الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / توافق الكبار على قتل السوريين … والاسم “هدنة”

توافق الكبار على قتل السوريين … والاسم “هدنة”

العميد الركن أحمد رحال - محلل عسكري واستراتيجي/

لا يختلف اثنان من المراقبين والمحللين السياسيين على أن الثورة السورية المباركة وبجناحيها السياسي والعسكري كانت وما تزال تتمتع بثابتين أساسيين يتمثلان بـ:

الأول: أن الثورة ومنذ انطلاقتها كانت تبحث عن حل سلمي يحقق مطالبها وأهدافها، وأنها ما حملت السلاح إلا لحماية أهلها وشعبها من نظام مجرم استباح البلاد والعباد.

الثاني: أن الثورة كانت أول من تصدى للإرهاب الواقع في سورية وبكافة أشكاله، بدءاً بإرهاب عصابات “الأسد” مروراً بإرهاب “حزب الله” و”الحرس الثوري” الإيراني و”فيلق القدس” وكل الميليشيات الطائفية المقيتة التي استقدمها الجلاد إلى سورية، وصولاً إلى إرهاب ما يسمى “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش).

من هذا المنطلق عملت القيادة السياسية للثورة والممثلة بالائتلاف الوطني لقوى الثورة السورية والهيئة العليا للمفاوضات على التواصل مع فعاليات ومنظمات المجتمع الدولي لشرح معاناة الشعب، تدعمها فصائل الثورة المسلحة التي تخضع لأهداف ومطالب وتوجهات الشعب السوري، وكانت تتأمل من دول العالم الذي يدعي الحضارة أن ينصف قضية شعب جل طلباته تتجلى بالحرية والعيش الكريم في ظل دولة مدنية ديمقراطية تتشارك مع المجتمع الدولي بالإنسانية وفي بناء مستقبله وفقاً لقوانين وشرعة العالم الحر.

لكن الواقع وما خرج من أدراج الخارجيات والسفارات والمنظمات الدولية وخلال خمس سنوات من معاناة الشعب السوري، يعطي رسالة واضحة وصريحة بأن الدول الكبرى بقضها وقضيضها ومعظم المنظمات الدولية الفاعلة لا تريد لتلك الثورة أن تنتصر ولا تريد لنظام “الأسد” أن يرحل. وهذا الكلام ليس تطبيقاً لنظرية المؤامرة أو ممارسة اتهام سياسي، بل هو واقع أثبتته الأحداث التي خاضت بها مفاصل الثورة في كل المراحل الماضية ومنذ انطلاقتها، وخير دليل على ذلك ما خرج به الوزيران “العاشقان” كيري_لافروف، وبما يسمى مجازاً “هدنة وقف الأعمال العدائية”.

بنود التوافق الأمريكي_الروسي والذي استدعى شهوراً طوال من مفاوضات ومباحثات واجتماعات اللجان الفنية والقانونية والعسكرية الاستخباراتية انتهى ليتمخض الجبل فأراً، وأقل ما يقال عن هذا التوافق أنه جريمة ترتكب بحق الشعب السوري الثائر ومدحلة لسحق عظامه وإنهاء صوته وإخماد نيرانه.

أقل ما يقال عن التوافق الأمريكي_الروسي والذي استدعى شهوراً طوال من مفاوضات ومباحثات واجتماعات، أنه جريمة ترتكب بحق الشعب السوري الثائر ومدحلة لسحق عظامه وإنهاء صوته وإخماد نيرانه

في المؤتمر الصحفي الذي امتنع فيه الوزيران عن إعطاء تفاصيل النقاط الخمس التي نجمت عن الاتفاق والمراد من الجميع أن يوافق عليها دون رؤيتها أو الإلمام بتفاصيلها بشيء يكون أقرب ما يمكن إلى الاستحالة. لكن ومن خلال تعليق الوزيرين كان هناك جملة ملاحظات:

أولاً: – عندما يقول الوزير لافروف: أبلغنا حكومة دمشق بتفاصيل الاتفاق ووافقت عليه.

– ويقول الوزير كيري: أنذرنا الفصائل بضرورة الموافقة.

واضح أن طريقة الخطاب مهينة للثورة ولفصائلها، وأن الدبلوماسية واللياقة التي كان من المفترض أن يتحلى بها رأس الدبلوماسية الأمريكية قد غابت عنه وخانه لسانه ونطق صدق ما يضمره بقلبه.

ثانياً: الوزير “كيري” بشرنا منذ أسابيع أنه سيحظر طيران “الأسد” فوق سورية، وكذلك رسالة المبعوث الأمريكي الخاص “مايكل راتني” للفصائل المسلحة قالت: أن هناك حظراً جوياً سوف يطبق على طيران “الأسد” فوق سورية، ولكن تصريحات الوزيرين كانت مخالفة لهذا الوعد وتناقضت مع تعهدات “راتني” للفصائل المسلحة حيث قال الوزيران:

– الوزير كيري: سيتوقف طيران نظام “الأسد” عن قصف المدنيين.

