الآن
الرئيسية / ثقافة / قارب بلا بحّارة.. يوميات شاعر في لبنان الخمسينيات

قارب بلا بحّارة.. يوميات شاعر في لبنان الخمسينيات

العربي الجديد /

هذه مقاطع من يوميّات الشاعر والسفير اليوناني يورغوس سيفيريس في لبنان(وصله في كانون الأوّل/ ديسمبر 1952 وبقي فيه حتّى 31 حزيران/ يونيو 1956)، بعنوان “بيروت 1” و”بيروت 2″، صدرت في الجزء السادس من يومياته عام 1986، وهي ليست كلّ ما كتب عن بيروت ولبنان والمنطقة العربية، فهناك ملاحق لها لم تُنشَر بعد، ولم نطّلع عليها. في هذه الترجمة علّقنا بين معقوفَين [ ]حتّى لا نلجأ إلى الهلالَين اللذين يستعملهما سيفيريس أحياناً ليستطرد أو ليوضّح.

[من أوراق “بيروت 1”]

السبت، 26 أيلول/ سبتمبر [1953]
في صيدا نحو الحادية عشرة. حرّ قارس رطب. قذارة كثيرة؛ هؤلاء الناس يبولون في كلّ مكان. من الأفضل ألا ترى هذا المكان إن كنتَ تشتهي أن تتفكّر بفتية كفافيس المتعطّرين [إشارة إلى قصيدة “فتية صيدا 400 م” لكفافيس]. صعدنا إلى الجبل لنجد قبر إستير ستانهوب [يكتبه بالحرف اللاتيني Esther Stanhope]. في جون لم يقدروا أن يعطونا معلومات فتوجّهنا إلى دير المخلّص (رهبان ملكيّون) لنسأل. […] إنّه لَخطير أن يرى الواحدُ المسيحَ أحياناً [ستانهوب “سيّدة” -لايدي- بريطانيّة أتت إلى جون عام 1810 وكانت تزعم أنّ حضور المسيح اقترب].

الأحد، 30 أيّار/ مايو، الأرز [1954]
عندليب بين الأرزات – حبّ الأرز [يستعين بالكلمة الفرنسيّة pignons]. الكاهن المارونيّ يعطي الأشجار أعماراً مُذهلة.
غروب الشمس في “الشاليه”: في لحظة توقّفت أشجار الحور عن تحريك أوراقها؛ ثمّ عاودته: جميل.

30-5-1954 [كذا]
انعطفنا من شكّا، الطرقات والقرى في منتهى الفرادة والغرابة.
بعد كوسبا بقليل مقهى صغير فيه ينبوع ومنظر جميل. (في كلّ هذه المراكز الجبليّة يجب تجنّب الطعام: يتوقّعون ربحَ شهرهم من سائح).
مغارة قاديشا مياه دفّاقة.
[منطقة] الأرز مهجورة هذه الفترة والفنادق فارغة.
بِتنا في “الشاليه”. 25 ليرة كلفة الشخص؛ وهو ملك كزافيه سرسق وكليو كرامي.
صعدنا سيراً لنجد طريقاً إلى بعلبك – مقطوع بسبب الثلج. عودة من طريق طرابلس. إهدن تستحقّ أن يتوقّف فيها المرء – فنادق: قد يمكث الواحد.

السبت، 5 حزيران/ يونيو [1954]
بعلبك: حيث العشق يصير خطيئة.

الأحد، 6 حزيران/ يونيو [1954]
“الرملة البيضاء” رمل أبيض، شواطئ فينيقيّة، بِلا جزر.

الثلاثاء، 15 حزيران/ يونيو [1954]
القمر بدر في قمّة (وسط زهرة) العقرب، والعقرب كامل في الأفق. رغم قوّة ضوء القمر، فقد كان كلّه بادياً.

