الآن
الرئيسية / تحقيقات / الموافقات الأمنية.. قبضة النظام الحديدية على السورييّن

الموافقات الأمنية.. قبضة النظام الحديدية على السورييّن

صدى الشام- عمار الحلبي/

لم يترك نظام الأسد جانباً من حياة السوريين وتفاصيلها إلّا وتدخّل فيه، سواء عبر الرقابة الأمنية المباشرة، أو من خلال نشر مخبريه في كل شارع ومؤسّسة.

ولعلّ من أكثر الوسائل التي ساعدت النظام على فرض “حضوره” وسطوته هي تلك الورقة الرسمية المعروفة باسم “الموافقة الأمنية”، والتي لا يُمكن التحرّك بدونها، فإذا أردت أن تفتح مشروعاً صغيراً أو مجرّد “بسطة” فأنت بحاجةٍ إليها، وإذا رغبت بإقامة حفل زفافٍ فلا بد من الحصول عليها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى استئجار منزل أو تحصيل فرصة عمل، الأمر سيان في أحوال عدة والورقة ككلمة السر التي لا بد منها لاتخاذ أية خطوة صغيرة كانت أم كبيرة.

 

“إصلاحات”

بعد أن أغرق الأسد الأب سوريا بالموافقات الأمنية، حتى باتت تدخل في كل جزئيات حياتهم، حاول “الابن” أن يعطي انطباعاً حضارياً مع بداية حكمه ضمن حملة دعائية لم تكن خافية على أحد، وعلى هذا الأساس حاول الإيحاء بتخفيف القبضة الأمنية على السوريين.

في عام 2005، أصدر بشار الأسد قراراً يقضي بإلغاء الموافقة الأمنية عن 67 جانباً من حياة السوريين، حينها “احتفلت” الصحافة الرسمية بهذا القرار الذي شمل عدّة مجالات لها علاقة بالتثبيت الوظيفي والنقل والإعادة إلى العمل والحصول على إجازات الاستيداع وقبول الطلاب في المعاهد المتوسّطة ومدارس التمريض وغيرها.

غير أن النسبة الأكبر من هذه الحالات بقيت التغييرات فيها حبراً على ورق، واستمرَّ العمل بهذه الموافقات بشكلٍ غير رسمي.

 

بالجملة

لم يختلف حال البلاد مع اندلاع الثورة، إذ أن نظام الأسد ألغى مع بداية الاحتجاجات قانون الطوارئ المعمول به منذ 40 عاماً، وأقرّ بدلاً منه قانون “مكافحة الإرهاب” الذي وصفه حقوقيون بأنه أكثر شراسة من سلفه، وأنه يزيد من شدة القبضة الأمنية للنظام على حياة السوريين من جهة، ويؤدّي لتراجع الحريات العامة أكثر ممّا كان عليه الوضع من جهةٍ أخرى.

ووفقاً للبيانات المنشورة في صحف النظام الرسمية، والتي قمنا بمراجعة شاملة لها، فقد تبيّن أن الأسد لجأ منذ بدء الاحتجاجات ضد نظامه لاتخاذ عدد من الخطوات القمعية، من بينها فرض المزيد من الموافقات الأمنية، وشملَ ذلك ضرورة حصول الموظّفين على موافقة أمنية ليتمكّنوا من السفر خارج البلاد، والأمر ذاته فُرض على العديد من الكوادر من ضمنها رؤساء الجامعات والمدرّسون الجامعيون.

ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم لم يتغير الكثير سوى المزيد من التضييق على الناس،

ورغم تعطل عمل العديد من القطاعات الإدارة والإنتاجية في البلاد وبقائها دون علاج أو متابعة فإن اهتمام النظام بالجانب الأمني لم يتراجع، ليظلّ مركز اهتمامه ومحوره.

وكان لافتاً مؤخراً أن موضوع الموافقات لم يعد يتوقّف على موظّفي القطاع العام وإنّما طال من هم خارج الملاك الحكومي أيضاً، حيث فرض النظام الأسبوع الماضي ضرورة الحصول على موافقة أمنية، حسبما نقلت وسائل إعلام موالية عن نقيب المحاميين التابع لحكومة النظام “نزار سكيف”.