– الوزير لافروف: لن يتواجد طيران “الأسد” في مناطق عملنا مع الجانب الأمريكي.

كلام الوزيرين حول الهدنة يعني أمريكياً أنه يحق لطيران “بشار الأسد” قصف كل فصائل المعارضة طالما أنه تم استثناء المدنيين فقط، وروسياً يعني أنه يحق لطيران “الأسد” أن يقصف المدنيين والفصائل المسلحة بمساحة تقدر بثلثي مساحة سورية وبضوء أخضر أمريكي_روسي

هذا الكلام أمريكياً يعني أنه يحق لطيران “بشار الأسد” قصف كل فصائل المعارضة طالما أنه تم استثناء المدنيين فقط (ولن يستثنوا المدنيين حتى)، وروسياً يعني أنه يحق لطيران “الأسد” أن يقصف المدنيين والفصائل المسلحة بمساحة تقدر بثلثي مساحة سورية وبضوء أخضر أمريكي_روسي وخارج مناطق عمليات “روسيا وأمريكا” التي يٌفترض أن تكون في حدود محافظات “حلب”و”إدلب” و”الرقة” وقد تشمل “دير الزور”.

لكن النقطة الأهم التي تٌقلق كل الشارع السوري الحر هو موضوع أخذ موافقة الفصائل على فك ارتباطها بـ”جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة سابقاً) وتقديمها للسياف كي يقطع رأسها.

مبدئياً جمهور الثورة انتقد كثيراً من تصرفات “جبهة النصرة” وغلوها بالأحكام وتماديها بعض الأحيان على خصوصية الشعب السوري وعدم إيمانها بأهداف الثورة السورية، لكن “جبهة النصرة” أعلنت منذ بداية انطلاقها بأن نشاطها موجه ضد نظام “الأسد” وحلفائه من الميليشيات الطائفية التي استقدمها “بشار الأسد” لقتل الشعب السوري، وأن ارتباطها بتنظيم “القاعدة” هو ارتباط هيكلي_تنظيمي دون دخولها أي من غرف عمليات “القاعدة” ودون أي نية باستهداف مصالح الغرب كما تعلن “القاعدة”، وقد التزمت قيادة “النصرة” بذلك طيلة فترة حراكها المسلح في الجبهات السورية، ولم تطلق طلقة واحدة اتجاه المصالح الأمريكية والغرب لا داخل ولا خارج سورية.

الشعب السوري يجد أن التضحية بجبهة النصرة وترك كل الفصائل الشيعية الإرهابية هو أمر يخل بالتوازنات العسكرية ويمهد الطريق لعودة سلطة “الأسد” على الجغرافية السورية، عدا عن أن عناصر النصرة السوريين يشكلون أكثر من 80% من قوامها، أما موضوع فك الارتباط فهو أمر مستحيل نظراً لاشتراك النصرة مع كل الفصائل في مواقع تموضعها، وأحياناً يكون هناك أخوة في بيت واحد أحدهما مع النصرة والآخر مع الجيش الحر، عدا عن أخوة القتال التي تجمعهم في محاربة عصابات الأسد وحلفائه.

أيضاً هناك نقطة تصيب السوريين بالجنون وهي أن عصابة “حزب الله” المصنف غربياً على لوائح الإرهاب، والذي قتل مئات الجنود الأمريكيين في تفجير مقر “المارينز” في بيروت، والذي يشكل إرهاباً عابراً للحدود ويقتل الشعب السوري خدمة لأوامر ولاية “الفقيه” تحت شعارات جوفاء من حماية المراقد المقدسة، والتي حماها السوريون على مدار مئات الأعوام وخير دليل على ذلك أن مدينة “داريا” تم تدميرها بشكل كامل من قبل “الفرقة الرابعة” وقائدها “ماهر الأسد” ولم يبق فيها حجراً على حجر وتم طرد سكانها، ومع ذلك عندما دخلتها عصابات “الأسد” وجدوا أن مقام الست “سكينة” الموجود ضمن أحيائها سالماً ولم يمسه سوء، رغم كل ما تعرض له أهل “داريا” من قتل ودمار، ورغم كل الإجرام الذي يقوم به “حزب الله” فلم يوضع على قائمة الفصائل المستهدفة أمريكياً_روسياً، بل حتى لم يٌطلب منهم مغادرة الأراضي السورية.

