الآن
الرئيسية / رأي / شرع الله.. الفيدرالية… والشيطان

شرع الله.. الفيدرالية… والشيطان

عبد القادر عبد اللي

 

“الإغراق بالتفاصيل” ليست نظرية من اختراع وليد المعلم. فالمثل القائل: “الشيطان يكمن في التفاصيل” هو الأصل لهذه النظرية، والتي يعود تاريخها إلى ما قبل ولادة جد المعلم ومعلم المعلم. لذلك لا بد من الحذر من أي قضية تبدو براقة، لأنه مع الدخول في تفاصيلها سيمد لنا الشيطان رأسه بقوة…

لنكن واقعيين ونعترف أن غالبية الناس انجذبت لعبارة “شرع الله” عندما بدأت الفصائل تطرحها في البداية، فهي مصطلح جميل. ولعل الثقافة الدينية التي نتلقاها منذ الصغر تجعلنا نقبلها دون نقاش أو تردد. ولكن عند الممارسة على الأرض وجدنا أن هناك شرائع كثيرة تحت مسمى “شرع الله”، فتنظيم القاعدة يريد أن يفرض شرع الله، وتنظيم الدولة الإسلامية أيضاً يدّعي أنه يطبق شرع الله، ولعل الفصائل المقاتلة كلها -الموالية والمعارضة- تدّعي أنها تطبق شرع الله أو ستطبقه، ولكل منها مستند تنتقيه من شرع الله لإثبات صوابية مشروعها أو ادعائها. وهكذا عندما نقول شرع الله لن يبرز لنا “بضع وسبعون” أو “ثلاث وسبعون” فرقة أو شعبة، كما ورد في الحديث، بل يمكن أن يكون هناك بضع وسبعمائة شعبة، وكلها تدّعي أنها “الناجية”، وهي التي تطبق “شرع الله” الصحيح. وهناك من سيرد، ويثبت لها أنها خارجة عن شرع الله، وتدور الدوامة التي لا يمكن الخروج منها كما يبدو.

لا تختلف الفيدرالية كثيراً عن هذا الموضوع إلا في نقطة واحدة. فشرع الله مقبول من الجميع، وحتى إن الذي لا يقبل به لا يجرؤ على البوح برفضه علناً، ولكن الفيدرالية قضية مذمومة ملعونة في الذاكرة الجمعية، ولعل هذا ما جعل أدعياء الفيدرالية يزينونها، ويضربون الأمثال الجميلة على الفيدراليات العالمية. وبالطبع فإن أكثر العبارات إنشاداً: “الولايات المتحدة الأمريكية فيدرالية، وهي أعظم دولة في العالم، فلماذا لا نكون نحن فيدراليين؟”.

وانطلاقاً من ركوب الموجة، مثلما كان كل من يريد تمويلاً يختار اسماً إسلامياً لمجموعته، ولقباً من صدر الإسلام لنفسه، ويطلق لحيته، ويحف شاربيه، أصبح اليوم كل من يريد تمويلاً يطلق تعبير “الفيدرالية”، ولكن مثلما لم يكن أحد يدخل بتفاصيل شرع الله الذي يعلن “المجاهدون” أنهم سيطبقونه، لا يدخل اليوم أحد بتفاصيل “الفيدرالية” التي تعلن الموجة الجديدة من السياسيين تبنيها.

بالطبع، الفيدرالية المطروحة في سورية لا تشبه الفيدراليات السائدة في العالم، فالولايات الأمريكية غير مقسمة على أساس طائفي أو قومي، ولا الفيدراليات الروسية والكندية والبرازيلية والأسترالية والهندية وغيرها. ونادرة جداً الفيدراليات المقسمة على أساس طائفي أو عرقي، لهذا عندما سيتم الدخول بتفاصيل الخرائط والحقوق للمواطنين المختلفين بالانتماء القومي أو الديني سيكون هناك ألف جدار وجدار.