الأحد، 15 آب/ أغسطس [1954]
اليوم، يوم عيد السيّدة، أنهيت “الأكروبوليس” [قصيدة]. عملتُ من بداية السنة كالمجنون في نومي وفي صحوي. أذكر أنّه نادراً ما حصل لي أمر كهذا: أسابيع قليلة في أفريقيا الجنوبيّة ووقتَ كتبت “كلام العشق” [قصيدة كتبها بين تشرين الأول/ أكتوبر 1929 وكانون الأوّل/ ديسمبر 1930]. اندفاع لا يُصدَّق. كنتُ أنام أربع ساعات ولم أكن أشعر بالتعب – ليس هذا بقليل في مثل هذا الطقس هنا.

[من أوراق “بيروت 2”]

السبت، 18 كانون الأوّل/ ديسمبر [1954]
في جبيل مع ذيسبينا وآنا – قد يكون أوّل (بالكثير ثاني) يوم رائع وجميل هنا. انطلقنا نحو الثانية عشرة. شمس خريفيّة. صعدنا إلى غزير ظانّين أنّنا ذاهبون إلى عمشيت (إلى بيت رينان). سألنا؛ دلّونا أوّلاً على البيت ثمّ سألونا مَن هو رينان. البحر بأيّ حال تحتنا (خليج جونية). أكلنا في عودتنا تحت شجرة خرّوب كبيرة – وكان صبيّ يقطف الفجل ومعه بقرتان سوداوان ترعيان.
جبيل، تجوّلنا في المكان القديم. الضوء جميل على واجهة البيوت البعيدة هناك وعلى قلعة الصليبيّين. أسفل، قرب كنيسة القدّيس يوحنّا، هناك المرفأ.
نعومة فينيقيّة في البحر وعلى الشاطئ. لطافة “غربيّة”.
موانئ الصليبيّين؛ “فروسيّة”. الاصطلاحيّ ما في المزدوجَين – قبلَ رفائيليّ، أو شيء كهذا. [مصطلَح “القبلَ رفائيليّ” يستعينه من الجمعيّة حاملة الاسم نفسه والتي دعت إلى العودة في الفنّ إلى ما كان سائداً قبل عصر رفائيل، وهنا يقصد المعنى الأوّل والقيم الأولى للفروسيّة].
في عمشيت قبر هنريات رينان – محجوب في مربَّع ضيّق [هي أخت إرنست رينان]. تُعتّم عليه سنديانة كبيرة. في الخارج لوحة سخيفة عن مرور باري Barres. دُرنا بحثاً عن البيت الذي سكن فيه رينان (بيت زخيا)، بيت لبنانيّ جميل؛ في داخله صالة كبيرة. أرَونا الغرفة الصغيرة حيث مكث. تذكارات [عن وجوده] “صندوق” للسفر، رسالة تعود إلى 9-9-1886- ظلّه ثقيل هنا.
توقّفنا قليلاً بعد عمشيت، وتطلّعنا إلى الشمس التي تغرق في بحر فينيقية الهادئ.
لماذا أحياناً يرى المرء بوضوح – أعني كما عندما تكون آلة التصوير مضبوطة بشكل صحيح -.

الأحد، 12 حزيران/ يونيو [1955]
رقص. في الأساس، جذور الرقص عند أفروديت، الجسد الحسّيّ. في الحركة الأفروديتيّة لهذا البطن الذي يتلوّى حول قضيب غير منظور (كأمس مساء مثلاً) أو في الجسد الثائر الذي سيَقتُل أو سيُقتَل – (وهو الأمر عينه). الرقص هو هذه الأمور وهو الخروج منها. الخروج منها كما عند الدراويش الذين كانوا يدورون ويبدون أنّهم يزلّون صوب عنصر آخر حيث كانوا يُفقَدون أو يُنسَون. بين هذين الطرفَين، فكّرتُ صباحاً، يقع الرقص. وهذا يفسّر لي لماذا أجد كلّ هذه الميوعة في الباليهْ، وأجساده المخصيّة ورموزه المخصيّة وحركاته ووضعيّاته الرومنطيقيّة إلخ… بين ما يُقارِب الباليه، أفضّل أيضاً لوحة رقص إيمائيّ.
بطن مع تقسيمات إيقاعيّة كالدفّ – […].
(تحيّة كاريوكا – ترقص في “أوبيرج”).

