الآن
الرئيسية / اقتصاد / أسعار مرتفعة وجودة منخفضة .. واقع الألبسة في إدلب يضيّق خيارات الأهالي
محل لبيع الألبسة في إدلب /تصوير : عامر السيد علي

أسعار مرتفعة وجودة منخفضة .. واقع الألبسة في إدلب يضيّق خيارات الأهالي

صدى الشام _ حسام الجبلاوي /

“أن تشتري كسوة شتوية جديدة لثلاثة أطفال في إدلب يعني أن تدفع راتبك الشهري كاملاً” يشرح أبو خالد البنشي ما وصلت إليه أسعار الألبسة في المناطق المحررة، والتي جعلت الناس يتعاطون معها بوصفها “كماليات”.

خلال السنوات السابقة تميّزت الملبوسات الوطنية السورية بجودتها وانخفاض أسعارها، وملاءمتها لمستوى الدخل، إلا أنّ هذا الحال تغيّر لأسباب عديدة أبرزها انخفاض سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، وتراجع عجلة الاقتصاد، وتوقف معظم المعامل عن الانتاج بسبب المعارك وقصف قوات النظام.

بقيمة راتب

وفي جولة سريعة على أسواق مدينة إدلب نجد أصنافاً مختلفة للألبسة منها الوطني والتركي الجديد، فيما تحتلّ الألبسة المستعملة (البالة) الجزء الأكبر من السوق نظراً لرخص أسعارها مقارنة بغيرها.

وتتراوح أسعار المنتَج “الوطني” الذي يأتي من المناطق الخاضعة للنظام بين 4000 إلى 5000  بالنسبة لبنطال ولادي، بينما يرتفع سعره في النسائي والرجالي ليصل إلى قرابة 7000 للواحد.

أما الزيادة الكبيرة الملاحظة فكانت في أسعار العباءات النسائية والمعاطف (المانطوات) التي تصل في المحلات إلى 15000 وبعضها يتخطى 20 ألف ليرة.

وتقترب أسعار الألبسة المستوردة (وغالبيتها من تركيا) من المنتج الوطني، وبعضها يزيد قليلاً، إلا أنّ أعدادها تناقصت كثيراً في الآونة الأخيرة بعد إيقاف الاستيراد من معبر باب الهوى.

هذه الأسعار التي تبدو للوهلة الأولى “خيالية” بالنظر إلى متوسط دخل الفرد في المحافظة يجد التجّار ما يفسر ويبرر واقعها، “فالملابس والمنسوجات ارتبطت منذ بداية الثورة بالدولار، وذلك لكون معظم منتتجاتها مستوردة”، وفقاً لتاجر الألبسة في مدينة إدلب أحمد سيد عيسى. ويضيف: “أيضاً للتجار دور في ارتفاع الأسعار أحياناً من خلال استغلال قلة المعروض من الألبسة الجديدة محلياً، واحتكارها في أوقات المناسبات مثل الأعياد وموسم المدارس”.

لا إنتاج في إدلب

وحول آلية الانتاج في محافظة إدلب ومدى قدرتها على تأمين حاجاتها من الملابس والاستغناء عن الاستيراد أوضح سيد عيسى، الذي يعمل في هذا المجال منذ سنوات، أنّ محافظة ادلب تفتقر منذ ما قبل الثورة للمصانع، حيث يتركز معظم إنتاج سوريا في حلب ودمشق، ومن هذه الأسواق كانت تحصل المحافظة على احتياجاتها. وبسبب خضوع هاتين المدينتين للنظام فإن التجار يدفعون مبالغ إضافية كبيرة لنقلها عبر الحواجز إلى مناطق سيطرة المعارضة ما يرفع من أسعارها.

“ستظل إدلب تعتمد على الاستيراد لسنوات مقبلة” يؤكد التاجر ذلك، مضيفاً في تصريحه لـ “صدى الشام” أن :” الكثافة السكانية الكبيرة في إدلب جعلت الحاجة تزاداد، ورغم ارتفاع الأسعار هناك اقبال جيد على الملابس الجديدة رغم رداءة أنواع بعضها لاسيما الوطني”.

في السياق ذاته تحدثت أم علاء، وهي أحد سكان بلدة إحسم، عن التكاليف المادية الكبيرة والتي أجبرتها بحسب قولها على اختصار العديد من الحاجيات الضرورية أثناء تجهيز ملابس ابنها العريس، وتضيف: “اضطرينا بسبب الأسعار الباهظة لشراء الأساسيات فقط ومن نوع واحد. لقد شكلت هذه الأسعار صدمة كبيرة لنا، ولولا أن ولدي عريس لكنت لجأت لشراء البالة المستعملة”.

من جهة أخرى يشتكي الناس من رداءة بعض أنواع الألبسة الجديدة رغم ثمنها المرتفع، ويقول علي ابراهيم (أحد سكان مدينة كفرنبل) لـ “صدى الشام”، إن عيوباً ظهرت في بعض أنواع الألبسة التي اشتراها مؤخراً، مضيفاً أن”أحد القمصان وبعد الغسيل الأول تغير لونه وبدأت خيوطه تنسّل بسرعة” مع أنه لم يستعمله أكثر من شهر واحد، ودفع ثمنه خمسة آلاف ليرة سورية.

