الآن
الرئيسية / ثقافة / تعفيس الكتب

تعفيس الكتب

العربي الجديد/

يعرض كتّابٌ، وقرّاءٌ، ومقتنو كتب سوريون صوراً لـ مكتباتهم المدمّرة، في وسائل التواصل الاجتماعي، منذ أن نشبت المعارك والحروب وتداول السيطرة على المناطق بين النظام والفصائل المسلحة، مرفقة بتعليقات تتحدّث عن همجية الآخر. ثمة من يقدّم الصورة كي يرثي بها ما كان ذات يوم مكاناً حافلاً بالمعرفة، والحكايات. ولا ينتمي أصحاب المكتبات إلى المعارضة وحدها، بل ثمة كتّاب من جهتَي الحرب، ومن طرفي المعارضة والموالاة، تعرّضت مكتباتهم للتدمير. فالمقاتل الذي يقتحم البيت المهجور لا يريد أن يأخذ الكتب، بل الثلاجة أو الغسالة أو الخزانة أو المال أو الأحذية والشراشف.
وفي الصور، ترى الكتب مرمية في جميع أرجاء البيت، وقد عُفست بالأقدام. وفي الغالب فإنك لا تقرأ عن المكتبة التي أحرقت. فالحريق يخفي أثرها تماماً، ولا معنى للصورة بعدئذ. غير أن في الأمر ريبة، إذ يبدو أن من اقتحم المنزل يريد أن يترك وراءه هذا الأثر عامداً. كلهم يذكرون أن مكتباتهم دُمرت ومزقت ورُميت إلى الأرض.

ما مغزى ذلك؟ عشرات من الكتّاب والقرّاء ومقتني الكتب السوريين، رأوا مصائر مكتباتهم بأعينهم. ثمة من عاد إلى بيته بعد غياب سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، فلم يجد أي شيء عدا الكتب المبعثرة التي رموها في كل مكان من المنازل المنهوبة. ثمة من يتحدّث عن حمّى العبث، في حين أن المصير المأساوي للكتب عامة هو تعرّضها لهوس مشعلي الحرائق. وفي كل الأحوال، فإن ناهبي البيوت لا يشغلهم أي فضول لتصفّح رواية أو كتاب في تربية الأشجار، فهذا وقت النهب (يسميه السوريون: التعفيش) لا وقت المعرفة.
يخبرنا التاريخ أن ماء نهر دجلة قد اسودّ حين رمى المغول فيه مكتبات بغداد. ونحن هنا أمام أمرين غريبين: الأول هو جرأة الغزاة على الكتب، والثاني هو كثرة الكتب لدى المغلوبين. إذ لا بدّ أن تكون بغداد آنئذ خزانة كتب كي تستطيع أن تلوّن مياه نهر ضخم جار مثل دجلة. وهناك من يقول من المؤرّخين أن المغول بنوا إسطبلات الخيول وطوالات المعالف بكتب العلماء عوضاً عن اللبن. والصورة هنا شديدة الغرابة، فإذا كان فعل البناء يتطلب الرغبة في البقاء والحماية والخلود، فإن إغراق الكتب، أو إحراقها، أو تخريب أغراضها عبث يظهر رغبة في المحو والقضاء على ذاكرة المغلوب.
هل يمكن للكاتب/ القارئ السوري المنكوب أن يتذكّر ما كان لديه؟ أم أن “حمّى العبث” ستكون قد وصلت إلى ذاكرته؟ تخلو صور السوريّين عن المكتبات المدمّرة من الكائن. لا يريد صاحب المكتبة أن يظهر في الصورة، بل ينقل لنا ذاكرة المكان وحدها. وفي الغالب، فإن معظم صور الدمار السورية التي تصلنا تخلو من البشر، لا لأنهم موجودون خلف آلة التصوير وحسب. بل لأنهم لا يريدون أن يضيفوا وجودهم الحي إلى صور الحطام. ولهذا فإن بعض هذه الصور، يكتفي بالقول. كأنما هو خبر يروي مرور الدمار، تاركاً لنا حرية أن نحوّل الصورة إلى مشاعر.

شاهد أيضاً

مسرحية «يوتيرن» لا نجاة من الطوفان … إلا بالعودة إلى النقاء

كانت تباشير هزيمة النازية قد لاحت في الأفق في الوقت الذي كتب الأميركي ثورنتون وايلدر …

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

four − two =