعناقها إلى الخلف، يرسُمُ ذئاباً ومشاهد كابوسيّة. “أرسمُ العار”، يقول سمعان في حديثه إلى موقع “ضفة ثالثة”. “حسنٌ، ربما يبدو الفن عاجزاً أمام العار الذي يشهده العالم، إلّا أنه يبقى عليه توثيق ذلك على الأقل. في الوقت الذي يصوّر جايلز أرواحاً وآمالاً، تجدني أرسم العار الذي نحياه، العار الذي عليك أن تعيشه كل صباح في مدنٍ تتفرّج على أنقاضها، ذلك ما أجده أمامي لأرسمه الآن”.

يؤكّد جايلز أنّ غرض هذا المعرض ليس فقط عرض الوجه الإنساني لهذه الأزمة، وإنما أيضاً الاحتفاء بالحياة والثقافة والروح الإنسانية. لا يريدُ ثلاثيُّ المعرض استدرار العطف والشفقة على أولئك الذين يوثّقون حكاياتهم فنيّاً بقدرِ ما يأملون في بثِّ الأمل وسط هذا الزمن القاسي، كما يقولون لنا. فعندَ أول المساء وخلال مدّة المعرض، يتوسّط جايلز مائدةً طويلةً تحفلُ بأطباقٍ من المطبح السوري لمشاركة الحكايا مع الجمهور، فيما يواصل سمعان خوّام تدوينَ سرديّته الفنية التي لا تُخفي سُخطَها، أمّا علاء ارشيد فيقبض على كمانه في مواكبةٍ موسيقية للصورة واللوحة.

ليسَ الفنّ من أجل الفنّ وحسب، بل من أجل الإنسان أيضاً، وربّما أولاً. على الأقل، يُعلّمنا الفنّ أن نتعاطف، أن نتلفّت حولنا وأن ننظُرَ نحو العالم الأوسع، فحينما يكون على البشرية أن تعيش صراعاتها التي تدفع بها ثُلّةٌ من المؤدلجين والسياسيين الذين يحكمون العالم، يكون على الفنّ أن ينافح عن بشريّةٍ كانت واحدةً منذ طفولتها الأولى؛ يكون عليه أن “يوَثِّق” وأن “لا يصمت” وأن لا يكون شاهدَ زور على فداحة ما نحياه.

لعلّ تلك هي الرسالة الأبرز للمعرض والتي جمعت الفنانين الثلاثة وأتت بهم إلى لندن. جايلز، الإنكليزي الذي كان متفرّغاً لتصوير الحفلات الموسيقية قبل أن يقرّر تغيير مساره الفني في رحلةٍ كلّفتهُ ثلاثةً من أطرافه الأربعة، وسمعان، السوريّ الذي كان عليه أن يهرب باكراً من جحيم الاستبداد ويفقد ساقاً هو الآخر في حقلِ ألغامٍ في منفاه اللبناني، وعلاء، الموسيقي الذي كان عليه أن يحمِلَ كمانه وينضمّ إلى قوافل الشتات البشري يحدوه أملٌ لا يفتُر في أنّ بإمكان الفن أن يجعل من العالم مكاناً أقلّ بؤساً مما يبدو عليه اليوم.

شاهد أيضاً

مسرحية «يوتيرن» لا نجاة من الطوفان … إلا بالعودة إلى النقاء

كانت تباشير هزيمة النازية قد لاحت في الأفق في الوقت الذي كتب الأميركي ثورنتون وايلدر …

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − 7 =