الآن
الرئيسية / رأي / الكراهية تطلّ برأسها

الكراهية تطلّ برأسها

صدى الشام _ غالية شاهين/

ليست مصادفة أن يحقق حزب يميني يوصف بأنه “متطرف”، ولا يصل عمره إلى خمس سنوات، اختراقاً سياسياً خطيراً في الحياة السياسية الألمانية، كما أن ذلك ليس حدثاً عابراً في تاريخ ألمانيا أو أوروبا بشكل عام، بل هو مفصل جوهري ستتم دراسته بدقة في محاولة لتحاشي نتائجه الكارثية المتوقعة على مجمل النظام السياسي الأوروبي وربما العالمي، وحتى على مفهوم وبنية الديمقراطية التي تعتدّ بها الدول الأوروبية وخاصة ألمانيا.

شهدت السنوات الماضية صعوداً ملحوظاً للأحزاب اليمينية في عدة دول أوروبية، كانت فرنسا وهولندا من أهمها، لكنها -أي الأحزاب اليمينية- مُنيت بفشل واضح في كلا الدولتين، أما في ألمانيا، والتي تعتبر مركز ثقل الاتحاد الأوروبي، فقد تدرج نجاح حزب “البديل من أجل ألمانيا” في توسيع قاعدته الشعبية خلال السنوات الخمس الماضية ليصل منذ أيام إلى الانتخابات البرلمانية الألمانية وليحصل، وللمرة الأولى في تاريخ ألمانيا منذ 1949، على مقاعد في البرلمان (البوندستاغ الألماني)، ويتبوأ الترتيب الثالث بعدد أصوات الناخبين.

يُرجع الكثير من المحللين سبب صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” إلى “القرار الخاطئ” الذي اتخذته أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، بفتح حدود بلادها وتطبيق سياسية “الترحيب باللاجئين”، وهو ما أدى إلى تدفق عشرات آلاف اللاجئين خلال عامي 2015 و2016 إلى ألمانيا تحديداً وحصول عدد كبير منهم على الإقامات والمساعدات التي يضمنها القانون الألماني، وبالتالي تعرّض البلاد لضغط اجتماعي واقتصادي كبير، وهو ما اتكأ عليه فعلاً حزب البديل في حملته الانتخابية، لكن محللين آخرين يُرجعون السبب إلى إصرار الأحزاب التقليدية على اتباع سياسات اقتصادية أدت إلى استمرار حالة الاستقطاب بين الفقراء والأغنياء مما تسبب في إثارة هذه الشرائح الاجتماعية ضد بعضها بعضًا وانتشار أفكار الأحزاب اليمينية الشعبوية بين أبناء الطبقة الوسطى في ألمانيا.

لكن ما لم يتطرق له معظم المحللين السياسيين هو الدور الكبير الذي لعبته تغذية التطرف الديني في المجتمعات غير الأوروبية أو العربية بشكل خاص، إضافة إلى البروباغندا الإعلامية العالمية التي ما تزال تصنع وتنشر فزّاعة التطرف الإسلامي، حتى أصبح أي لاجئ عربي؛ سوري وعراقي على وجه الخصوص، متهماً مسبقاُ بالإرهاب بوصفه “مشروع مجرم أو إرهابي” في أوروبا.

التطرّف لا يخلق إلا التطرّف، ومن الطبيعي أن يزداد عدد المتخوفين من الإسلام في أوروبا بعد اتباع حكوماتهم لسياسة الأخذ بالنتائج وتحويلها إلى مسببات، ففي الحالة السورية مثلاً، تتعامى الحكومات الأوروبية عن نظام بشار الأسد كمسبب حقيقي للمقتلة ومحرّك رئيس لـ”داعش”، وفي المقابل توجّه للأخير كل أصابع الاتهام وتدرجه في أول سلّم أعدائها وكأنه ليس نتيجة بل سبباً.

سياسة الحكومات تلك تتبعها تغطية الوسائل الإعلامية المختلفة، التي تنقل للعالم جزءاً من الحقيقة وتتجاهل الجزء الأكبر، وهنا لا نستثني وسائل الإعلام العربية التي قامت وتقوم بالدور نفسه، كما لا تستثني الحكومات العربية أيضاً.

بالنتيجة، هيمن شبح التطرف الإسلامي المصنّع أصلاً في الدول الغربية على المشهد العالمي، وهو حتماً سيقود إلى تطرف معاكس معادٍ سوف يأخذ مع الأيام أشكالاً أكثر حدة ووضوحاً، بعدما بدأ يجد الآذان المصغية ويطل برأسه بجرأة هنا وهناك في أوروبا.

خلال سبعين سنة من التاريخ نجحت الشعوب الأوروبية في كبح جماح التطرّف والكراهية ضد الآخر، والذي كان يتمثّل باليهود لفترة طويلة، لكن ظهور الآخر “المسلم” بالطريقة المدروسة تلك، والتي ألبسته وجه الإرهاب والقتل والإجرام، قدّم لحملة الفكر المتطرف وللأحزاب المتطرفة سبباً منطقياً للظهور مرة أخرى، وربما سنشهد -إذا استمرت اللعبة الدولية الحالية- تغوّلاً للكراهية والعداء وسقوطاً مدوّياً للديمقراطية بموازاة صعود مرعب للقمع والحد من الحريات في أوروبا.

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three × one =