الآن
الرئيسية / ثقافة / حفلة نجاح هذا المساء

حفلة نجاح هذا المساء

ميسون شقير/

حين كنت في تلك البلدة الجالسة على حافة التاريخ، البلدة التي تقطع لك حبل سرتك بمقص البطولة وتستقبلك بأغاني يختلط فيها إيقاع الحزن بالرحيل والفقد، بالفخر والثورة، يختلط فيها العشق المسروق مع أحكام المضافة التي لا ترحم، تستقبلك الشوارب التي تمثل لك روح التحدي والجرأة في مقاتلة أي سبب للذل وبنفس الوقت هي نفس الشوارب التي تحكم بكل القسوة إذا غردت يوما خارج سرب هذا المجتمع الطيب والحنون، والقاتل بنفس اللحظة.

 

حين كنت في تلك البلدة الجالسة على كتف وادٍ خجول، كانت أهم قيمة معنوية هي قيمة التفوق الدراسي، التي كانت وحدها المنقذ من حالة الفقر العامة، والتي كانت تنمو بقوة في قرية نصف موظفيها معلمون ومدرسون، وكانت توزع المعلمين على كل القرى التي تجاورها ومن كل الجهات.

 

في تلك البلدة كنت منذ طفولتي أستفيق في أحد أيام الشهر السادس على صوت الإذاعة الأساسية الموضوعة فوق بيت جارنا العالي، وهي تعلن بكل ثقة نتائج امتحان الثانوية العامة بفرعيها العلمي والأدبي، إذ يذاع الاسم الثلاثي لكل طالب مع العلامات التي حصل عليها أولا بدون علامة مادة الديانة ثم مع علامة مادة الديانة، وتبقى الأسماء تذاع طيلة اليوم، وتتحول البلدة لخلية نحل، إذ يبدأ الجيران والأقارب والأصدقاء بالتوجه لبيت الناجح وتقديم المباركات وبعض الهدايا تبعا للحالة المادية للأشخاص ولدرجة القرابة والصداقة، وتبعا للعلامات التي حصل عليها الطالب الناجح. وكان الطلاب الذين حصلوا على علامات عالية يشعرون بنشوة وفخر متوجين من قبل كل أهل البلدة.

 

مذ كنت في المدرسة الابتدائية كنت أنتظر هذا اليوم، وكنت دائما أحلم بهذا التتويج وأتخيل نفسي واسمي يعلن على المايكرفون، وأتخيل وجه أمي ولمعة عيون أبي وتلك الإشراقة التي ستطل منهما، والتي ستكون أقل ما يمكن أن أقدمه لشخص قدم لي كل عمره.

 

نعم جاء ذاك اليوم، وحصلت بعد تعب هائل وبعد تخلي عن رغبتي بدراسة الفرع الأدبي، على أعلى علامات في الفرع العلمي في البلدة، وقد حصل معي صديقي اللدود الذي كان أجرأ مني وكان يقول كلمته ولا يخاف من أية سلطة، على نفس العلامات. وحصلت بعدي صديقتي الأجمل مني على المرتبة الثانية. أقام أبي منسفا كبيرا جدا لكل من علمني يوما، وحفلة صاخبة لأصدقائي ولم يكن يعنيني مستقبلي بشكل حقيقي، ولا شخصيتي المستقبلية، كل ما كان يشغلني هو عيون أبي وفخري أمام مدرسيي.

 

اليوم، لا تعلن الإذاعة في هواء تلك البلدة، إلا عن الموت والتشرد والرحيل. لكني اليوم هنا في غربتي، أفتح حاسبي لأعرف أن اليوم تعلن نتائج الثانوية العامة في كل العالم، العالم الذي لم أكن أعرف منه إلا تلك البلدة. تعلن النتائج على الفيس بوك، إذاعة العالم الجديدة، أقرأ وصوت الإذاعة في قريتي يملأ دمي: الأولى في الثانوية العامة الفرع العلمي في السعودية: السورية نادية حبوس. الأول في نتائج البكالوريا الفرع الأدبي في السعودية: السوري أحمد أنور عامر الدروبي. الأولى في علامات البكالوريا في الإمارات العربية: السورية هاجر أحمد قطيفان. الأول في علامات البكالوريا في فرنسا: السوري هيثم أسود. الطالبة الأولى في الثانوية العامة في ألمانيا: السورية نور ياسمين قصاب.

 

أعود وأكرر أسماء الطلاب السوريين المتفوقين في كل العالم، الطلاب الراحلين عن حياتهم وهوائهم، والذين لا يزالون يحملون معهم ذاك الحلم بذاك التاج. اليوم أقرأ أسماءهم هنا من وراء شاشة خرساء، وأدعي كل العالم على حفلة نجاح طويلة، سأقيمها في شراييني هذا المساء.

شاهد أيضاً

مسرحية «يوتيرن» لا نجاة من الطوفان … إلا بالعودة إلى النقاء

كانت تباشير هزيمة النازية قد لاحت في الأفق في الوقت الذي كتب الأميركي ثورنتون وايلدر …

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fifteen − 9 =