الآن
الرئيسية / تحقيقات / ريف حمص الشمالي .. مشاريع لكسر الحصار تعتمد على تغطية الحاجات الغذائية ذاتياً

ريف حمص الشمالي .. مشاريع لكسر الحصار تعتمد على تغطية الحاجات الغذائية ذاتياً

حسام الجبلاوي - صدى الشام /

يعمل أهالي ريف حمص الشمالي على تخفيف الحصار المفروض عليهم منذ أربع سنوات، والذي بلغ ذروة قسوته العام الماضي، من خلال إقامة مشاريع تنموية داخل المناطق المحاصرة تؤمن حاجاتهم الأساسية من الطحين والمواد الغذائية، وتمنع احتكارها وتهريبها إلى مناطق النظام من قبل التجار سعيا للحصول على مكاسب مادية مؤقتة.

 

وفي سبيل ذلك أطلق مجلس محافظة حمص بالتعاون مع وحدة التنسيق والدعم ACU، وبتمويل قطري، مشروع “خبزنا من أرضنا”، والذي ينتشر في بعض المناطق السورية الأخرى أيضاً، ويهدف في عامه الثاني إلى دعم محصول القمح، لا سيما في المناطق المحاصرة، من خلال تسويق المحصول من المزارعين بأسعار تشجيعية، وإعادة تدويره بأسعار التكلفة، وذلك لمنع احتكار التجار للمادة، وتجنب رفع أسعارها في الشتاء كما حصل العام الماضي.

 

تقوم آلية تنفيذ مشروع “خبزنا من أرضنا” في ريف حمص وفق خطة عمل مجلس محافظة حمص، على تأمين تكاليف الري والحصاد، والتعبئة والتخزين، والمبيدات، وشراء بعض المعدات، ثم شراء المحصول من الفلاحين بأسعار تشجيعية، وتخزينها لتوزيعها لاحقا على الأفران وبيعها للمحاصرين بأسعار مقبولة.

 

ويعتبر هذا المشروع بحسب الناشط الإعلامي في حمص يعرب الدالي، “طوق النجاة الأخير للأهالي، لا سيما مع سرقة النظام للمحصول في كل عام بألاعيب مختلفة، وشراء القمح من ريف حمص عبر تجار تابعين له، مستغلين حاجة بعض المزارعين للبيع بسعر أعلى، والإيحاء للأهالي بأن النظام سيسمح بدخول المساعدات الإنسانية كما حصل العام الماضي”.

 

ويوضح الدالي في حديثة لـ”صدى الشام”، أن “العام الحالي شهد أيضا إقامة مشاريع أهلية لشراء القمح من المزارعين وتخزينه من قبل بعض أهالي المنطقة، بدعم من بعض أصحاب رؤوس الأموال والفصائل، ومنها مشروع شركة استثمارية في الرستن، من خلال مجموعة شباب يعملون في مجال إدارة الأعمال والمحاسبة والاقتصاد”.

 

وتعمل هذه المشاريع أيضا على شراء القمح وتخزينه ومن ثم بيعه للمجالس المحلية والجمعيات الخيرية المعنية بالخبز في الشتاء، بأسعار معقولة مع هامش ربح بسيط، أو دون أي هامش ربح.

 

موسم فقير

 

رغم تفاؤل أهالي ريف حمص بحصر استهلاك المحصول هذا العام في مناطقهم مع إطلاق حلول جديدة، إلا أن كمية الإنتاج لهذا العام انخفضت للنصف تقريبا، ولن تتجاوز 12000 طن، وفق ما يؤكده المهندس فيصل الأحمد، أحد القائمين على المشروع.

 

وبحسب الأحمد، فإن “المساحة المزروعة هذا العام تقدر بـ 45 ألف دونم، بقدرة إنتاجية لا تتعدى 200 كغ للدنم الواحد، بينما بلغت في الأعوام الماضية 400 كغ تقريبا”. وكان مشروع القمح قد حقق خلال العام 2015 إنتاجا وصل إلى حوالي 20 ألف طن، بحسب متابعين.

