الآن
الرئيسية / رأي / الشعب يريد

الشعب يريد

صدى الشام _ ثائر الزعزوع/

كم كان يبدو المشهد مؤثراً ومحفزاً في الوقت نفسه، وجوه متعبة أجساد مرهقة وإصرار لا مثيل له، هكذا بدا السوريون في عشرات نقاط التظاهر التي جددت العهد للثورة وكأنها في يومها الأول، أصوات الناس كانت مبحوحة لكنهم لم يكونوا خائفين، وجوههم كانت شاحبة من الحصار والقصف المتواصل والتهجير لكنهم لم يفقدوا الأمل بأنهم قادرون على صناعة المستحيل الذي اجتمع العالم كله كي يوقفه، وحين نقول العالم كله فنحن لا نردد مفردة المؤامرة التي يرددها إعلام العصابة كل يوم، لكننا ندرك الآن أكثر من أي وقت مضى أن جميع تلك الأنظمة التي هللت لثورة الشعب السوري كانت في سرها تخاف أن تمتد ثورتها إليها وأن تزلزل عروشها الفاسدة، وأن تغير قوانين اللعبة السياسية، لذلك فكان لا بد من تسليح الثورة، ولابد من تهجير الثورة ولا بد من محاصرتها كي تتوقف، كي تعود إلى بيتها وترفع راية الاستسلام البيضاء وساعتها سيرضى عنها العالم وقد يقوم هو بتغيير رأس العصابة، لكن أن يقوم الشعب بالتغيير فتلك الكارثة التي لم يرغبوا بالتفكير فيها، ساعتها سوف تستيقظ العديد من شعوب منطقتنا ومن شعوب العالم لتقول: لماذا فعلها السوريون ولا نفعلها نحن؟

واليوم وحين عاد السوريون إلى الشوارع كان العالم كله يراقب المشهد وهو لا يصدقه، هل من المعقول أن كل ما حدث لم يغير تلك القناعة وذلك الإصرار، الشعب يريد، ممنوع أن يريد الشعب، نحن فقط من يريد، نحن الذين نمتلك القدرة والإرادة والأوامر والشعوب عليها أن تنفذ، أن تطيع القوانين، وأن تسير كما نرسم لها، تدفع الضرائب التي نقررها، وتلتزم بالتعليمات التي نصدرها، تنفذ دون اعتراض، نسمح لها فقط بما لا يؤثر علينا، أما حين تقول إنها تريد، ساعتها لن نرحمها…

“الشعب يريد” هي البداية فقط، لأن إرادة الشعب تغير التاريخ، تلوي عنق الزعامات والقرارات والأوصياء، لماذا يمتلك السياسيون القرار ولا تمتلكه الجماهير؟ لماذا يتحكم رجل واحد بمصير بلد بأكمله، لماذا يقرر ذلك الشخص أن يحاصر مدينة مثل الزبداني حتى يموت ساكنوها، لماذا يقصف بالكيماوي غوطة دمشق، لماذا يدمر حلب وحمص ودير الزور والرقة وحماه وإدلب، من قال إن ذلك الشخص لديه الحق، ولماذا لا نمتلك نحن ذلك الحق؟

الشعب يريد، هي الصورة التي ستظل مطبوعة في أذهان الملايين حول العالم لعقود طويلة، سيخبرون الأجيال القادمة إن السوريين شعب أراد، شعب حر أراد، شعب حطم الأصنام والقيود، وتحرر من العبودية، ولم يعد أحد قادراً على حكمه إلا كما يريد هو لا كما يريد سواه، الشعب يريد…

لم تكن المظاهرات حاشدة لكنها كانت قوية، لم تكن منتشرة في كل سوريا، لكنها كانت سوريّة جداً، شارك فيها المهجرون ورفعوا أصواتهم عالياً، لم ترفع المظاهرات سوى راية واحدة، راية الثورة، ولم ترفع شعارات سوى شعارات الثورة، لذلك كان صوتها قوياً مجلجلاً أسمع العالم بأسره، أرأيتم أولئك السوريين كيف خرجوا، ولكن من أين جاءوا؟ ألم نقتلهم جميعاً؟

لا لم يموتوا جميعاً، أولئك الأطفال الذين كانوا في العاشرة قبل خمس سنوات صاروا في الخامسة عشر من عمرهم، اليوم وهم الآن رجال، أصواتهم قوية وأرواحهم نزقة مثل الصقور الحرة لا تعرف القيد، هؤلاء هم أطفال الثورة، وهؤلاء هم القادرون على أن يجعلوا العالم كله ينحني احتراماً لثورتهم لأنهم مخلصون للشهداء، لأنهم لم ينسوا المعتقلين، لأنهم لم يفرطوا في حلمهم…

أحد المشاهد المدهشة كانت صورة حارس الثورة عبد الباسط الساروت وهو يقف على المنصة حاملاً طفلًا صغيرًا ويهتف بين الجموع في ريف إدلب، تلك الصورة تختصر الكثير من الكلام وتوفر الشرح، فالثورة مستمرة ولا يمكن أن تتوقف. جُرح الساروت، استشهد أشقاؤه، جاع الساروت في الحصار، لكنه ظل وفياً للثورة وهو ينقلها للأطفال الصغار، ثمة الآلاف مثل الساروت أولئك الذين قالوا منذ اليوم الأول: سوريا بدها حرية.

“الشعب يريد” هي بداية الثورة كل يوم، بل كل ساعة.. ثمة حلم لم يمت وسيواصل الحياة لأن الشعب مهما تزايدت أوجاعه وآلامه ومآسيه فهو ليس مستعداً أن يتخلى عن ذلك الحلم الجميل الذي رسمه أطفال صغار على جدران مدرستهم في درعا.. كتبوا: الشعب يريد…

 

شاهد أيضاً

سيناريوهات التفاهم والصّدام بعد “داعش”

مع اقتراب نهاية تنظيم “داعش” في سوريا يبدو على الخارطة تفاهم روسي أمريكي شابه بعض …

عصام زهر الدين.. الدمية التي ستكلّف السويداء دماً لن يجفّ

للمجتمع الدرزي أو مجتمع مدينة السويداء في جنوبي سوريا خصوصيته الآتية من الدعائم النفسية التي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

nineteen − twelve =