الآن
الرئيسية / رأي / استعمار طيب واستعمار خبيث

استعمار طيب واستعمار خبيث

عبد القادر عبد اللي /

بعد الرابع والعشرين من شهر آب لعام 2016، تذكر مريدو الولي الفقيه الذين يستخدمون صفة يسار بموجب تقية شرعية فجأة مفردة الاستعمار التي غابت منذ فترة طويلة عن أدبياتهم.

السبب الذي جعل هؤلاء يتذكرون هذه المفردة هو دخول الجيش السوري الحر إلى جرابلس بدعم ناري تركي، وسيطرته على عدد من البلدات والقرى على طول ثمانية وتسعين كيلومترا. لقد اكتشف هؤلاء فجأة أن تركيا دولة استعمارية تحتل جزءاً غالياً من الوطن لم يبعه لها أحد من قبل، وهي تسعى لاحتلال أجزاء أخرى.

الإيراني الذي يقول إن سورية هي إحدى المحافظات الإيرانية، وترتيبها الخامسة والثلاثون بين محافظاته، وجزء لا يتجزأ من إيران، وخسارتها أخطر بكثير من خسارة “خوزستان/ أي الأحواز”، ليس استعماراً بالنسبة إلى مريدي الإمام الفقيه المقنعين بقناع اليسار، فهذه الأرض السورية من حق الإيراني، وقد سلبها منه السوريون، وهو يتحدث عن حقائق تاريخية لا يأتيها الباطل من يمين أو شمال، ولا من أمام أو خلف.

الأمريكي والبريطاني والفرنسي الذين كانوا يسمون في أدبيات الإمام الفقيه السوفيتي قديماً الإمبريالية، وكل من هم ضمن التحالف الدولي لمكافحة داعش يدخلون إلى سورية ويخرجون على هواهم، ويقصفون المكان الذي يريدون، ويقتلون من يشاؤون، ويبنون المدارج للطائرات حيث يريدون، ويدربون المقاتلين الذين يرون أنهم يعملون وفق مصالحهم ليسوا استعماراً، وحتى لم يعودوا إمبريالية أو استكباراً، بل هم قوى أممية إنسانية متضامنة تقاتل ضد الرجعية العفنة.

المافيا الروسية بعد أن حصلت على القواعد العسكرية في سورية، وأصبحت تشحن من تريد إلى هذه القواعد بمن في ذلك رأس النظام في الوقت الذي تريد، ومن على الأرض التي يدعي أنه رئيسها، هي اليوم ليست استعماراً، حتى إنها ليست مافيا، بل هي الاتحاد السوفيتي العظيم الذي أعلن نفسه الوكيل الحصري للشعوب المضطهدة، ومن هذه الشعوب الشعب الحاكم في سورية بأمر الله ووكيله الشرعي في قم.

هل هناك غرابة من هذا الموقف اليساري الإمامي الأممي؟ لنعد قليلاً إلى الماضي…

في عهد إمبراطور أثيوبيا هيلا سيلاسي كان التقدميون مريدو الولي الفقيه السوفيتي يعتبرون أثيوبيا دولة استعمارية تحتل بلداً آخر هو أريتريا من أجل أن يكون لها منفذ على البحر، ويعتبرون شعب أريتريا شعباً مناضلاً من أجل الحرية يسعى للحصول على حقه المشروع بتقرير مصيره. وما إن قام منغستو هيلا مريام بانقلابه العسكري الذي سُمي بتكليف شرعي سوفيتي “ثورة شعبية”، وأضاف إلى لقب الإمبراطور لقب الرفيق، وأصبح الرفيق الإمبراطور، تحول الأريتريون لدى لأشخاص أنفسهم بقدرة فقهية، من شعب مظلوم مضطهد يرزح تحت نير الاستعمار الغاشم إلى مجموعة همج متمردين على الشرعية والتقدمية، يريدون حرمان أثيوبيا التقدمية من منفذها الوحيد على البحر خدمة للإمبريالية العالمية وأذنابها، ويجب القضاء عليهم.

في أفغانستان لم يكن الجيش السوفيتي محتلاً بنظر أتباع الولي الفقيه السوفيتي، بل دخل هذا الجيش إلى بلد هو يملكه من أجل نصرة المظلومين الذين قلبوا نظام الحكم، وكل ما فعله وأدى إلى ما أدى إليه كان تصرفاً إنسانياً، وعملاً مشروعاً يندرج في إطار التضامن الأممي، ومعاذ الله أن يكون استعماراً أو يمارس ممارسات الاستعمار.

شرحوا لنا ذات يوم في المدارس “الاستعمار الاستيطاني”، وقالوا إنه يعتبر أسوأ أنواع الاستعمار التي عرفتها البشرية على الإطلاق، فهو يقتل الناس ويقتلع من لم يستطع قتله من بلداتهم وقراهم، ويشردهم في الأرض، ويجعل منهم لاجئين، ويأتي بأناس من مختلف أصقاع العالم يربط بينهم رابط ديني لإحلالهم محل أولئك الناس.

ولكن إفراغ القرى والبلدات السورية، وجمع أناس من أفغانستان والعراق ولبنان وحتى الهند وأذربيجان لا يربط بينهم سوى الرابط الديني المذهبي لإسكانهم فيها عمل عادي يندرج تحت بند الحقوق السماوية السمحة والتي لا تتعارض مع ادعائهم بالإلحاد نهائياً، ولا يوجد أي شبه بين هذا الأسلوب وأسلوب الاستعمار الاستيطاني.

يؤمن يسار الإمام الفقيه السوفيتي بالاستحمار. قديماً كانوا يدخلون إلى أحاديثهم كلمات مثل ديالكتيك وبروليتاريا وكوزموس ونيب… إلخ. وبهذا يتظاهرون بأنهم يعرفون ما لا يعرفه الآخرون. وبالطبع لم يكن هذا اليسار في ذلك الوقت يعتبر استخدام كلمات من هذا النوع اعتداء على الهوية القومية أو استعماراً ثقافياً، فالقومية عموماً حرام شرعاً إلا إذا كانت روسية، وفيما بعد أصبحت فارسية.

قبل خمس سنوات دخل حزب الله إلى سورية لمحاربة الجيش السوري الحر، ثم دخل العراقيون، ثم الأفغان والأذريون والهنود والأفارقة، وأخيراً وليس آخراً الروس. كل ما يقوم به هؤلاء هو عمل مشروع. ما هو غير مشروع دخول الجيش التركي… فهو استعمار يجب العمل على طرده.

نفهم من هذا الكلام أن هناك نوعين من الاستعمار بحسب رؤية مريدي الإمام الفقيه المقنعين بقناع اليسار. استعمار طيب وآخر خبيث. والاستعمار الطيب هو الذي يجب أن نتعايش معه، ونقدم له كل ما يريد لأنه أمر واقع، أما الاستعمار الخبيث فهو من المفروض علينا أن نحاربه، وندينه، ونخرجه من أرضنا لصالح الاستعمار الطيب… وبالطبع ليس للرشاوى والتعصب المذهبي أي علاقة بالتصنيف، فهو تصنيف علمي أيضاً، وينحدر من تقاليد عريقة بتوصيف الاستعمار…

شاهد أيضاً

جلال بكور

النظام يسحب القانون 10 ؟!

لم تكف روسيا عن مناوراتها أبدا، تلك المناورات التي تهدف من خلالها إلى بقاء النظام …

مآل التحديث العربي.. من الدولة إلى العصابة

شهدت معظم المجتمعات العربية، منذ بدايات النهضة في القرن التاسع عشر، تطورا كبيرا للفكر السياسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × three =