 

ويعزو المهندس الزراعي سبب تراجع إنتاج هذا الموسم إلى أسباب عديدة أبرزها “الجفاف وقلة الأمطار هذا العام، بالإضافة إلى خروج مساحات من الأراضي الزراعية عن الخدمة، بسبب قرب قوات النظام منها واحتراق بعضها بسبب القصف الروسي”.

 

تراجع إنتاج القمح في الموسم الحالي بسبب الجفاف وقلة الأمطار، إضافة إلى خروج مساحات من الأراضي الزراعية عن الخدمة، لاقتراب قوات النظام منها، واحتراق بعضها بسبب القصف الروسي.

 

ويؤكد الأحمد أن بعض المزارعين “اتجهوا هذا العام لزراعة محاصيل أخرى أكثر إنتاجية وربحا، وأقل مجهودا، بسبب خسائرهم العام الماضي في القمح جراء ارتفاع تكاليف الزراعة”.

 

وبحسب الأحمد، فإن “إنتاج العام الحالي لا يكفي لأكثر من 8 أشهر، إلا أنه يمكن تعويض النقص في المخابز من خلال الطحين المستورد الذي يصل إلى المنطقة”.

خسائر مع تراجع الدولار

 

في بداية الشهر الحالي، أعلن المركز الرئيسي لبرنامج القمح في ريف حمص الشمالي بدء استلام محصول القمح من الفلاحين عبر الشركة الزراعية، وذلك بعد تجهيز كافة المستودعات والكوادر اللازمة، وتوزيع منشورات وإعلانات توضح أهمية المشروع، وضرورة الالتزام بقرار المحكمة الشرعية التي منعت إخراج المحصول من ريف حمص الشمالي.

 

وحددت الشركة سعر طن القمح الواحد درجة أولى بـ315 دولاراً للطن الواحد، أي ما يعادل 150 ألف ليرة سورية حاليا، وهو سعر أعلى من الذي يشتريه النظام من مزارعيه (110 ليرات للكيلو غرام الواحد).

 

ووفق الناشط الإعلامي في الرستن، يعرب الدالي، فقد اجتمعت المحكمة الشرعية مع مجلس شورى من المجالس المحلية وفلاحين واتفقوا على تحديد السعر بـ 315 دولار للطن الواحد درجة أولى، و311 دولار للدرجة الثانية، 307 للدرجة الثالثة و303 للدرجة الرابعة، وقد كان سعر تصريف الدولار حينها حوالي 620 ليرة، فكان السعر مناسبا للفلاحين. لكن ومع انخفاض قيمة الدولار لحوالي 420 ليرة، بالتزامن مع بدء التسليم، فإن الفلاحين قد تحملوا خسائر كبيرة.

 

وحول آلية العمل المتبعة لتحديد نوع القمح، أوضح الدالي أن “المشروع يضم ضمن أقسامه، قسم لفحص العينات مهمته تحديد درجة القمح وتصنيفه، بعد تحليل العينات وتحديد نسب الشوائب فيها. ويقوم على المركز اختصاصيون من أهل الخبرة، وأغلبهم مهندسون زراعيون وخريجو كليات زراعة، عملوا سابقاً في هذا المجال”.

وأضاف: “بعد تحديد نوعه والاتفاق مع الفلاح على البيع، يتم نقل القمح للتخزين، ومن ثم يتم صرف فواتير نظامية فيه، تصرف للفلاح مباشرة من برنامج الغذاء العالمي، بعد فترة أقصاها ثلاثة أيام. ويتم استلامها من مراكز محاسبة معتمدة”.

 

هل ظلم المزارعون؟

 

يرى العديد من المزارعين الذين استطلعت آراؤهم من خلال هذا التحقيق، أن سعر شراء القمح لا يغطي تكاليف الإنتاج، ولا يحقق لهم الأرباح المرجوة، خاصة مع ارتفاع تكاليف الزراعة والحصاد، وارتفاع أسعار المواد بشكل عام.

وأكد المزارع عبد الهادي السيد من مدينة الحولة، أن “السعر الذي طرحه المركز يعد مجحفا بحق الفلاحين، كما يعتبر استغلالا لهم في ظل الحصار الذي تفرضه قوات النظام على ريف حمص الشمالي”.

