الآن
الرئيسية / تحقيقات / التعليم العالي بمناطق النظام: كوادر تُهاجر.. وشهادات ببضع دولارات

التعليم العالي بمناطق النظام: كوادر تُهاجر.. وشهادات ببضع دولارات

صدى الشام- عمار الحلبي/

بعيداً عن الأزمة التي أصابت التعليم العالي في سوريا والظروف التي أثّرت في مختلف المجالات، فإن نظام الأسد وعبر سياساته ساهم بتدمير هذا القطاع بشكلٍ ممنهج، رغم أهميته الكبيرة في رفد سوق العمل بالخبراء والمختصّين.

في سوريا هناك خمس جامعات تتبع حكومة النظام وهي “حلب ودمشق والبعث وتشرين والفرات”، ولكل جامعة فرع أو فرعان في محافظات قريبة، تتبع إدارتها المركزية لوزارة التعليم العالي، غير أنّه وبعد مرور نحو ست سنوات على اندلاع الثورة في سوريا، دمّر النظام هذا القطاع، كما حال القطاعات الأخرى التي استخدمها في حربه، أو أصبحت ضحية الإهمال والقرارات الارتجالية.

حال الكوادر

بينما يحصل المدرّسون الجامعيون الأكاديميون على أفضل شروط الحياة والعمل في معظم دول العالم، بما فيها الدول العربية المُجاورة، يعاني أقرانهم في سوريا من ظروفٍ سيّئة جاءت من ناحيتين: الملاحقة والتضييق الأمني الذي فرضه النظام على المدرّسين المعارضين لنظامه ليجبرهم على ترك البلاد طالما أنهم عارضوا حكمه كما فعل مع غيرهم من السوريين، إضافةً إلى إهمال شؤون المدرّسين الذين بقوا في الجامعات السورية، ومنحهم معاشاتٍ لا تكاد تكفي لأيام، ما أثر على التحصيل الأكاديمي والبحث العلمي لهم.

في هذا الإطار، صرح وزير التعليم العالي في حكومة النظام عاطف النداف، أنّ “نسبة تسرب أعضاء الهيئة التدريسية على مستوى الجامعات تقدر بـ20 في المئة، وأنّ معظمهم غادر تحت تأثير ظروف وتداعيات الأزمة التي تشهدها البلاد”، حسب وصفه.

بدوره، ذكر رئيس جامعة دمشق محمد حسان الكردي التابع للنظام أنّ “عدد أساتذة الجامعة الذين غادروا البلاد خلال الأزمة السورية بلغ 379 من أصل 2037 أي بنسبة تسرب بلغت 19 في المائة، في جامعة دمشق وحدها”، كما ذكر.

غير أن التقديرات تشير إلى وجود أعداد أكبر من مدرّسي الجامعات السورية المتسرّبين، معظمهم هاجروا من البلاد بسبب التضييق الأمني والإهمال في الوضع المعيشي.

وتعتبر جامعة حلب من أكثر الكليات التي تأثرت خلال السنوات الماضية والتي تسرب خلالها عدد من أعضاء الهيئة التدريسية، وأكد رئيس جامعة حلب مصطفى أفيوني في تصريح له قبل أشهر، أن نقص أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة حلب وصل إلى الثلث، مقدراً العدد بـ417 أستاذاً جامعياً يعتبرون بحكم المستقيلين وغادروا القطر، وأن معظم النقص كان في الكليات الطبية “الطب البشري- طب الأسنان- الصيدلة”، إضافة إلى حالات نقص في عدد من الكليات.

هذا الوضع المتدهور لا يتوقف عند التعليم العالي كما يرى الأستاذ الجامعي نادر طفّاش، بل ينسحب الأمر على “تهاوي التعليم غير العالي كذلك، لأن الاهتمام بالعلم والعلماء لم يكن يوماً من أولويّات النظام”.

ويضيف المدرس الجامعي بجامعة إدلب الحرة، في تصريح لـ “صدى الشام”، أن “النظام لم يكن مهتمّاً بقضية الأكاديميّين من ناحية الرواتب التي يُفترض أن تجعل الأكاديمي متفرّغًا للبحث العلمي، إضافة إلى سياسة النظام القائمة على مبدأ (من ليس معنا فهو ضدنا)، وهو ما جعل الأكاديميين غير مرتاحين إطلاقاً بسبب التضييق الأمني”، ويتابع طفّاش: “أنا أذكر أن أربعة مدرّسين تمت إهانتهم أمامي من قبل عنصر أمني يبدو أنّه لم يحصل على الابتدائية، ولم يستطيعوا تحريك ساكن”.