الأحد، 7 آب/ أغسطس مساءً [1955]
حان الوقت، أعتقد، ليبدأ الواحد بتعلّم الصلاة.
في تمّوز عاودت الشغل بالقصائد “إيليني”، “إنغومي”، “شيطان الزنا”. “إيليني” تجول في بالي منذ العام الماضي، “إنغومي” منذ العام الأوّل. أقصد أنّي بدأت بتسجيل الأفكار. تمكّنتُ من كتابتهما، بعد فترة الجفاف التي كانت نصف هذا العام الأوّل، لأنّي أخيراً وجدتُ أسبوعاً للانقطاع عن العمل، في أوّل أيّام تمّوز/ يوليو، حين ذهبنا إلى بحمدون. هذا الحدث يجب أن يبقى في ذاكرتي. “الشيطان” [شيطان الزنا] و”كيرينيا” [قصيدة بعنوان “في ضواحي كيرينيا”] كانتا تمريناً. مع ذلك هذه (القصائد الأربعة) كانت أكثر ما هو مميّز وشيّق بين ما قمتُ به هذه السنة. هذه وغصن الفرنجبان [plumeria bicolor، بحسب الرسم المنشور في اليوميّات] الذي أخذتُه في الربيع من جُبَيل؛ زرعته مارو [زوجته] في حَوض وراقبتُه وهو يتفتّح رويداً رويداً، يزهر وتتفتّح أزهاره.

الإثنين، 15 آب/ أغسطس [1955]
انتبِه للحاجة إلى الانقطاع عن العمل وفائدته.

السبت، 25 شباط/ فبراير [1956]
[…] أمس أخذت أترجم قصيدة ييتس “الإبحار إلى بيزنطية” [Sailing to Byzantium]. غريب، كلّ مرّة: يخال لك أنّك “تحلّ براغي” القصيدة وأنت تحاول أن تترجمها. […].

السبت، 17 آذار/ مارس [1956]
أمس في جبيل – ربيع، العصر جميل، أزهار حقل كثيرة. شقائق نعمان أدونيس. ألوان بيوت محيطة وأشكالها: ضوء جميل.
في ذلك المساء نحو التاسعة وبضع دقائق، ثلاث هزّات أرضيّة: 4، 3، 4 درجات تقول الصحف اليوم. الناس حولي خائفون كثيراً؛ ليسوا معتادين؛ لا يذكرون زلازل قويّة إلى هذا الحدّ في هذه الأماكن.

الأحد مساءً، 8 تمّوز/ يوليو، بيروت [1956]
رجعنا إلى هنا [من دمشق] صباح الجمعة. صباح اليوم حاولت أن أكتب [حين يقول أن أكتب يعني قصيدة، يفرّق بين القصيدة واليوميّات. يحصر الكتابة بالقصيدة]. لا يُعقَل كم يجعل الإنسانَ ثقيلاً هذا الطقسُ. أظنّ أنّي كنتُ لأفضِّل لهيب بغداد. يسرّني أنّي أتركها هذه كلّها. يكفي.
أريد، مع ذلك، في أثينا، أن يكون لي بعض الوقت، بعض الوقت، لأكتب. أنا غائب منذ كانون الثاني/ يناير عام 1948 عن موطني.

الإثنين، 23 تمّوز/ يوليو [1956، من دمشق]
يجري السيل لكن لا نهر. قارب فينيقيّ بلا بحّارة: رحلة النفس (متحف بيروت).

الثلاثاء، 24 تمّوز/ يوليو [1956]
على الطريق [يكتب آتياً من دمشق] سلسلة الجبال الغربيّة الغريبة وسلسلة الجبال الشرقيّة الغبيّة [يقول في اليونانيّة ما يقابل حرفيّاً Liban وAnti-Liban].

شاهد أيضاً

قدرة الرواية على التغيير

هل للرواية قدرة على تغيير المجتمعات والتأثير في الشعوب وتشكيل وعيها ورسم هوياتها؟ للإجابة عن …

المنشورات العربية في تركيا تتضاعف 6 مرات خلال 10 أعوام

تضاعفت المطبوعات الصادرة باللغة العربية في تركيا 6 مرات في السنوات العشر الماضية، ليبلغ عددها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 + 9 =