الآن
الرئيسية / رأي / التاريخ المزور

التاريخ المزور

خضر الآغا - صدى الشام/

ماذا لو أن هتلر انتصر في الحرب، ولم ينتحر؟ ما هو التاريخ الذي كنا نعيشه بعد ذلك، والآن؟ كيف ستبدو صورة هتلر في وجدان الشعوب؟ أغلب الظن أنه سيكون بطلاً كونياً، وستكون النازية عنواناً كبيراً لقيم التحرر البشري! فانتصار الاتحاد السوفييتي برئاسة ستالين جعل من القيم التي نشرها طريقاً لتحرر الشعوب. وفي الصراع التاريخي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي انتصرت الولايات المتحدة، ولو أنها لم تفعل لظل ستالين كما هو في الصورة التي رسمت له: قائداً تاريخياً يحتذى! إلا أن هزيمة بلاده جعلت الولايات المتحدة ومفكريها وكتابها ومناصريها وأعداء السوفييت ينهالون على نبش المخزون الستاليني والسوفييتي وإظهاره بوصفه نقيض التحرر البشري، بل أكثر: بوصفه كابحاً له.

 

الفاصل في التاريخ هو من ينتصر، المنتصر هو الذي يكتبه، وينشر القيم التي يراها محققة لمجده وغاياته.

الأمر ذاته ينطبق على صلاح الدين الأيوبي كمثال، فلو لم ينتصر في صراعه مع أعدائه الذين سموا أنفسهم بـ (الصليبيين)، فهل كانت صورته في التاريخ تشبه صورته الآن؟ أغلب الظن، لا. سيكون صورة أولى ومبكرة للإرهابي المسلم الذي ارتكب المجازر تلو المجازر بحق دعاة الخير ومحرري العالم والباحثين عن الضوء المسيحي في ظلام العالم! إلا أنه انتصر وكتب التاريخ وفق ما يريد وارتسمت نهائياً، لحد الآن على الأقل، صورته كواحد من أبهى قيادات المسلمين وأكثرهم إصراراً على تحرير مقدساتهم وبلدانهم من رجس (الصليبيين)، وأكثرهم إيماناً ورحمة حتى بأعدائه.

 

بعد وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في مصر، بما يدل على أنه (انتصر)، تروج وسائل الإعلام المصرية الموالية له أن ثورة 25 يناير لم تكن ثورة، وإن هي إلا حركات غوغاء اندفعوا بإيعازات من أعداء مصر… ولو لم يكن التاريخ طازجاً بعد لتم تصنيف تلك الثورة بالصورة نفسها التي يتم ترويجها الآن، إلا أن طزاجة التاريخ، وكونه لم يزل في طور التكوين، هي التي منعت ذلك التصنيف.

 

الأمر ذاته ينطبق على الثورة السورية. فلو انتصر النظام ستكون مجرد هجوم إرهابي شرس مدفوع من أعداء سوريا البلد والحضارة والتاريخ والمقاومة، وسيبدو النظام في التاريخ على أنه مثال الأنظمة الوطنية والإنسانية التي دافعت ليس عن البلد فحسب، بل دافعت عن العالم بالنيابة عنه من خطر الإرهاب المتفشي والذي يطال، يومياً، العالم كله. وستبدو روسيا – بوتين على أنها تمثل الشعوب المظلومة في العالم كافة، وأنها دحرت الإرهاب في أكثر مناطق العالم توليداً له. وسيكون بوتين غيفارا العصر! وسيرسم الشباب صورته على ملابسهم، إنما بلا سيكار كوبي، بل ربما بزجاجة فودكا ثورية! الأمر ذاته، بل ربما أكثر شناعة، ستبدو إيران زعيمة مسموعة الكلمة للعالم الإسلامي الشيعي، وستكون ولاية الفقيه هي الوصفة الأكثر انحيازاً للإنسان والبشرية في تطلعاتها لبناء دولها ومجتمعاتها، وسيكون القتل فعلاً إيجابياً في سبيل الولي الفقيه وأنصاره.

هذه عينة مما يعنيه انتصار النظام.

 

التاريخ يكتبه المنتصر، وتنتشر قيمه في العالم بوصفها هي القيم الصحيحة والقادرة على بناء الإنسان في صورته الأكثر بهاءً. أما ما يكتبه المهزوم، فسوف يبقى في الرفوف الخلفية والبعيدة والغائرة من مكتبات العالم، إن لم يتم نسفه: إحراقاً وإخفاءً ومحواً. مع أنه سيجد من ينبشه ويتعاطف معه، ويشكل بذرة ضئيلة لشجرة يطمح زارعوها لأن تكبر وتكون قوية بما يكفي. شأن كافة الحركات الهامشية في التاريخ التي وقفت، ولم تزل، ضد سلطة القوة، وسلطة تزوير التاريخ.

 

لكن الأكثر أهمية هو عدم السماح بانتصار قوى الاستبداد، لتكون الحقيقة هي التي تحرك التاريخ.

شاهد أيضاً

الحقائق مخاليق عنيدة

الحقائق مخاليق عنيدة قاهرة؛ مهزومٌ من لا يواجهها، ومنتصرٌ من يتدبَّر أموره معها في لحظات …

جلال بكور

المفاوضة بالسلاح أو على السلاح

أن تفاوض في مرحلة القوة وقرب إحراز النصر يعني أنك تريد أكبر مكاسب بأقل ثمن، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

one × 2 =