وأوضح أنه “لا يمكن للمدرّس الجامعي أن يكون إنسانًا مرتاحاً في عمله في مناطق النظام كونه لا يلقى الاحترام في بلده”، مشيراً إلى أن “الرواتب قليلة على الرغم من زيادة 100% التي لا تكفي لباحث علمي يحتاج إلى مبالغ مفتوحة في بعض الأحيان، وهو غير مكتفٍ مادياً لإكمال تعليمه وبحثه العلمي بسبب عدم قدرته على السفر بسبب وضعه المادي”.

ولفت إلى أن النظام لم يعد لديه خبرات كافية ليدير ملف التعليم العالي، مضيفاً: “لدينا معلومات تثبت أن جامعات النظام فرغت من الكفاءات لأنه معظم المدرّسين السوريين عادوا إلى الدول التي درسوا فيها في أوروبا، وأن التعليم العالي بات اليوم ملفّاً ثانوياً بالنسبة للنظام وليس من أولوياته”.

من جهته أوضح المدرّس الجامعي جمال الشحود، أن “النظام يعتبِر التعليم سبباً رئيساً في الوعي الفكري الذي يحث على الثورة، وهو يدرك أن حربه مع المثقفين ليست كحربه مع الجهلاء لذلك لاحق المثقفين لأن رسالتهم تزرع جيلاً جديداً يؤثّر على النظام”.

وقال الشحّود لـ “صدى الشام” إن “المدرّسين عانوا من تضييق أمني ومالي ما دفعهم للهجرة دون خطّة منظمة إلى دول لا تقدّر أهمية العلماء، أما من لم يهاجر منهم فتحوّل إلى مجنّد لدى النظام”.

مزيد من التخريب

أدخلت وزارة التعليم العالي في حكومة النظام، إجراءات جديدة على بُنية التعليم ما جعل التحصيل الدراسي يتراجع بشكلٍ ملحوظ.

وقرّر النظام إدخال ما عُرف بـ “الدورة التكميلية” للشهادة الثانوية التي تُعتبر أساس دخول الجامعات، بعد أن كانت هذه الدورة غير موجودة أساساً.

وعلّق الأستاذ الجامعي نادر طفّاش على هذه النقطة قائلاً: “إن أية دولة في العالم تتصرف بشكل غير المعتاد يزيد الشك بها”، واعتبر أن إضافة دورة تكميلية بالنسبة لطلاب الشهادة الثانوية مؤخّراً يشير إلى تدنّي واضح في التعليم “لأن الدولة خرجت عن النظام المعتاد، وهذا الخروج يمثّل ظروفاً غير عادية أجبرتها على المضي بهذا النهج”، مبيّناً أن جودة الشهادة الثانوية يُعد أحد أهم المعايير للدراسة الجامعية الناجحة.

وبعيداً عن الدورة الثانية في الشهادة الثانوية، فقد عمدت وزارة التعليم العالي التابعة للنظام، إلى تكرار منح الطلاب الدورة التكميلية الإضافية الجامعية لجميع السنوات، والترفّع الإداري القائم على مساعدة الطالب على النجاح بمجّرد نجاحه في ست مواد فقط.

وكان يتم منح الدورة التكميلية في “حالات الطوارئ” والظروف غير العادية، إضافةً إلى منحها بشكلٍ دائم للطلاب المُتخرّجين فقط، لكن النظام حوّلها إلى عادة سنوية، تُقدّم بشكل متكرر تحت اسم “مكرمة من سيادة الرئيس” لكنها في الحقيقة لا تمثّل إلى مزيداً من التدمير لقطاع التعليم.

ظاهرة مستمرّة

بات بإمكان من يريد أن يشتري الشهادة التي يرغب بها من أية جامعة سوريّة وبالتخصص وبالمعدّل الذي يريده، فالأمر متاح خارج سوريا وتحديداً في تركيا، ولا يتطلّب أكثر من 200 دولار أمريكي، وهو ما زاد من وضع الشهادة السورية تدهوراً، إذ أصبحت كل شهادة صادرة من سوريا مُتّهمة بالتزوير حتّى إثبات العكس، وجعل كثير من السوريين يلجؤون إلى تزوير الشهادات والانطلاق بها للدول المجاورة والدول الأوروبية للحصول على مقعد جامعي أو وظيفة في شركة مرموقة.

وعلى الرغم من أن “طفرة التزوير” بدأت في عام 2012، إلّا أن النظام حّتى الآن لم يحرّك أي ساكناً ولم يقم بأي إجراءات من شأنها تمييز الشهادة الأصلية من المزوّرة، ما جعله مُتّهماً بشكلٍ غير مباشر في ضلوعه باستمرار الظاهرة.

يقول الأستاذ الجامعي نادر طفّاش: “نحن في جامعة إدلب ندقق الشهادة ونبحث في الملفات ونتواصل مع الأستاذ المشرف للتحقّق من صحّة الشهادات”.

