الآن
الرئيسية / اقتصاد / اقتصاد الناس / من التصدير إلى الحضيض..الحرب تلتهم محصول القطن في سورية

من التصدير إلى الحضيض..الحرب تلتهم محصول القطن في سورية

عبد الله أسعد/

ها هو القطن في سورية يلحق بركب الزراعات الاستراتيجية الأخرى من حيث ضمور مساحاته الزراعية وتآكل حجم إنتاج المحصول، وذلك كمنعكس مباشر للحرب الدائرة إلى الآن في سورية، مع الإشارة إلى أن سورية “كانت” تحتل المرتبة الثانية عالمياً بإنتاج القطن بوحدة المساحة، في حين “كانت” تحتل المركز التاسع عالمياً بكمية إنتاجها.

كان وكانت

يعتبر محصول القطن من أهم المنتجات الزراعية في شتى اقتصادات العالم، حتى أطلق عليه “الذهب الأبيض”. وفي سورية، “كانت” أرقام محاصيل القطن ما قبل 2011 تتخذ منحى إيجابيا دائما، و”كانت” نسبة مساهمة محصول القطن في التصدير تصل إلى 14% خلال الأعوام الممتدة ما بين 2004 و2006، حيث كان يصدر على شكل غزول، ووصل مردود الهكتار الواحد في تلك السنوات إلى 4395 كغ. كما يعتبر القطن من أهم مصادر تأمين القطع الأجنبي للخزينة، وله مساهمة ضخمة في الصناعات النسيجية السورية، كما له مردود اجتماعي لا يستهان به، حيث “كان” يشغّل نحو 2.5 مليون عامل قبل 2011.

واشتهرت سورية كثيراً بالقطن العضوي والذي تتم زراعته دون استخدام المبيدات أو الأسمدة الكيميائية، وباستخدام البذور الطبيعية، حيث احتلت سورية قبل الحرب المركز الثاني عالمياً بإنتاج ألياف القطن العضوي بعد الهند، بإنتاجها نحو 20 ألف طن، كما استطاعت تطوير زراعة القطن حيث أنتجت القطن الملون “الأصفر والبني والأخضر” دون استخدام الأصبغة.

بدء تدهور الأرقام

مع بدء الحرب في سورية، بدأت الأرقام تتدهور، فبحسب المجموعة الإحصائية لعام 2013، بلغت المساحة المزروعة بالقطن عام 2004 نحو 200 ألف هكتار تنتج أكثر من مليون طن من القطن، واستقر الإنتاج والمساحة خلال عام 2006، ولكن الانخفاض الحاد في المساحة والإنتاج ظهر في عام 2013، حيث بلغت المساحة المزروعة أقل من 50 آلاف هكتار، وبلغ الإنتاج نحو 200 ألف طن فقط، وخلال العام الماضي، 2015، بلغت نسبة تراجع إنتاج محصول القطن نحو 93%، أي أن الإنتاج بلغ ما بين 50 إلى 130 ألف طن فقط.

تركّز المناطق الساخنة في المناطق الشمالية والشرقية من سورية، مثل الحسكة ودير الزور وحلب وإدلب وحماة وحمص، ألحق خسائر كبيرة بمحصول القطن، كان أخرها احتراق نحو 8400 طن من القطن المحبوب في الحسكة، مع الإشارة إلى أنه وفقا للتصريحات الرسمية فإن كميات الأقطان المستلمة في محافظة الحسكة خلال هذا الموسم بلغت 22175 طنا من الأقطان المحبوبة وتم نقل نحو 11875 طناً إلى محالج المنطقة الوسطى.

تراجع الإنتاج والمساحة للثلث

باحث في الشؤون الزراعية، فضل عدم الكشف عن أسمه، أوضح في تصريح خاص لـ”صدى الشام”، أن محصول القطن بات بوضع يندى له الجبين، فالأرقام تؤكد تراجعه إنتاجاً ومساحةً، حتى بات التفكير باحتمال استيراد القطن أمراً وارداً، وذلك لتغطية صناعة النسيج محلياً. مشيراً إلى أن الأرقام التي صدرت عن وزارة الصناعة لا تعبر عن الواقع الحقيقي لهذا المحصول، كما أن خطط وزارة الزراعة في زراعة القطن لم تنفذ إلا بنسبة 30% خلال 2015، وهي تشكل نحو 375 ألف دونم فقط، وعليه يجب أن تنتج وسطياً 131 ألف طن فقط، في حال اعتبرنا أن كل دونم ينتج 350 كغ.

الباحث أكد أنه في الحسكة خلال 2015، تم إنتاج ما يقارب 24 ألف طن من القطن بحسب البيانات الرسمية، بمساحة تقارب نحو 6500 هكتار، أي يمكن القول أن هناك تراجعا بحدود النصف من حيث المساحة والإنتاج.

وأضاف: “يمكن الجزم بأن المُنفّذ من خطط زراعة القطن لا يبلغ 20%، وفي أحسن الأحول ينفّذ 30% فقط، أي أن أكثر من ثلثي المساحات المخصصة لزراعة القطن في سورية لم تزرع”.