 

ويطرح السيد من خلال حديثه أمثلة عن ارتفاع تكاليف الزراعة والحصاد عن السابق حيث “كانت عملية حصاد 100 دونم من القمح باستخدام حصادة آلية، تتم خلال خمس ساعات، أما الآن فهذه المساحة تحتاج خمسة أيام، كما تحتاج إلى 10 عمال”، مشيراً إلى أن “سعر حصاد الدونم الواحد يدوياً يتراوح ما بين (3000 – 3500 ل.س)، وأن سبب غياب الحصادة الحديثة عن 90% من حقول القمح بالريف الشمالي، يعود لعدة أسباب أهمها سهولة استهدافها من قبل حواجز النظام، وثانيها قلة قطع التبديل للحصادات الآلية، وثالثها كثرة القنابل العنقودية والقذائف غير المتفجرة بالأراضي الزراعية”.

 

عاد معظم مزارعي ريف حمص الشمالي إلى الحصاد اليدوي لسهولة استهداف الحصادات الآلية من قبل حواجز النظام، وقلة قطع التبديل، وكثرة القنابل العنقودية والقذائف غير المتفجرة بالأراضي الزراعية، والتي تسبب حرائق كبيرة في حال انفجارها أثناء عملية الحصاد.

 

ونوّه المتحدث إلى أن “إحدى الحصادات الآلية في مدينة الحولة، ساهمت بإحداث حريق كبير، بسبب انفجار قنبلة عنقودية أثناء عملية الحصاد، لذلك قرر معظم الفلاحين العودة إلى الحصاد اليدوي حفاظاً على سلامتهم، وسلامة محصولهم الذي ينتظرونه طوال العام”.

وحذّر السيد من أن “عدم إعطاء سعر جيد للفلاحين سيدفع بعضهم إلى الامتناع عن بيعه لصالح مجلس المحافظة، والانتظار لبيعه في الشتاء حين ترتفع الأسعار، أو بيعه لشبكات تجار تدفع مبالغ أكبر وتقوم بتهريبه إلى خارج ريف حمص”.

 

من جهته، اعترف جمال كلش مدير المشروع، في تصريحات صحفية قبل أيام، أن “الإقبال على المشروع لا يزال ضعيفا نوعاً ما، وهناك منافسة من قبل التجار الذين يرفعون الأسعار”.

 

ودعا كلش إلى “التعاون” لأن المخزون الاستراتيجي لهذا المشروع، ورغم قلته، هو الوحيد الذي ساهم في كسر الحصار وتأمين رغيف الخبز والحفاظ قدر المستطاع على أسعاره، ومنع استغلال التجار لسعر ربطة الخبز، وفق قوله.

 

في السياق ذاته، رأى أحمد السعيد، وهو ناشط من مدينة تلبيسة، أن “اختلال سعر الدولار أثر على سعر شراء القمح، لكن طلب الشراء بالدولار كان من قبل الفلاحين أنفسهم”. مضيفا أن “المحكمة الشرعية أصدرت أمرا قاطعا بمنع بيع القمح إلى الخارج، ولن يُسمح للتجار هذه المرة زيادة الحصار على المدنيين”.

 

مشاريع جديدة وأخرى تنتظر

 

وسعيا من مجلس محافظة حمص والجهات الراعية، لتأمين استمرار المشروع وتخفيض التكاليف، افتتحت الشركة العامة للزراعة مشروع المطحنة، الذي يهدف بحسب مدير مكتب المتابعة والتقييم في مجلس محافظة حمص، عمر إسماعيل، إلى “خفض سعر طحن كيلو القمح، وتوفيره للأفران بأسعار مقبولة”.

ووفقا لإسماعيل، فإن “المطحنة تعمل بسعر التكلفة فقط، وتوفر الطحين بأسعار جيدة. وقد ساهمت خلال الفترة الماضية، بخفض سعر طحن الكيلوغرام من القمح بمقدار النصف، وذلك لدعم المزارعين”.