وفي تفسير لهذه الشكاوي يقول الخياط ابراهيم يونس، إن “ضعف الرقابة على المنتجات وزيادة جشع المصنعين جعل هذا الأمر رائجاً وهو “ما زاد الإقبال مؤخرا على محلات الخياطة”.

الخيار المفضل

مقابل الزيادة الكبيرة في أسعار الملابس انتشرت أسواق الملابس المستعملة (البالة) في كافة أنحاء المحافظة، ويعتبر سوق سرمدا المحطة الأساسية التي ترفد باقي الأسواق الأخرى بهذه الملابس بعد وصولها من الطرف التركي.

وتتميز هذه الملابس بأسعارها المنخفضة، وجودة بعض أصنافها، وفي هذا السياق يقول أبو أحمد، وهو تاجر يعمل في هذا المجال منذ أكثر من 10 سنوات :” سابقا كان للبالة زبائن مخصصون من كافة أطياف المجتمع فالبالة ليست كما يعتقد البعض أنها مهترئة بل على العكس تماماً، فهي تحتوي على أفضل أنواع الملابس، ومن صناعة أفضل الشركات والماركات، وأغلب القطع فيها استخدمت عدة مرات أو لم تستخدم أبداً ، لذلك كان للبالة زبائنها، أما الآن وفي ظل هذه الأوضاع الصعبة التي يعيشها السوريون أصبحت البالة طوق نجاة من أسواق الألبسة الجديدة التي باتت تعيش على وقع غلاء الأسعار وقلة البضائع”.

وحول آلية وصولها إلى الأسواق السورية وأسعارها يشرح أبو أحمد “تأتي البالة من محلات الجملة التي تقع أغلبها في المناطق الحدودية كـ سرمدا أو الدانا حيث يستورد التاجر البضائع من الشركات الأوروبية المختصة، وتُشحن إلى ميناء مرسين في تركيا، ويتم إدخالها إلى الأراضي السورية عن طريق معبر باب الهوى، بعد فرض ضرائب جمركية عليها، ويتراوح سعر الكيس الواحد (50كغ) بين 100$ و250$”.

بعد ذلك يشتري التجار هذه الألبسة من المستوردين بالكيلو، ويتم تقسيم هذه الملابس إلى قسمين؛ تلك الموجودة في المحالّ، ويتراوح سعر القطعة فيها بين 500 و3000 ليرة. أما النوع الثاني فيسمّى بالة البسطات، وتنتشر على عرباتٍ خشبيةٍ وتتنقل في الأسواق (البازار)، كسوق الأربعاء أو الجمعة، وتتراوح أسعارها بين 50 إلى 100 ليرة للقطعة، ولكن جودتها تقلّ عن تلك التي توجد في المحالّ. وتشتهر مدينة إدلب بسوق الأربعاء الذي يناسب كافة المستويات المعيشية، والذي يحوي ما يحتاجه المواطن من أحذيةٍ وقماشٍ وحتى ألعاب الأطفال.

تقول أم فراس، وهي واحدة ممن يشترون هذا النوع من الملابس إنّ هذه الأسواق وفرت لها حاجاتها قياساً بدخلها. ومن خلال مثال بسيط توضح أم فراس أنّ جاكيت شتوي لابنها الصغير اشترته قبل أيام من أحد المحلات التجارية بمبلغ لايتجاوز 500 ليرة فيما لايقل ثمن الجديد منه عن 4000 ألفاً وهو فارق كبير بنظرها.

وعن جودة هذه البضائع وملاءمتها لجميع الأصناف والطبقات تؤكد أم فراس أنّ هناك أصنافاً متعددة منها الرديء ومنها الجيد، والسبب في ذلك أن التجار يشترون هذه البضائع مغلّفة ولايتاح لهم فرصة فرزها ولذلك فإن “الشراء من البالة يحتاج لمجهود وبحث كبير لانتقاء ما هو مناسب بجودة عالية وسعر مقبول”.

يشار أخيراً إلى أن بعض الحملات الشعبية لجمعيات ومتطوعين ساهمت مؤخراً بانتشار فكرة البالة المحلية من خلال جمع الملابس المستعملة محلياً وتوزيعها على النازحين لاسيما مع قدوم فصل الشتاء، وكان لهذه المبادرات دور كبير في تأمين حاجة الفقراء والذين يعجز بعضهم حتى عن شراء الملابس الأوربية المستعملة.

شاهد أيضاً

ارتفاع الأسعار وغياب الدعم يؤخران إعادة البناء في الرقة

تعاني مدينة الرقة بشكل مستمر من بطئ إعادة البناء نتيجة العديد من العوامل أهمها الفقر …

مصادر موالية: شركات خليجية تسعى لاستئناف الاستثمار في مناطق سيطرة الأسد

تحدّثت وسائل إعلام موالية للنظام السوري، عن وجود “اجتماع لشركات خليجية مع موظفين في وزارة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twelve + nineteen =