الآن
الرئيسية / ثقافة / أصدقاء لغتنا: سربكو لشتاريتش

أصدقاء لغتنا: سربكو لشتاريتش

العربي الجديد/

تقف هذه الزاوية عند مترجمي الأدب العربي إلى اللغات العالمية المختلفة، ما هي مشاغلهم وأسئلتهم وحكاية صداقتهم مع اللغة العربية. هنا وقفة مع المترجم الصربي سربكو لشتاريتش حول تجربته مع الثقافة العربية وترجمة أدبها المعاصر وحكاياتها الشعبية إلى لغته الأم.

■ متى وكيف بدأت علاقتك باللغة العربية؟
– ربما في صباي، عندما قرأت حكايات “ألف ليلة وليلة”، ومن ثم باستماعي لكلام وأحاديث الطلاب العرب في شوارع بلغراد. لكن لم أر حرفاً عربياً إلا في سن التاسعة عشرة، حينما بدأت الدراسة في قسم الاستشراق بكلية اللغات والآداب في بلغراد.

■ ما أول كتاب ترجمته وكيف جرى تلقيه؟
– كان أول كتبي “مختارات من الحكايات الشعبية العربية” (Antologija arapske narodne priče) الذي نشر عام 1994. والكتاب يضمّ عدداً من الحكايات، جمعها المستشرق إنو ليتمان في القدس عام 1899، وقام بإصدارها باللغة العربية في لايدن عام 1905، لتكون تجميعاً نادراً لـ”حواديت” مسجّلة باللهجة المحليّة، كان أغلبها قد أصبح في حكم المنسي. تأخر ليتمان في ترجمة المجموعة إلى اللغة الألمانية حتى سنة 1935، فغطّاها النسيان من جديد برغم مستواها العالي، من حيث أصالة المحتوى وأسلوب السرد وفكرة تدوين اللهجة المحلية العاميّة.
ما إن عثرت على هذا الكتاب في منتصف الثمانينيات، حتى بادرت إلى ترجمته إلى الصربية، ليصبح أول حالة نَقلٍ للتراث الشفهي العربي إلى لغتنا، وضمّ الكتاب إلى جانب الترجمة النصّ العربي الكامل لإحدى الحكايات. لم يكن بين المستشرقين اليوغسلاف آنذاك من يجيد تلك اللهجة، فأدخل الكتاب وقت صدوره ممثلي “الاستشراق الرسمي” في حيرة، ولم أتلق أي صدىً أو تفاعل مع الإصدار، سوى من أحد برامج “إذاعة يوغسلافيا” الناطقة بالعربية، التي أجرت معي حواراً بشأنه. أما التعقيب النقدي فلم يأت إلا بعد مرور عشرة أعوام على صدور الكتاب.
صدرت لي في الفترة نفسها بعد سنوات قليلة، مجموعة ثانية تهتمّ أيضاً بالتراث الشعبي عنوانها “بنت الصيّاد” (Ribareva kći) سنة 1998، ضمّت مجموعة من “السوالف” الشعبية العراقية، جمعتها بنفسي، وبقيت هي الأخرى بلا صدى نقدي في الأوساط العلمية لمدة ست سنوات تلت. أما كتب الأدب العربي المعاصر التي ترجمتها، كالروايات والمجموعات القصصية القصيرة، ابتداء من 1999، فقد حظيت فوراً باهتمام وسائل الإعلام والمستشرقين على حد سواء.


