الآن
الرئيسية / ثقافة / عندما تتحول الثورات إلى فولكلور غنائي – مسرحي

عندما تتحول الثورات إلى فولكلور غنائي – مسرحي

صحيفة الحياة /

قُدّم العرض المسرحي الغنائي «المتفرج المميز: حفلة غنائية غير احتجاجية»، بدعم من المؤسسة الثقافية السويسرية (بروهيلفيسيا) ومعهد غوته، أولاً في الإسكندرية بالتعاون مع مهرجان المسرح المستقل «لازم مسرح»، ومن ثم في «مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة» في القاهرة.

بدا العرض متصلاً بعنوان المهرجان الأخير، فمن ناحية تردُنا «وسط البلد» مباشرة إلى ميدان التحرير، ومن ثم إلى أيقونة الثورة المصرية. وبالتالي تنقلب فرضية عدم الاحتجاج إلى عكسها، ما يثير السخرية. ويدفعنا تعبير «الفنون المعاصرة» إلى التفتيش في مدى عصرية وراهنية «الحفلة الغنائية» وكونها «غير احتجاجية». في البداية، ينبغي توضيح أن الثورة المصرية لم تكن هي المحور الذي وضعه صناع العرض نصب أعينهم عندما شرعوا في إعداده.

أتت البداية في برلين عندما اجتمع كتابٌ من بلدان مختلفة عبر «إقامات فنية» وورش إبداعية في إطار ندوة أدبية. ضمَّت المجموعة آريان كوخ (سويسرا)، زينب مجدي (مصر)، وأحمد سامي أوزبوداك (تركيا). في ذلك اللقاء الذي جرى قبل نحو عامين، طرح الكتاب تصوراتهم حول تيمة الديموقراطية والمشاركة الجماهيرية، ومن ثم شرعوا في كتابة نصوصهم. في العام التالي، تطوَّر التعاون إلى صناعة عرض مسرحي يستند إلى تلك النصوص من ناحية، ويتضمن أيضاً الانفتاح على تراث الأغاني الألمانية الخاصة بالاحتجاج. أسهمت آريان كوخ في دفع المشروع إلى الأمام بالتعاون مع المخرج زينو واي، لاسيما وبينهما أعوام عدة من التعاون في بازل (سويسرا).

يستوقفني اليوم هذا التحول في المسار الإبداعي للمشروع: الانفتاح من النصوص المنفردة ذات الطبيعة المعاصرة والمرتبطة أيضاً بالشخصية الخاصة لكل كاتب وثقافته، نحو التراث الألماني تحديداً في أغاني الاحتجاج والذي أصبح مصنفاً في خانة الفولكلور. في حواري معه، قال المخرج زينو واي: «ذهبنا للبحث في أرشيف مكتبة فريبورغ، كنا نريد أن نعثر على أغنيات تراثية ألمانية قديمة، كنا نريد أن نستثمر عاداتنا الألمانية في استخدام ألحان قديمة مع أشعار جديدة لنصنع قاعدة موسيقية قادرة على دعم نصوصنا، أردنا أن ننشر شعارات اليوم الثورية بموسيقى وإيقاعات الأمس، كي نضمن أثرها على الناس».

يبدو أن الهدف قد تحقق. فقد قدم العرض حالة مسرحية وموسيقية وغنائية قائمة على المزج، ليس فحسب بين التيمات الموسيقية القديمة والنصوص الحديثة، بل أيضاً بين النصوص نفسها بحيث لا تعرف مَن كتب ماذا. يقوم العرض على اثنين من المؤدين على رغم أن النصوص الأصلية مقسَّمة الى ثلاثة كتاب. يبدو العرض كمناظرة أحياناً بين الاثنين، وأحياناً أخرى يبدو كحفلة «دي جي».

