الآن
الرئيسية / ثقافة / بين موت وموت

بين موت وموت

ميسون شقير/

هم الآن هناك

تحت خط الحياة، يتذكروننا بين كل جلستي تعذيب، وحين يتذكرون يتعذبون أكثر.

هم هناك، بأجسادهم يدفعون فاتورة خوفنا كل تلك السنين، بآهاتهم يمتعون شهوة السجان ويخففون عنه انهزامه العميق.

يتركون حبيباتهم خلف الليل، ويتركون الليل خلف الباب الذي وعد أن ينتظر.

يتركون حياتهم بين أصابعنا، بكل رسائل العشق التي كتبوها ولم يرسلوها، بكل الأغاني التي كانوا يربونها مثلما يربون أطفالهم، بضحكات أطفالهم أول الصبح، وبدعوات الأمهات أخر المساء.

يتركون لنا تفاصيل أحلام خروجهم مرة أخرى إلى الحياة، تفاصيل أحلام عودتهم إلى القلوب التي سقت لهم شجر الأمل الطويل.

هم هناك وقد يتركون لنا أصواتهم في حناجرنا، يتركون صوت البلاد الطالع من هتافاتهم، حلم البلاد الساكن في النظرة التي تسيل من عين طفل تحت الركام، ويتركون لأغانينا لحن البلاد الصاعد من رقصة الشهداء الأخيرة.

هم لم يزالوا هناك، يأكلون الجوع النيئ بنهم، ويعرفون أن الوجبات القادمة ستكون كثيرة وكبيرة، يعيشون مع الوجع الذي لا ينام، مع اختلاط الدم والقيح والبول والرطوبة وجرذان وفئران الحياة.

هم هناك، وهناك يقتات دود الطغاة على قهرهم، وبكائهم الصامت، ويقتاتون هم على فتافيت الأمل اليابسة.

هم هناك في مصانع الموت المجيدة، يحرسون الظلمة جيدا، لا ضوء يجرؤ على الاقتراب، لا هواء، لا رفة جناح، ولا نجمة عابرة.

هناك في أقبية وزنازين الرأي يموت الرأي من التعذيب، هناك ينمو الفقد كمارد يدخل معهم إلى ذاك القمم، ويقول لهم “شبيك لبيك .. الموت والفقد بين يديك”.

هناك في زنازينهم، يختبرون إعادة التكوين حين يموتون ويعودون من الموت أحياء يجرون حياتهم خلفهم ميتة.

هناك تكون الصرخات قريبة جدا من الله، وتنشأ أصوات لم تعرف بعد إلى أية لغة تنتمي.

هناك يكون الهواء مكتظا بصور الذين كانوا يخبئونهم في عيونهم، بصور الذين كانوا ينبضون في صدروهم، قبل أن يأتي وينقذهم ملاك الموت الرحيم.

هناك، هي مساحة من اللا مكان و اللا زمان، ينال كل واحد حصته كاملة من الألم الجسدي الشديد، ومن العتمة والإهانة، وتنكمش روحه مثلما تنكمش الحياة، ويصبح كل من الفقد والانكسار أسياد الوقت الوحيدين.

هي التجربة التي إن خرجت منها حيا لن تخرج منك حتى تموت.

هي لحظة الاعتقال إما على الحدود، أو في البيت.. وجه الصبح، أو بعد المظاهرة، هي حياة كاملة، هي رعب لحياة كاملة، وهي الموت الأخير للخوف.

هي زمن فنجان القهوة التي يدعوك إليه ضابط الأمن والذي قد يدوم سنوات.

هي زمن غربتك عن نفسك التي لن تعود قريبا منها أبدا بعد هذا الفنجان من القهوة.

يقول السجين السياسي غسان جباعي في مجموعته الشعرية “رغوة الكلام”:

” في عتمة السجن

تصبح الأشياء شفافة كالعين

ويستطيع الأعمى أن يلمس السماء بالأصابع..”.

فيمثّل غسان بصوته هذا، كل المعتقلين الذين يخرجون من سجنهم، لكن سجنهم لم ولن يخرج منهم. بل ستظل تلك الفترة من اللا حياة في حياتهم، حاضرة بكل حرف سيكتبونه بعدها، وفي كل عمل سيحاولون فيه أن يقتلوا مارد الفقد الذي دخل قمم أرواحهم، وكأنهم يستعيدونه بالفن، بالكتابة، بالحديث، بالصمت القاتل، ليستطيعوا هم أن يدفنوا هذا الوجع، فينسوا قليلا، وليحملونا نحن عمق ووحشية هذا الوجع، فلا ننسى.

هي المسافة بين موت وموت، وهي شفاههم وهم يسترجعون وجوهنا، مدينة، مدينة، بلدا بلدا، ويهتفون لنا خلسة عن السجان وعن ضباط التحقيق: نعرف أنكم لم تنسوننا، وأنكم لن تنسوا.

شاهد أيضاً

مسرحية «يوتيرن» لا نجاة من الطوفان … إلا بالعودة إلى النقاء

كانت تباشير هزيمة النازية قد لاحت في الأفق في الوقت الذي كتب الأميركي ثورنتون وايلدر …

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

تعليق واحد

  1. اول سطرين بكوني ياريت تترجم للانكليزي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 4 =