وأشار إلى أنه في مناطق النظام من الممكن أن يتم تزوير الشهادات قبل أن يتم ذلك خارج مناطقه، موضحاً أن النظام قادر على كشف الشهادة بسهولة ولكنه لا يقوم بذلك ولا يُبدي موقفاً فعلياً واضحاً يمكّنه من كشف الشهادات المزوّرة والذي يمكن أن يتم بطرق كثيرة وبسيطة.

بدوره أوضح المدرّس جمال الشحّود، أن “النظام هو من أتاح وشجّع على هذا العمل، وهو يزور بالوثائق الرسمية بالأصل ويبيعها لضعاف النفوس قبل أن يتم تزويرها خارج البلاد”، حسب قوله، وأكّد أن النظام قام بحذف أصول الشهادات من موقع وزارة التعليم العالي، لمنع التحقّق من صحّة الشهادات وإتاحة فرص أكبر للمزوّرين.

تراجع واضح

على الرغم من أن مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع إخبارية أخرى تتناقل بين حين وآخر أخباراً عن “سحب الاعتراف بالشهادة السورية، إلّا أن عملية سحب الاعتراف فعلياً لم تتم، ولكن ما تم فعلاً هو أن التصنيف العالمي الذي يتم على أساسه التقييم أظهر تراجع الشهادة الجامعية السورية”.

والتصنيف المُعتمد عالمياً في تقييم الجامعات يُسمّى تصنيف “QS” وهو اختصار كلمة شركة  Quacquarelli Symonds Limited، وتتم عملية التصنيف من خلال عدّة معايير يأتي على رأسها تطوّر وأهمية القسم العملي في تلك الجامعات، إضافةً إلى الأهمية التاريخية لهذه الجامعة، وأعداد المدرّسين والطلاب.

ووفقاً لآخر تصنيف تم القيام به في عام 2015، أصبحت جامعة دمشق في المرتبة رقم 153 عربياً وسط تراجع ملحوظ لبقية الجامعات بما في ذلك جامعة حلب التي شهدت أحداثاً دموية.

ويوضّح الأستاذ الجامعي جمال الشحود، أن “الشهادة السورية الحالية أصبحت من أضعف الشهادات من حيث الاعتراف والقيمة”، معتبراً أن “النظام يسعى إلى ذلك”، وأضاف الشحّود أن الشهادة التي تمنحها المؤسّسات الثورية شارفت على الاقتراب من تصنيف الدول الراقية، مُستنداً إلى تقرير أصدرته منظمة “المقاييس الأكاديمية البريطانية” التي قارنت شهادة المؤسّسات السورية الثورية بالشهادة الجامعية البريطانية “حسب قوله، ولم تستطع “صدى الشام” التحقّق من صحّة هذا التصنيف.

تراجع الاهتمام بالطلّاب

أدّت سياسات النظام إلى إجبار عدد كبير من الطلاب على التسرّب والهروب بعد الملاحقات الأمنية والقتل والاعتقال والتضييق على الطلاب المعارضين في الجامعات.

تقول منى “اسم مستعار” وهي طالبة في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق لـ “صدى الشام”: “إن فرعاً أمنياً كبيراً يحكم الجامعات السورية يُسمى الاتحاد الوطني لطلبة سوريا”، وتضيف: “لا نستطيع التعبير عن رأينا الشخصي ولا النقاش في أي موضوع حسّاس لأن المخبرين ينخرون الكلّيات ويعيشون بيننا”.

من جهته أوضح محمد وهو طالب في كلية الإعلام بجامعة دمشق، أنه “تم استبدال الأطباء المتخصّصين بمعيدين لا يعرفون شيئاً عن الإعلام جاؤوا من التلفزيون السوري والقنوات المحلّية لينقلوا تجاربهم الفاشلة للطلاب”، وأشار إلى أن الاستديو التعليمي الوحيد الذي تم منحه لطلاب الإعلام استحوذت عليه القناة الإخبارية السورية وجعلت مقرّها داخل الجامعة ما بدّد حلم الطلاب بالتعلّم والتدريب.

شاهد أيضاً

“القانون 10” نسخة لسرقة إسرائيل أملاك الفلسطينيين

ما تزال أصداء “القانون” الذي أصدره نظام الأسد تحت مسمى “المرسوم التشريعي رقم 10 لعام …

الطفل حسن دياب - انترنت

مجزرة الكيماوي: روسيا تكذب في لاهاي وتحتجز “الشهود” في دمشق

وفق ما جرت العادة في أروقة المجتمع الدولي خفت الصوت المنادي بعقاب المجرم بشار الأسد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fourteen + 5 =