وعن عدول المزارعين عن زراعة القطن، لفت الباحث إلى أن “ذلك يعود لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بالحرب ومنها السياسات الحكومية. فالحكومة لم تنجح أبداً في تمكين المزارع بأرضه، وخاصة بالنسبة للمحاصيل الاستراتيجية، حيث سعرت الحكومة خلال 2015 كلغ القطن بـ140 ليرة للمزارع، ومنحت مزارعي الحسكة نحو 60 ليرة على كل كغ يتم نقله إلى المحالج و9 ليرات لمزارعي الرقة، ولكن هل هذه الأسعار والتعويضات لم تكن كافية لتغطية التكاليف وتحقيق عائد مجزي للفلاح بعد تعبه وتحمله المخاطر. في حال نظرنا إلى التسعيرة خلال 2015، فإنها تعتبر مرتفعة بنسبة 40% عن سابقتها في عام 2014، ولكن سنجد أن التكاليف تغيرت كثيراً وخاصة مع الرفع الأخير لأسعار المشتقات النفطية والذي سيؤثر بشكل كبير على عمليات النقل وتكاليفه”.

صعوبات وتكاليف مرهقة

الباحث رأى أنه “في حال تم حساب تكلفة إنتاج الدونم في منطقة قريبة من المحالج، وعلى اعتبار أن الدونم حالياً ينتج نحو 350 كغ من القطن، فإن التكلفة تبلغ 116 ليرة للكيلو غرام الواحد، أي أن الفلاح يربح هنا نحو 24 ليرة في كل كغ، أي زراعة دونم القطن يحقق له عائدا نحو 8400 ليرة وهامش ربح يقدر بنحو 20%، ولكن هذه الأرقام ستصطدم بواقع أصعب، وخاصة إذا علمنا أن الفلاح يحصل على المازوت من السوق السوداء بسعر يبلغ وسطياً نحو 250 ليرة لكل ليتر، لأن الكميات التي توزع على الفلاحين بسعر رسمي لا تغطي الحاجة الفعلية للزراعة والتي تلعب الجاهزية الفنية لشبكات الري دوراً كبيراً في توفير هذه التكاليف، عدا عن تكاليف البذار والأسمدة والتي يضطر الكثير من المزارعين لشرائها أيضاً من السوق السوداء، إذ أن عمليات الري لهذا المحصول تحتاج إلى انتظام ولا تقل عن 10 مرات في المنطقة المزروعة، وتأخر هذه الريات سيؤدي حتماً إلى خسائر في إنتاج المساحة كونه سيعرض زهرة القطن إلى السقوط. أضف إلى ذلك الأضرار غير المباشرة التي قد يتعرض لها المزارع نتيجة ظروف الحرب، فضلا عن التوقف عن الريات أو الزراعة نفسها”.

وتابع الباحث: “بالعودة إلى أرقام التكاليف والتسعيرة الحكومية، فإن كلفة كغ القطن في المناطق الآمنة والقريبة من المحالج 116 ل.س، بينما سعر شراء الحكومة 140 ل.س، والعائد هو 24 ل.س، إذا ما نجح المزارع في تجنب كل التكاليف الاستثنائية المذكورة سابقا والتي أصبحت اعتيادية للأسف، وعلى اعتبار أن الحكومة تتعاقد مع شركات خاصة لنقل القطن من مناطق زراعتها إلى المحالج، فإن ناقلي القطن سيحصلون على 90 ليرة أجرة نقل لكل كغ، والحكومة ستقدم كما ذكرنا لمزارعي الحسكة نحو 60 ليرة، تعويض نقل للمنطقة الوسطى وو9 ليرات فقط لمزارعي الرقة، لنصل إلى نتيجة أن المزارع ونتيجة هذه التكاليف فإن هناك من يأتي ويأخذ ثمار جهده على مدار الموسم دون أي تعب، وهو في المحصلة لم يحصل على ما يرغب، بل وربما قد يخسر في كثر من الأحيان. لذلك نجد أن أغلب الفلاحين حالياً تركوا زراعة القطن وتحولوا إلى زراعات أقل تكلفة وأقل جهداً، وساهم ذلك بتراجع مساحة وإنتاج القطن في سورية. ولا ننسى أن كل العوامل السابقة، هددت ولا تزال تهدد، هذا المحصول الاستراتيجي، وبالتالي فإنها تهدد كل الصناعات المرتبطة به”.

حلول مقترحة

وعن الحل، رأى الباحث أنه يتوجب عدم الاعتماد على تجار القطاع الخاص وشركاته في استجرار المحاصيل الإستراتيجية من المزارع، سواء القطن والقمح وغيرها، لأن ذلك يرهق المزارع من حيث التكاليف كما يحدث عمليات فساد كبيرة أثناء النقل، وخاصة بتبديل المحاصيل الجيدة بأخرى رديئة كما حدث سابقا أثناء نقل بعض كميات القمح. كما يجب رفع سعر شراء كيلو القطن من المزارع وتوفير جميع مستلزمات إنتاجه بعيداً عن السوق السوداء، أيضاً يجب الاعتماد على الري الحديث في هذه الزراعات لتوفير الوقود المخصص للريات، وبالطبع المزارع يحتاج لقروض ميسرة لتركيب هذه الشبكات وبضمانات وشروط ميسرة، فحاليا معظم شبكات الري تعتبر غير جاهزة، مع أهمية توفير البذار والأسمدة بشكل مباشر من الجهات المعنية دون وسطاء وبسعر التكلفة.

شاهد أيضاً

الإدارة الأمريكية ترفض زيادة رأسمال البنك الدولي

رفضت إدارة ترامب زيادة في رأسمال البنك الدولي، يقول المصرف انها ضرورية لتوسيع مهمته المتعلقة …

الموقف الأميركي أكثر تساهلاً مع الضرائب الأوروبية على «غافا»

يبدو أن واشنطن بصدد تليين موقفها في شأن توجه الأوروبيين نحو فرض ضريبة على شركات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + 20 =