وكان النظام فرض كذلك موافقةً أمنية على استئجار المنازل في المناطق التي يسيطر عليها داخل المدن، وتتضمّن حصول المواطن على ورقة (لا حكم عليه)، وتقديم معلوماته الشخصية وتفاصيل عن حياته وسبب رغبته في استئجار المنزل والنشاطات التي يقوم بها داخله.

وتُعدّ هذه الموافقة هي الأصعب في حياة السوريين بعد الثورة، على ما يوضّح أحد أصحاب المكاتب العقارية بمدينة جرمانا قرب العاصمة دمشق، يقول صاحب المكتب، الذي رفض الكشف عن هويته، لـ صدى الشام: “إن سبب صعوبة هذه الموافقة يتمثّل بالحاجة الكبيرة لها، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية هناك صعوبة تحصيل أوراقها المعقّدة والمدّة الطويلة بانتظار الحصول عليها لاستكمال عقد إيجار المنزل”، وشرح صاحب المكتب أنه خسر عدداً كبيراً من معاملات الإيجار بسبب فشل المستأجر في الحصول عليها، لافتاً إلى أن هناك الكثير من الأشخاص تم رفض طلبهم أكثر من مرّة، ما اضطرهم في نهاية المطاف للبحث عن سكنٍ عند أحد أقاربهم.

ويُضاف إلى كلِّ ذلك، مجموعة الموافقات الأمنية الخاصة بإقامة النشاطات والفعاليات والملتقيات الشعرية والحفلات والتجمّعات في المقاهي وحتى عرض مباريات كرة القدم في الأماكن العامة، وهو ما شكّل عائقاً يشلّ تحركات السوريين على مختلف المستويات.

 

 

غير مضمونة

على الرغم من كثرة الموافقات المطلوبة إلّا أن السوريين مضطرون للمضي فيها لتسيير أمورهم، لكن حتّى لو فعلوا ذلك فإن النتيجة ليست مضمونة، وفي أحيان كثيرة قد يأتي الرد بالرفض.

مرام، وهي طالبة جامعية سورية جاءت من مدينة حماة للدراسة بجامعة دمشق، تقول لـ صدى الشام: “حاولت استئجار منزل عدّة مرات لكن طلب الموافقة الأمنية قُوبل بالرفض”، وأضافت أن مدّة الانتظار تعدت الشهرين خلال ثلاث مرات”، مشيرةً إلى أنها اضطرت في نهاية المطاف للسكن مع عائلة مقيمة في دمشق القديمة ودفع الإيجار لهم.

وتابعت: “استضافتني العائلة وأعطتني غرفة مقابل 30 ألف ليرة شهرياً، ولاحقاً اتضح لي أن الموافقة الأمنية لاستئجار المنزل غالباً ما تقابل بالرفض إذا كان الشخص ينحدر من منطقة شهدت مظاهرات واحتجاجات سابقاً”.

الوضع ذاته واجهه حسام الذي يعمل موظفاً في أحد البنوك الخاصة، لكنه تمكّن من الالتفاف على الموضوع، يقول حسام إنه بعد رفض موافقته، اضطر للاعتماد على التقدّم للحصول عليها مرّة أخرى عن طريق أحد أصدقائه الذين يحملون بطاقةً حزبية فحصل عليها.

أما “أبو زهر” فقد جاء طلبه مع الرفض، بعد أن كان يسعى للحصول على موافقة أمنية لفتح كشك في حي الميدان بدمشق، يقول لـ صدى الشام: “أردت شراء الكشك بمبلغ مليوني ليرة، وبعد أن دفعت الرعبون فوجئت برفض طلب الموافقة الأمنية الخاصة به بحجّة عدم استيفائه للشروط”، ورغم التقدّم مرّة أخرى بالطلب ذاته فقد كانت النتيجة نفسها وللسبب ذاته.

