الآن
الرئيسية / تحقيقات / بعد خمس سنوات من الحرب الاقتصاد السوري يكشف الحجم الحقيقي للكارثة

بعد خمس سنوات من الحرب الاقتصاد السوري يكشف الحجم الحقيقي للكارثة

محمد صالح

 

يعتبر الاقتصاد بتعريف الخبراء، “عصب الحياة”، كونه يعكس الواقع المعيشي للبلد. وليس خفياً على أحد حجم تأثر الاقتصاد السوري بالحرب التي يشنها النظام على الشعب، ليعيد “عصب الحياة” عقوداً إلى الوراء، بعد أن كان يصنف في السابق على أنه اقتصاد واعد.

فقد قضى الاقتصاد السوري إلى الآن نحو 6 أعوام في غرفة الإنعاش، متعرضاً لكافة الحوادث الاقتصادية الحرجة التي تصعب “مداواتها”، بعدما فتكت الحرب بكل الجسد الاقتصادي. فالحرب لم تخلف أكثر من 200 ألف قتيل فقط، بل تردى خلالها الوضع الاقتصادي إلى درجة لا تمكن معها مقارنة الاقتصاد خلال أعوام الحرب بما كان عليه في الأعوام التي مرت قبل ذلك.

اختلف الباحثون الاقتصاديون والمسؤولون الحكوميون في تسمياتهم للاقتصاد السوري خلال الحرب. فحكومة النظام التي يرأسها وائل الحلقي، أسماه بـ “اقتصاد الحرب”، بينما عنونه المركز السوريّ لبحوث السياسات بـ”مواجهة التشظي”. أما الباحث الاقتصادي سمير سعيفان، فوصفه بعودة الاقتصاد إلى العهد العثماني، وقال رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا إنه متخوف من تعليق شهادة وفاة الاقتصاد السوري.

ويمكن إرجاع هذا الاختلاف في التسميات لعدة أسباب، أهمها صعوبة تقدير الخسائر والأرقام، سواء من جهة النظام أو المعارضة. فقد قدر النظام الخسائر بـ 32 مليار دولار، أما المركز السوريّ لبحوث السياسات فقدّرها بـ 254 مليار دولار، في حين تتبنى مجموعة عمل اقتصاد سوريا الإحصائية الأكبر وتصل إلى 300 مليار دولار. فيما ذكر تقرير لمؤسسة وورلد فيجين، أن التكلفة الاقتصادية للحرب في سوريا ستقدر بنحو 700 مليار دولار أميركي، إذا انتهت هذا العام، وهو السيناريو “الأكثر تفاؤلاً”.

ووفقاً للتقرير، فإن الحرب فيما لو استمرت حتى العام 2020، فإن كلفتها الاقتصادية قد ترتفع إلى تريليون وثلاثمائة مليار دولار. ووفقاً لبيانات البنك الدولي، شهد الاقتصاد مرحلة النمو الحقيقي المستقر في الفترة بين 2006م و2010م بمعدل وسطي قدره 5%، وكانت تلك إحدى أعلى نسب النمو المسجلة في إقليم الشرق الأوسط.

الاقتصاد السوري في 4 مراحل

مرت الأنشطة الاقتصادية بعدة مراحل خلال الحرب التي شنها نظام الأسد على السوريين المطالبين بالحرية، ويمكن أن نلخصها بالآتي:

المرحلة الأولى من النصف الثاني لعام 2011 وحتى نهاية 2012: مرحلة الصدمة للأنشطة الاقتصادية، حتى أن البعض منها وصل إلى درجة الشلل، وانهيار النمو الاقتصادي، هجرة رؤوس الأموال، وسرقة الآليات والمعدات، لا سيما في المناطق الساخنة.

المرحلة الثانية خلال 2013: محاولة امتصاص الصدمة، والسعي إلى النهوض الجزئي، والتحول إلى اقتصاد الحرب، بعد أن تبين أن انتهاء الأزمة سيستغرق وقتاً طويلاً، حيث الأولوية هي لتأمين المواد الأساسية كالوقود والغذاء، لذلك بدأت عجلة بعض الأنشطة الاقتصادية بالدوران شيئاً ما، وسط تراجع في نشاط العديد من القطاعات الإنتاجية.