 

كما افتتحت الشركة خلال العام الماضي بحسب إسماعيل، فرنا لريف حمص الشمالي، تباع فيه ربطة الخبز التي تزن من 1000 إلى 1200كغ في الأحوال الطبيعية، بـ 50 ليرة سورية، بينما يتراوح سعر الربطة في الأفران الأخرى بين 140 و165 ليرة، وهذا كله يتعلق بمدى كمية القمح الذي تتمكن المؤسسة من تخزينه، بحسب ما يؤكده مسؤول المؤسسة.

 

وتسعى الشركة بحسب تصريحات القائمين عليها، إلى تخفيف وطأة الحصار من خلال مشاريع أخرى إضافية، كمشروع معمل أجبان وألبان، ومشاريع تصنيع مستلزمات العمل الزراعي وتوفير العلف للحيوانات.

أزمة مياه في الرستن

 

بالإضافة إلى معاناة الفلاحين وأهالي المناطق المحاصرة في الريف الشمالي لحمص من ارتفاع تكاليف الزراعة والحصاد، وازدياد خسائر محصول القمح بسبب تغير سعر الدولار، عادت أزمة المياه إلى المدينة منذ شهرين، بعد تعطل مولدة الضخ الرئيسية وعجز مؤسسة المياه عن إصلاحها.

وبحسب الناشط الإعلامي في الرستن، يعرب الدالي، فإن توقف الضخ سببه “عطل في المولدة الأساسية وعدم وجود بديل لها، حيث تبلغ كلفة الإصلاح 1000 دولار، وهو مبلغ غير متوفر بسبب فراغ المجلس المحلي بعد استقالة أعضائه وعدم انتخاب من يحل محلهم. لقد دخلت مؤسسات الثورة التابعة للمجلس في حالة تخبط وغاب التنسيق، خاصة مع دخول شهر رمضان”.

 

ووفق الناشط، فإن “سعر المتر المكعب الواحد من الماء يصل إلى 600 ليرة سورية، والأسرة الواحدة بحاجة إلى أكثر من 5 أمتار كمعدل ضروري في الشهر، وهذ يعتبر مصروفاً إضافياً يفوق قدرة المواطن الذي لا يملك ما يتدبر به أموره أساساً”.

كما أوضح الدالي أنه “لا بد من وجود مجلس محلي بشكل فوري لترتيب الوضع، لا سيما أن الحصار قد يعود بشكل أقسى خلال الفترات القادمة كما عهدنا من النظام، ولا بد من وجود مؤسسة تنظّم الأوضاع وتضع خططا للإغاثة”. وهو ما يستوجب البدء في التخطيط لمشاريع بديلة جديدة تساهم في التخفيف من آثار الحصار وتدفع باتجاه التمويل الذاتي بالمنتجات الزراعية على الأقل.

 

يذكر أن المناطق المحاصرة في حمص تنقسم إلى مناطق معزولة عن بعضها، ففي حين يحاصر النظام حي الوعر من كافة الجهات، فإن حواجزه وميليشياته والقرى الموالية له تحاصر الريف الحمصي المحرر والمكون من ثلاث مناطق رئيسية هي تلبيسة والرستن والحولة. ويقدر عدد المدنيين المحاصرين في كل هذه المناطق بقرابة 300 ألف مدني، بعضهم ممن نزحوا من مدينة حمص والقرى المجاورة. وتساعد المشاريع البديلة بعض سكان الريف المحاصر، بينما يبقى وضع حي الوعر هو الأسوأ نظرا لإحكام الحصار المطبق عليه، وافتقاره للمساحات الزراعية وإمكانية إقامة أية مشروعات مساعدة بديلة.

شاهد أيضاً

نيكي هيلي

النظام يعيد فتح معبر القنيطرة مع هضبة الجولان المحتلة

قالت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي مساء الجمعة إن إسرائيل والنظام والأمم المتحدة اتفقت …

الآثار السورية تُعرض في متحف روسي!

يستضيف متحف “بوشكين” الروسي للفنون الجميلة في موسكو قريبا معرضاً للقطع الأثرية والتحف الفنية السورية، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

sixteen − four =