لا يتوقّف الأمر هنا، فبحسب شهادات حصلت عليها “صدى الشام” من مواطنين في دمشق، فإن فعاليات الشعر والأدب والحفلات في الأماكن العامة وحتى فعاليات المجتمع المدني أو تلك التي يسميها النظام “المجتمع الأهلي” جميعها كانت محكومة بالموافقة الأمنية.

يقدّر حمزة، وهو معقّب معاملات يعيش في مناطق النظام، نسبة الموافقات الأمنية التي يتم رفضها بأكثر من 60% من مجمل الطلبات، في حين يتم قبول حوالي 40% من الطلبات الأخرى.

يقول حمزة لـ صدى الشام أن الموافقات الأمنية “تم فرضها أساساً لتقييد حركة المدنيين داخل مناطق النظام، والرقابة على المدنيين الآخرين الذين يتم قبول طلبات الموافقة الخاصة بهم”.

ويشرح أن التقييد الأكبر داخل العاصمة دمشق لاستخراج الموافقات يستهدف النازحين الذي لا ينحدرون من العاصمة، ويتم تدقيق نشاطاتهم بشكلٍ كبير.

 

 

رشوة

المعقّب حمزة، الذي عمل على مساعدة مواطنين لاستخراج الأوراق الخاصة بالموافقة الأمنية، أضاف أن مقابلة معظم الأوراق بالرفض فتح باباً كبيراً أمام عناصر أمن النظام، وسماسرة آخرين لتحويلها إلى مصدر رزق عبر حصولهم على الرشى مقابل تأمين الموافقة الأمنية.

وأوضح أنه شهد عدداً كبيراً من حالات دفع رشاوٍ للحصول على موافقات أمنية.

أبو عدنان، كما فضّل أن ندعوه، تحدّث لـ صدى الشام عن تجربته مع الموافقة الأمنية ودفع الرشاوي للحصول عليها. يقول “رُفض طلبي لاستئجار منزل عدّة مرات، ولم أتمكّن من الحصول على الموافقة الأمنية”.

ويضيف أنه وجد منزلاً للإيجار في منطقة صحنايا، وكان مضطراً لاستئجاره بغية إيواء عائلته” وتابع أنه بعد رفض طلبه وعدم قدرته على تأمين مكان بديل لعائلته لإيوائها، أخبره صديقه بوجود سمسار لديه “معارف” في الأفرع الأمنية وقادر على تأمين موافقة أمنية مضمونة له.

ويشير إلى أنه دفع مبلغ 60 ألف ليرة للسمسار مقابل تأمين الموافقة، لافتاً إلى أنه حصل عليها بعد 5 أيام فقط وتمكّن من استئجار المنزل.

وأردف أنه لاحظ توجه عدد كبير من السوريين إلى السمسار ذاته وغيره من السماسرة الذين يتقاسمون الأموال مع عناصر الأفرع الأمنية لتسهيل منح الموافقة الأمنية.

 

 تشديد القبضة الأمنية

يعتبر أحد المحامين المقيمين في مناطق النظام، أن هذه الموافقات على الرغم من أنها باتت كثيرة خلال الفترة الماضية إلّا أنها لم تكن جديدة على السوريين.

وقال المحامي، الذي رفض الكشف عن هويته لـ صدى الشام “إن سوريا تعيش ما يشبه حالة الطوارئ منذ عشرات السنين، وإن النظام ليس بحاجةٍ إلى قانون مكافحة الإرهاب أو غيره من المسمّيات لإعطاء غطاء قانوني لزيادة الرقابة على المدنيين”. ويرى أن الموافقة الأمنية المفروضة بعضها منطقي والآخر جائر كتلك التي تُفرض على استئجار المنازل، وهي مخالفة لكل المواثيق المحلية والدولية لأنه من شأنها أن تمنع مدني من الحصول على حق الإيواء والسكن داخل أراضي الدولة.

واعتبر أن النظام مستعد لاتخاذ كل الخطوات والتشريعات من أجل ضبط مناطقه والقضاء على أي فكر معارض سواء كان عبر مدنيين أو مسلّحين، متوقّعاً أن يتم العمل بهذه الموافقات لعشرات السنوات القادمة فيما لو استمر النظام بالحكم.

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × five =