تنمحي أشياء كثيرة داخل السينوغرافيا المقتصدة والتي لا تثقل كاهلها بأية إشارات رمزية أو مجازية. لكن ذلك التكتيك في الوقت ذاته يعطي انفتاحاً هائلاً في التأويل وفي الرؤية. إنه بمثابة التعرية الكاملة للنص وللفعل الدرامي. بهذه الطريقة قدم لنا العرض ما يسميه المخرج «هجيناً» مِن النصوص من دون الحاجة إلى تمييزها وإلحاقها بكاتب معين. تخلى عن المنظور الواحد وعمد إلى خلق زخم من الأصوات ومن النصوص تتعدى الموقف الواحد والمنظور الواحد، وأعطى أصداءً لصوت جيل ثوري عبر الثقافات.

يأخذنا عرض «الحفلة الغنائية غير الاحتجاجية»، مباشرة، إلى السؤال المحوري: هل يمكن أن تتحول شعاراتنا الثورية إلى فولكلور؟ الإجابة تضمَّنت تقديم العرض ذاته ممزوجاً بالفولكلور. وربما تمكن قراءة هذه الإجابة بطريقة عكسية: أن الفولكلور هنا هو لنشر المعنى وتوطئته وإطالة عمره. في هذه القراءة يمكننا أن نرى أسطورة نساء طروادة؛ كمحفز لتذكر نساء الثورات، ونساء ميدان التحرير. نحن أيضاً نملك هذا الإمكان في ثقافتنا العربية. نملك مثلاً تراث سيد درويش، فهل نستخدم ألحانه مع أشعار الثورة؟ أم أن كلمات أغانيه ما زالت تعبر عما نريد أن نقوله الآن؟ وهل هذا نجاح أم فشل؟ نجاح للفن التراثي عابر الأزمنة، وفشل في إحداث تغيير حقيقي في الواقع؟ أم أن دمج نصوص وشعارات الثورة والاحتجاج مع ألحان التراث يضع الأمر برمته في خانة الماضي ومن ثم في طي النسيان؟ يشدنا الحنين إلى الماضي – حتى لو تمت عصرنته بأدوات تكنولوجية – فيساعدنا على التعامل مع الإحباط واليأس من خلال إدراج المحاولة القديمة للتمرد في فئة الفولكلور. نصبح نحن أنفسنا فولكلوراً حياً يسير على قدمين. نصبح متحفاً متنقلاً عابراً للأزمنة.

إنها تأويلات متناثرة، ربما دفعني إليها عنوان العرض نفسه ومكان عرضه وتوقيته، وكلها عوامل تؤثر في النهاية على متلقيه، وربما تحول معناه أو تثبته في موضع معين. هذا بالطبع لو كان له معنى واحد، وهو المستحيل بعينه.

ظللت أفكر طويلاً في آخر عبارة قالها لي المخرج في حوارنا في القاهرة. هو قال إن الثائر وحيد للغاية. لكن الصورة الوحيدة التي تأتي إلى مخيلتي هي صورة الملايين في ميدان التحرير وغيره مِن ميادين مصر، وتغلفها خلفية غنائية جماعية لـ «مشروع كورال» للفنان المصري سلام يسري والذي يصنع كورالاً جماعياً من شكاوى المجموعة. تغني المجموعة سوياً وتلحن وتؤلف كلماتها، تصنع غناءها الثوري الصدَّاح الجماعي. ربما يتحول «مشروع كورال» في المستقبل إلى فولكلور، لكنه حتى هذه اللحظة حي ومتمرد. صوت كورال الشكاوى الاحتجاجي مع صورة الملايين في التحرير: الثائر ليس وحيداً هنا. أو ربما أنه لم يكن وحيداً، لكنه صار كذلك.

شاهد أيضاً

مسرحية «يوتيرن» لا نجاة من الطوفان … إلا بالعودة إلى النقاء

كانت تباشير هزيمة النازية قد لاحت في الأفق في الوقت الذي كتب الأميركي ثورنتون وايلدر …

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − 15 =