الآن
الرئيسية / ثقافة / حياة عارية ومسروقة الأعضاء

حياة عارية ومسروقة الأعضاء

ميسون شقير /

فجأة سقطت كل ملامحي عني، مع أنها لم تكن إلا نسخة مزورة عن ملامحي التي تركتها هناك تنتظر على باب البيت، الملامح التي بقيت تنتظر وحين تتعب تأوي إلى وجه أبي، وإلى صوت أمي، أو تنام في البوم الصور. لكن، حتى النسخة المزورة سقطت عني فجأة، ورأيتها تهوي وتصطدم بأقدامي، ثم تغرق كاملة في هذا الوحل.

حاولت أن أستنجد بتلك الهوية الجديدة، أو الإقامة كما يسمونها هنا، علها تذكرني بملامحي المزورة التي سقطت مني لم أجد أية ملامح عليها، وحين عدت وفتشت في وثيقة السفر الجديدة التي أعطتنا إياها هذي البلاد الغريبة، لم أجد إلا أحرفا مشوهة تغطي كل الصفحة، أحرفا لم تعد تنتمي لأية لغة قالتها يوما الشفاه.

المكان هو الحدود المغربية الاسبانية بين مدينتي الناظور ومليلة، المسافة هي أربعة كيلومترا وقرن كامل من القهر، الزمن هو زمن ما بعد رحلات الموت المالح، وما قبل القيامة.

الناس على المعبر، بكل ألوان القهر، الأسمر العربي المغربي، الأسمر الجزائري، الأسود الأفريقي، يمرون أيضا بملامح مزورة، ملامح بلا ملامح، عيون مفتوحة بلا معنى، فقط يجرون خلفهم حياة ثقيلة، يحملون جوازات السفر التي يجب أن تحملهم كي يدخلوا أوروبا؛ الحلم الأزلي، وكي يكملوا فيها رحلة الهروب والجر. لكن وحدهم السوريون الواقفون عند المعبر، وحدهم يتفرجون على حياتهم الملقاة بجانبهم عارية ومسروقة الأعضاء، ووحدهم من هم مثلي سقطت عنهم حتى ملامحهم المزورة، سقطت واصطدمت بأقدامهم الحافية، وغرقت مع أحرف أسمائهم، مع أول أبجدية عرفتها البشرية، غرقت كاملة في هذا الوحل.

أم سورية تلقي بابنها من فوق جدار يصل ارتفاعه لأربعة أمتار، تلقيه بعد أن أصبح عمره تسع سنوات ولم يدخل المدرسة أبدا، ولم يعرف يوما كيف يكتب اسمه لذا فلا أبجدية لديه كي تسقط مع ملامحه في الوحل. تلقيه بعد أن أمضى آخر أسبوع بلا طعام، تلقيه وتعرف أنه سيصل إلى الأرض الإسبانية مع قلبها، مهشمين ومحطمين، لكنها تعرف أن لعنة ملامحه ستسقط عنه حين سيطلب اللجوء هناك، تلقيه وتلقي آخر احتمال لتوازن أمومتها فيها، تلقيه وتسقط غير قادرة على الصراخ، فقط تقول لو أن حبل سرته لم يزل معي كي أتنفس.

أصل المعبر كشاعرة سورية تحاول أن تهجئ الوجع السوري كي لا ينسى العالم أبجديتها، سورية مدعوة للمشاركة بمهرجان الناظور الدولي للشعر، أندلسية لاجئة في إسبانيا ، استلمت دعوتها للمشاركة بهذا المهرجان وذهبت بها للسفارة المغربية كي تتطلب فيزا لدخول المغرب، وهناك يلتقي بها القنصل في السفارة ويخبرها عن أسفه الشديد للموت الذي يحصل في سوريا، ويخبرها بكل فرح أنها لا تحتاج إلى فيزا فالعلاقات التي بين إسبانيا والمغرب هي علاقات مميزة جدا، وبناء عليها يحق لأي شخص يحمل وثيقة إسبانية أن يدخل المغرب دون تأشيرة، تعود وتسأله هل أنت متأكد، ويكرر إجابته الوحيدة وبكل ثقة، تشكره وتشكر لطفه، تحمل معها الجرح الطالع من المعنى، الجرح الشاعر الحقيقي لقصيدتها، وتذهب، يسبقها إحساس لم تكن قادرة على وصفه، فهي بعد سنتين ونصف ستسمع لغتها وستلقي وتتحدث فيها، وسيعود الكلام طيبا وشهيا، وستشرب صوت الآخرين حين سيلقون أو سيتكلمون، وستلتقي بمن يفهم سمرتها، ومن يترجم عنها عبء الكلام، ستصل المغرب العربي، سيبتل قلبها قليلا، وستبتل القصائد، ستبتل جدائل العبارات، وستنزل إلى قصيدتها تلك الغيوم.

أصل مع أربعة شعراء من أصل إسباني، نعبر المعبر الإسباني ونصل إلى شرطة الحدود المغربية كي نضع على الجوازات تأشيرة الدخول، إجراء روتيني فقط، هذا ما يقوله الشرطي الذي يستقبلنا باحترام مبالغ به ويعترف لنا أنه يحب الشعر وأنه كان يكتبه يوما، يخاطبني مثلما يخاطبهم بالإسبانية، ولكنه يغيب قليلا ثم يعود ويلفظ اسمي بالعربية وبتهكم واضح، يقول سورية أنت؟ توقعناك إسبانية. أقول أني لم أكن يوما أحب أن أكون غير سورية، يعود ويبتسم بتهكم ويقول: ربما اليوم لن تحبي ذلك، فالجميع سيدخل المغرب دون تأشيرة تبعا للعلاقات بين المغرب وإسبانيا، أما أنت فللأسف لا. “لكني أحمل وثيقة سفر إسبانية، وقد ذهبت للسفارة وقابلت القنصل”، نعم، نعم لكن القنصل ربما لم ينتبه جيدا بأنك سورية.

أنا أقف أمام الجدار العالي من جهة مليلة الإسبانية، أرفع قلبي وأرميه خلفه، ليصل إلى هناك مهشما وليعود إلى دمشقي لاجئا بلا قلب.

شاهد أيضاً

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three × 3 =