أكافح باستمرار كي أكتسب معرفة شاملة بالثقافة العربية

■ ما آخر إصداراتك المترجمة من العربية وما هو إصدارك القادم؟
– آخر كتبي المترجمة صدر في عام 2016، تحت عنوان “جريمة محترمة جداً” ويضم بين دفتيه مجموعة من القصص القصيرة للكاتب الراحل عبد الستار ناصر (1947-2013)، كتبها بعد هجرته من العراق. وكتابي القادم، أي الذي أعمل على ترجمته حالياً، هو الثنائية الروائية “بندرشاه/ ضَوْ البيت” و”بندرشاه/ مريود” للروائي السوداني الطيب صالح، بعد أن ترجمتُ سابقاً “عرس الزين” و”موسم الهجرة إلى الشمال”. بالإضافة إلى ذلك، لديّ كتابان مهمّان تحت الطباعة سيصدران قبل نهاية هذه السنة، أوّلهما “ديوان التفتاف أو حكايات بغداديات”، وهو من جمع الأب أنستاس ماري الكرملي، وثانيهما دراسة علمية في أكثر من 300 صفحة، عن أغاني المهد الشعبية العراقية (أغاني تنويم الأطفال)، مع ترجمة 150 ترنيمة وكامل نصوصها الأصلية والنوتات الموسيقية.

■ ما العقبات التي تواجهك كمترجم من اللغة العربية؟
– أكافح كفاحاً مستمراً في سبيل أن تصبح لدي معرفة شاملة بالثقافة العربية، ومعرفة دقائق لغتها، الفصحى ومختلف لهجاتها الدارجة. ولدي بالإضافة إلى ذلك جوع مستمر لترجمة أفضل الأعمال الأدبية العربية، التي لن تجد من يترجمها إلى الصربية لقلة عدد الزملاء. معظم هذه الرغبات أراها تصبح صعبة المنال، لضيق الوقت وتقلّصه سنة بعد سنة.
كما أنني أحرص على الاستقلال التام في اختيار ما أترجمه، إذ لم يسبق لي أن أقدمت مرة على ترجمة نص أدبي، بناء على طلب من إحدى دور النشر. وعلى الرغم من هذا الاستقلال أجد في المقابل سهولة في نشر ما أنتجه من ترجمات، ومردّ ذلك اهتمام الناشرين وجمهور القرّاء بالأدب العربي، وهو اهتمام ثابت وكبير نسبياً.

■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظر إلى هذا الأمر وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟
– أنا شخصياً أكتفي بإسناد كل عمل أدبي أترجمه، بجهاز نقدي متكامل ومستفيض، وهذا سبيلي لتجاوز هذه الحالة. أما في ما يخص ترجمة الأعمال التي تتناول قضايا فكرية سواء في الفلسفة أو علم الاجتماع أو السياسة أو الدين، وحتى الدراسات اللغوية – وبعضها ثمين جداً – فأتركها لغيري، فلا أحد يقدر على تغطية كل المجالات.


على المترجم أن يظل حرّاً في اختيار ما يريد ترجمته

■ هل هناك تعاون بينك وبين مؤسسات في العالم العربي أو بين أفراد وما شكل التعاون الذي تتطلع إليه؟
– أنا أقوم بدوري كمترجم مستقل، ولا أطلب في المقابل شيئاً. لكن هذا لا يعني أنني لست مستعداً للتعاون مع مؤسسات ثقافية عربية، بل بالعكس. وشكل التعاون الذي أرغب فيه، هو تزويدي بنصوص نادرة من الحكايات العامّية، المدوّنة حسب الأصول العلمية لترجمتها، أو دعوتي إلى بلد عربي لأجمع المادة التراثية بطريقة العمل الميداني، أو لكي ألقي محاضرة في أهمية الحفاظ على الموروث الشعبي، أو أتحدث عن تجربتي في الترجمة.
لم يسبق أن اتصلت بي أية مؤسسة ثقافية عربية، رغم عدد كتبي المترجمة وأهميّة مؤلفيها. أما في ما يخصّ الأفراد، فقد أقمت علاقات صداقة مع عدد من الأدباء العرب، أذكر منهم: زكريا تامر، وسلوى بكر، وعبد الستار ناصر، والطيب صالح، وفخري قعوار، وإبراهيم مهوي على سبيل المثال لا الحصر.
زكريا تامر مثلاً، كان يبعث إلي منذ سنين بإصداراته الجديدة عبر البريد الإلكتروني حالما يكملها، حتى قبل أن ينشرها بالعربية، فأكمل ترجمتها وأنشرها بشكل متزامن مع طبعتها العربية.

