الآن
الرئيسية / ثقافة / الشفاء من “المدنية”

الشفاء من “المدنية”

العربي الجديد /

هناك كلمتان باللغة العربية مقابل civilization الإنكليزية؛ مدنية وحضارة. كلمة “مدنية” مرتبطة بمدينة، وكلمة “مدينة” تعني حرفيا “مديونة”؛ وهي كلمة تعكس الواقع، إذ أن المدن تأخذ ما تنتجه الأرياف من خير ولا تعيد لها أي خير بل على العكس تعيد لها نمط حياة غارقا في الاستهلاك والتمزيق وأنواع المخدرات والإدمان، بما في ذلك المخدِّر الأخطر ألا وهو إدمان الشباب والصغار على المشاهدة، إذ يقضي سكّان المدن حاليا معظم وقتهم في مشاهدة شاشات – لا ينطقون خلالها ولا يتحركون ولا يتأملون ولا ينتبهون إلى ما يدخل معداتهم وعقولهم وإدراكهم وعواطفهم، إذ يستهلكون دون معرفة ودون وعي ما تنتجه مؤسسات وشركات كل همّها الربح.

حياة المدن مبهرة، وفيها أضواء تخطف النظر والإدراك وتوحي بإيحاءات تقدمية متطورة. كلمة “مدنية” تعني السير على طريق المدن، وهذا بالضبط ما حذّر غاندي تلميذه “نهرو” منه إذ قال له: “لنضع جهودنا في الريف لا في المدن، إذ أن التركيز على تطوير المدن سيؤدي إلى تخريب المدن والريف معا”.

في المقابل، تعكس كلمة “حضارة” معنى جميلا إذ تنطلق من الحاضر، بحضور الماضي والمستقبل، وحضور الآخرين، كما تشمل معنى الجهوزية لعمل ما هو ضروري عمله. بعبارة أخرى، تشير كلمة حضارة إلى أنه من غير الممكن السير نحو المستقبل دون الانتباه الشديد للحاضر ودون البحث في الماضي لمعرفة جذور الحاضر، ودون التفكّر في عواقب ما نفعله في الوقت الحاضر على الأجيال المستقبلية. ما كتبته من معنى لـ”حضارة” هو نتيجة اجتهاد، والاجتهاد في رأيي من أجمل الكلمات من حيث معناها في اللغة العربية: “البحث، بشكل مستقل، عن المعنى”.لكن للأسف لم يتبع “نهرو” هذه النصيحة بل اتبع مسار التنمية الذي نرى نتيجته حاليا حيث 10 مدن في الهند تئنّ من التطور الذي حصل فيها، وحيث الأرياف تدفع ثمنا باهظا نتيجة مشاريع التنمية. التنمية – بمفهومها الذي انطلق في عقد الخمسينيات من القرن الماضي – أضرّت بالبلدان التي صدّرته، مما جعل حتى شخص مثل ولي عهد بريطانيا، الأمير شارل، يقول بأن التنمية خربت طبيعة لندن أكثر مما فعلته الحرب العالمية الثانية.

ويعكس هذا المعنى للاجتهاد عدة أمور: حرية وتأمل وتعددية واحترام ومسؤولية. كلمة “حضارة” بهذا المعنى تشير إلى أهمية وجود رؤيا أوسع بكثير من نظريات واستراتيجيات وأهداف. وكما قال النفّري قبل ألف سنة: “كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة”. فمهمتنا إذن أن نتحدث عن رؤيا بكلمات قليلة.

والرؤيا كما أستعمل الكلمة هنا تشمل معرفتنا وإدراكنا للواقع وجذوره، وإدراكنا لموقعنا ودورنا فيه، والقيم والقناعات والمبادئ التي نتفق ألا نخالفها في أفعالنا. وأرى شخصيا أن “استعادة الحكمة في الحياة” تعبّر بكلمات قليلة عن الرؤيا/ البوصلة التي يمكن أن نستهدي بها في سيرنا نحو المستقبل.

كانت الحكمة البوصلة التي سارت وفقها حضارات كثيرة سابقة للمدنية المهيمنة حاليا، وبوجه خاص الحضارة العربية الإسلامية، مما يجعل استعادة هذه البوصلة في الوقت الحاضر استمرارا طبيعيا لما عشناه في الماضي. هناك عوامل غيّبت الحكمة من بلادنا كان منها تأثير الجامعات والمدارس التي أنشأتها القبيلة الأورو-أميركية، بدءا بالجامعة الأميركية في بيروت عام 1869 والتي تبعتها جامعات ومدارس أخرى. احتل محل الحكمة علومٌ هدفها السيطرة وإخضاع الطبيعة (وفق تعبير “فرانسس بيكن” أبو العلم الحديث)، كما احتلت لغة مصنعة، حروفها عربية لكن معانيها ومرجعيتها القبيلة المذكورة، محل اللغات الحية التي تستمد معانيها من الحياة.

من هنا، يشكل الشفاء من المدنية التي لم تُبْقِ شيئا في الحياة لم تخرِّبه، واستعادة حضارة كان شريانها الرئيسي هو الحكمة، البوصلة التي علينا وضع جهودنا للعيش وفقها.

شاهد أيضاً

مسرحية «يوتيرن» لا نجاة من الطوفان … إلا بالعودة إلى النقاء

كانت تباشير هزيمة النازية قد لاحت في الأفق في الوقت الذي كتب الأميركي ثورنتون وايلدر …

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five + nineteen =