هناك من فوجئ بخريطة حزب الاتحاد الديمقراطي المعلقة في مكتب حزب الاتحاد الديمقراطي في موسكو، وأنا فوجئت بمن تفاجأ، فهذه الخريطة جزء من خريطة أخرى علقت في مكتب الحزب الديمقراطي الكردستاني في أنقرة قبل أكثر من عشر سنوات، واعترض الأتراك يومئذ، ورفعت الخريطة من المكتب. ولكن هلي يعني رفع الخريطة إلغاءها؟

عندما بدأت الثورة السورية حاولت السلطات التركية احتواء المعارضة السورية لأسباب عديدة لعل أهمها “عدم تشكل بنية تهدد أمنها القومي”. وفي هذا الإطار، تواصلت “تشكيلات المخابرات التركية” مع صالح مسلم، وحاورته كثيراً. وبحسب التسريبات التي لا يمكن التأكد من صحتها، ولكن الوقائع على الأرض تجعلها مقنعة، لم تكن تركيا رافضة للإدارة الذاتية بالمبدأ، ولكن الخلاف كان في التفاصيل. وأهم هذه التفاصيل هي حدود كنتونات الإدارة الذاتية، ووضع المواطنين غير الكرد في تلك المناطق. فالمناطق المرسومة في خريطة كردستان الكبرى تضم مناطق سورية -وحتى ضمن حدود الجمهورية التركية الحالية مثل لواء اسكندرون- ليس فيها كرد نهائياً تقريباً، وهي بالنسبة للأكراد مناطق معربة أو مترّكة. بمعنى آخر، لا يحق للمواطنين الساكنين فيها البقاء ضمن حدودها، وعليهم الذهاب إلى الإقليم العربي السني أو أي مكان آخر يختارونه. وعلى الرغم من رفض حزب الاتحاد الديمقراطي التهم الموجهة إليه بأنه يهجر القوميات الأخرى في المناطق التي يسيطر عليها، فإن حليفته الأقرب، الولايات المتحدة الأمريكية، اعترفت بالتهجير، وطالبت هذا الحزب مرات عديدة بإعادة المهجرين، ولم تلق هذه النقطة أي تجاوب.

بمعنى آخر عندما سندخل في حدود المنطقة الفيدرالية الكردية سيكون هناك ألف مشكلة ومشكلة، ولعل الأمر لا يمكن تحقيقه إلا في ظل “ترانسفير” حقيقي، وتغيير ديموغرافي.

من جهة أخرى هل تختلف المنطقة العلوية من ناحية الحدود والبنية السكانية؟ إن سياسة الأسد بإبعاد أي شكل من أشكال التنمية عن المناطق العلوية جعلها فقيرة، تعتمد على الفساد، وهذا ما جعل أكثر علويي سورية يسكون المدن ذات الغالبية السنية، وأصبحت قراهم شبه خالية إلا من الشيوخ والعجائز. وهكذا فإن تلك المناطق تضم من السنة والمسيحيين أعداداً كبيرة. وعند مناقشة حقوق هؤلاء سيدخل الشيطان بالتأكيد، ويبدأ الصراع بين هذه المكونات.

الأمر لا يتخلف أيضاً بالنسبة إلى الدروز الذين يتوزعون على ثلاث مراكز في الجولان ودمشق والسويداء، فلو جمعت هذه المنطقة في إدارة فيدرالية يمكن أن يكونوا أقلية فيها، وهذا ما سيفتح الباب أمام مشاكل أكثر تعقيداً.

هناك من يصفق حالياً للفيدرالية كما صفق كثيرون لتطبيق “شرع الله”، ولكن التفاصيل ستدخلنا في صراع آخر. أو بمعنى آخر، ستنقلنا من صراع إلى صراع… فمن سيقول فيدرالية عليه أن يرسم الخرائط، ويحدد الحقوق والواجبات قبل أن يقول فيدرالية… وسنرى النتيجة حينئذ…

شاهد أيضاً

الحقائق مخاليق عنيدة

الحقائق مخاليق عنيدة قاهرة؛ مهزومٌ من لا يواجهها، ومنتصرٌ من يتدبَّر أموره معها في لحظات …

جلال بكور

المفاوضة بالسلاح أو على السلاح

أن تفاوض في مرحلة القوة وقرب إحراز النصر يعني أنك تريد أكبر مكاسب بأقل ثمن، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − one =