■ ما هي المزايا الأساسية للأدب العربي ولماذا من المهم أن يصل إلى العالم؟
– ربما تكمن ميزته في قيمته الأدبية، وخصوصيته الثقافية، وفيهما ما يجعل وصول الأدب العربي للعالم أمراً مهمّاً. لكن الأهم هو صعوبة وصوله إلى العالم، فهو إن وجد من يقوم بترجمته إلى اللغات ذات الجمهور الواسع والكبير، يصطدم بصعوبة نشره في سوق الكتاب في هذه البلدان، وجعله مرئياً وسط الكم الكبير من الكتب المنشورة فيها.
من جهة أخرى، وفي البلدان التي فيها لغات عدد متحدثيها قليل نسبياً، وذات سوق كتاب محدودة، كما هو الحال في دول البلقان مثلاً، لا نجد صعوبة في نشر ترجمات الأدب العربي، ولكن هذه الأسواق لا يمكن أن تبلع وتهضم إلا أعداداً قليلة من النسخ. لذا يتعين على الدول العربية الغنية، والأفراد الأثرياء في العالم العربي، تشجيع المترجمين الأجانب، وتمويل عملهم، وتوفير جوائز تشجّعهم على الاستمرار، وهذا كله لا يتطلب مبالغ كبيرة. مع ضرورة التأكيد في الوقت ذاته، على أن يظل المترجمون أحراراً في اختيار ما يترجمون.

بطاقة: ولد سربكو لشتاريتش عام 1949 في محافطة “فاليفو” في صربيا التي كانت جزءاً من يوغسلافيا آنذاك. درس اللغة العربية وتخرّج من قسم الاستشراق في جامعة بلغراد. ثم سافر بعدها إلى اليابان حيث درس اليابانية وبدأ يترجم منها إلى اللغة الصربية، قبل أن يذهب في رحلة إلى بلاد شام ويتجوّل فيها بطريقة “الأوتو-ستوب” ومشياً على الأقدام. أمضى سنة في حلب بهدف ممارسة اللغة ومعايشة الثقافة العربية، حيث استقر اهتمامه الترجمي فيها وفي أدبها.
ترجم لشتاريتش إلى اللغة الصربية روايات ومجموعات قصصية لكتّاب عرب معاصرين كـنجيب محفوظ الذي ترجم له “أولاد حارتنا” (2013)، والطيب صالح الذي ترجم له “عرس الزين” (2016) و”موسم الهجرة إلى الشمال” (2005)، إلى جانب أعمال لكل من: سلوى بكر وعبد الستار ناصر وإميل حبيبي وسليمان فياض وغيرهم. كما ترجم من الأدب الكلاسيكي كتاب “الروض العاطر في نزهة الخاطر” للشيخ النفزاوي.
ومن بين الكتّاب العرب المعاصرين، يأخذ القاصّ السوري زكريا تامر حصة الأسد من ترجمات سربكو لشتاريتش. فمن بين الـ 30 عملاً نجد ثمانية منها ترجمات لمجموعات تامر القصصية: “سنضحك” (2000)، و”لماذا سكت النهر” (2002)، و”الحصرم” (2004)، و”تكسير ركب” (2006)، و”نداء نوح” (2006)، و”القنفذ” (2008)، و”دمشق الحرائق” (2014) و”نصيحة مهملة” (2014).

شاهد أيضاً

أمسية أردنية تجمع الموسيقى البدوية مع العصرية

لم يكن مشهد المزج بين الماضي والحاضر مألوفاً في أمسية فنية جمعت بين البداوة القديمة …

كسور الجسد

تلخّص مفردتا “الإقناع” و”الإكراه” أشكال العلاقة بين الحاكم والمحكوم في العالم، منذ أن بدأت السلطة حتى يومنا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × four =