المرحلة الثالثة خلال 2014: كان هناك نوع من محاولات السير نحو الأمام، والنهوض الواضح على جميع المستويات، بما فيها التصدير، لكن فقط بنسبة لا تتجاوز بأي حال من الأحوال 30% من وضع ما قبل الحرب.

مع دخول الحرب عامها الخامس، وسع المجتمع الأهلي من دوره في الحياة الاقتصادية، ونجحت مؤسساته في بناء شبكة تكافل اجتماعي على امتداد المدن والبلدات، لا نظير لنطاقها في تاريخ سوريا الحديث.

المرحلة الرابعة: مع دخول الحرب عامها الخامس وحتى الآن، بدأنا نرى أن بعضاً من القطاعات الإنتاجية الرئيسية قد بدأت مسيرة التعافي، لا سيما في مناطق المعارضة، خصيصاً في مجال الزراعة. كما فُتح عدد من القنوات البديلة على مستوى التجارة العامة والخاصة تصديراً واستيراداً، ووسع المجتمع الأهلي من دوره في الحياة الاقتصادية، ونجحت مؤسساته في بناء شبكة تكافل اجتماعي على امتداد المدن والبلدات، لا نظير لنطاقها في تاريخ سوريا الحديث.

الليرة السورية

بدأ انهيار الاقتصاد السوري مع سقوط الليرة السورية أمام الدولار، ليصل سعر الصرف حالياً إلى 450 ليرة سوريا. إضافة إلى استهلاك أغلب احتياطات النقد الأجنبي الذي كان يبلغ في 2011م نحو 20 مليار دولار، وتراجعت الإيرادات العامة للدولة، وتوقف تنفيذ اتفاقات التمويل الأجنبية بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا.

ووفقاً لدراسة أعدها معهد كارنيغي، فإن استمرار الحرب وزيادة الطلب على العملات الأجنبية، وظهور آثار الحصار المفروض على سوريا، خفض قيمة الاحتياط النقدي، ودفع بالاقتصاد السوري إلى التآكل بمعدل نصف مليار دولار كل شهر، ما دفع الليرة إلى هذا الهبوط الجنوني، وهو السبب الأساسي الذي يدفع مصرف سوريا المركزي لدى النظام إلى محاولة الإبقاء على سعر الصرف مستقراً، الأمر الذي لم يحدث إلى الآن.

إن انخفاض قيمة الاحتياط النقدي، وتآكل الاقتصاد السوري بمعدل نصف مليار دولار كل شهر، هو ما دفع الليرة السورية إلى هذا الهبوط الجنوني

ومن العوامل التي خفضت سعر الليرة هروب رؤوس الأموال، والمقدرة بنحو 22 مليار دولار، من سوريا للخارج، وخروج ما يزيد على 60% من رجال المال والأعمال السوريين. وتعدّ كل من تركيا والعراق وألمانيا ومصر من أوائل الدول التي جذبت رؤوس الأموال السورية، وقدّمت التسهيلات الكافية لإنشاء مشاريع استثمارية على أراضيها.

الخاسر الأكبر

يعد المواطن الخاسر الأكبر من انهيار الاقتصاد ولاسيما الليرة السورية، حيث أظهر آخر مسح لإنفاق الأسرة السورية، والذي أجراه المكتب المركزي للإحصاء في 2010، أن متوسط إنفاقها شهرياً في حينه حوالي 30.900 ألف ليرة (618 دولار)، منها مبلغ 231.48 دولار قيمة الإنفاق الشهري على المواد الغذائية اللازمة لأسرة مكونة من 5 أشخاص. وبحسب تقديرات مكتب الإحصاء لمعدلات التضخم السنوية، فإن معدل التضخم التراكمي في سـوريا منذ ما قبل الحرب في 2010 وحتى نهاية 2013 بلغ 173%.