أيضاً ميليشيات “فيلق القدس” و”الحرس الثوري الإيراني” التي تم الزج بها لحماية نظام “الأسد” وقتل الشعب السوري، فتلك الميليشيات موضوعة على كل قوائم الإرهاب في العالم، وهي صاحبة شعار “الموت لأمريكا”، وكذلك وجودها في داخل سورية هو خرق لقراري مجلس الأمن رقم (1737) ورقم (1747) الذي يحظر على إيران تصدير السلاح أو العتاد أو الخبرات الفنية خارج حدودها. وحتى قائد “فيلق القدس” الجنرال “قاسم سليماني” الذي يتنقل ما بين العراق وسورية وموسكو، فهو أيضاً مطلوب بمذكرتي توقيف صادرتين عن منظمة “الأنتربول” الدولية، ومطلوب لمحكمة الجنايات الدولية لمسؤوليته عن كثير من الجرائم بحق بعض الدول الغربية والعربية. وما ينطبق على الميليشيات الإيرانية ينطبق أيضاً على الفصائل التي استقدمها “سليماني” من العراق وأفغانستان والباكستان كـ”فيلق بدر” و”حركة النجباء” وأكثر من (23) ميليشيا عراقية، وكذلك لواء “زينبيون” و لواء “فاطميون”، وكلها إرهاب عابر لحدود استقدمته “إيران” لحماية نظام “الأسد” وقتل الشعب السوري.

أيضاً الغارات التي نفذها طيران “الأسد” والطيران “البوتيني” في محافظة إدلب وحلب وريف الساحل وريف حماه وحمص والغوطة الشرقية خلال (48) ساعة ومع إعلان التوصل لاتفاق على “الهدنة”، أدت لمقتل أكثر من مئة مواطن مدني جلهم من الأطفال والنساء، كان من ضمنهم أب وأم حامل وأولادهم الثلاثة (عبد القادر ومحمد وسيدرا) من آل “عفارة” في محافظة إدلب، وأيضاً استشهاد عائلة كاملة من آل “حمدون” في مدينة “بنش”. هذه الجرائم التي قدمها نظام “بوتين” ونظام “الأسد” هل نعتبرها كبادرة حسن نية على التوصل لهدنة؟؟ وهذه الجرائم اعتادها الشعب السوري الحر كجرائم تسبق أي اتفاق أو هدنة من أجل دفع فصائل المعارضة وأمام حجم الدم المراق لرفض الهدنة وتحقيق أمنيات “الأسد” و”خامنئي” باستكمال الخيار العسكري أمام صمت وخنوع أمريكا وموافقة “موسكو”.

من يبحث عن حلول يجب عليه إيجاد توازنات في الطرح ومراعاة كل أطراف الصراع، أما أن يستهدف طرف ويكبله (المعارضة) ويترك الآخر (النظام) ليكمل طريقه بالقتل فتلك ليست وسيلة مجدية للتوصل إلى وقف القتال أو البحث عن حلول.

كان الأجدى بالوزيرين كيري ولافروف إذا ما كانا جادين في البحث عن حلول مستدامة وتحقق السلم في سوريا أن يتخذوا أحد إجراءين: إما طرد كل تلك الميليشيات الطائفية خارج الأراضي السورية وتطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة والتي تمنع إرهابها من الدخول إلى سورية، أو معاملة تلك الميليشيات كمعاملة تنظيم”داعش” وتوجيه الضربات لها كونها تشكل إرهاباً على الشعب السوري.

الوقائع على الأرض تقول: أن كل ما يٌطرح الآن ليس حلاً بل هو وقود إضافي يٌزيد لهيب النار المشتعلة بين جدران الحدود السورية ويٌنذر بمزيد من الاقتتال، والخيارات التي تطرحها تلك “الهدنة” على الشعب السوري هي: إما الموت على يد “الأسد” أو الموت على يد التحالف “الأمريكي_الروسي”.

رد الشعب السوري الحر عليكم:

الموت واحد …

والرب واحد …

وما خرج الشعب السوري من أجله لن يعود من دونه …

نصيحتنا لكم: لا تهددوا شعباً فقد كل شيء … فهو قادر على أن يذهب إلى ما لا نهاية وتقديم ما لم تشاهده عين ولم تسمعه أذن.

شاهد أيضاً

تركيا تستلم الأجزاء الأولى من منظومة “إس-400”

أعلنت وزارة الدفاع التركية عن وصول أول مجموعة من أجزاء منظومة “إس-400” الروسية إلى مطار …

خان شيخون - الدفاع المدني

مقتل نحو 1000 مدني شمالي سورية منذ توقيع اتفاق “سوتشي”

وثّق فريق “منسقو استجابة سورية”، اليوم السبت، مقتل 963 مدنياً، في منطقة خفض التصعيد الواقعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × four =