وإذا ما عكس معدل التضخم على تقديرات الإنفاق في 2010، فإن إنفاق الأسرة السـورية المكونة من خمسة أفراد شهرياً يعادل 84.400 ألف ليرة سـورية، وهي تعكس الحاجة الفعلية للأسرة السـورية شهرياً، وبما أن متوسط الأجور في سـورية عام 2014 بلغ تقريباً 25 ألف ليرة، فإننا أمام نسبة كبيرة من السوريين تقع تحت خط الفقر، تجاوزت نصف سكان سوريا.

انخفض متوسط استهلاك الأسرة من المواد الغذائية حالياً بمقدار 68.93%، وهو أقل من مثيله في بعض الدول التي تعاني من المجاعة مثل مالي وغيرها.

وفي ظل الحرب المستمرة، فإن متوسط استهلاك الأسرة من المواد الغذائية حالياً تجاوز مبلغ 71.92 دولار، ما يعني انخفاض ذلك المتوسط شهرياً بمقدار 68.93%، وهذا يعد قليلاً جداً إذا ما قورن ببعض دول العالم، حتى إنه أقل من بعض الدول التي تعاني من المجاعة مثل مالي وغيرها.

قطاعات الدخل الوطني

يمكن تصوير فداحة الضرر الاقتصادي في سوريا على المجتمع الذي يعتمد 80% منه على البرامج الزراعية التي تديرها حكومة النظام، وتمثل الزراعة الآن نحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي، وقدرت خسائر القطاع الاقتصادي بأكثر من مليار دولار منذ آذار 2011.

وتراجع الناتج المحليّ للزراعة بنسبة 15% في العام 2014، مقارنةً بعام 2013، ويعزى 80% من هذا الانكماش إلى التراجع في الإنتاج النباتي الذي يعكس التدهور الملحوظ في غلة عدد من المحاصيل.

كما أن خارطة الحرب المتغيرة في سوريا، من حيث مناطق النفوذ بين النظام والمعارضة، أضرت بشدة قطاع النفط، الذي يعتبر شريان البلاد الرئيسي من العملة الصعبة، والذي يشكل نصف دخل الدولة السورية، فقد انخفض الإنتاج بنسبة 96%، لأن حقول النفط أضحت تحت سيطرة تنظيم الدولة “داعش” المتحكم بثلث الأراضي السورية، ناهيك عما تسيطر عليه المعارضة منذ عام 2011.

انخفض إنتاج النفط بنسبة 96%، لأن حقول النفط أضحت تحت سيطرة تنظيم الدولة “داعش” المتحكم بثلث الأراضي السورية، بالإضافة إلى ما تسيطر عليه المعارضة منذ عام 2011.

وتقدر وزارة النفط والثروة المعدنية بدمشق قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالقطاع النفطي خلال الأزمة بنحو 27 مليار دولار.

جولة سريعة

إذا ما قمنا بجولة سريعة على باقي القطاعات الاقتصادية في سوريا، وكيف تأثرت خلال الحرب، نجد أن قطاع التجارة واجه الكثير من العقبات منذ بداية الحرب ولازال الأمر مستمرا. وقد انعكس ذلك بشكل سلبي على السوق، حيث ارتفعت الأسعار بأكثر من 5 أضعاف في المناطق الآمنة أو شبة الآمنة، وبأكثر من 50 ضعفاً في المناطق المحاصرة.

أما القطاع الصناعي، فقد أدّى طول الحرب إلى إعلان العديد من المصانع إغلاقها أو إفلاسها، وترافق ذلك مع تخريب كبير طال الشركات والبنية التحتية نتيجة تنامي أعمال النهب والسلب.

قدرت وزارة السياحة في حكومة النظام الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي تعرّض لها القطاع السياحي خلال الحرب، بنحو 330 مليار ليرة سنوياً، في حين بلغت الأضرار نحو 1.437 مليار دولار

ولم يكن قطاع السياحة بأفضل حال، حيث قدرت وزارة السياحة في حكومة النظام الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي تعرّض لها القطاع السياحي خلال الحرب، بنحو 330 مليار ليرة سنوياً، في حين بلغت الأضرار نحو 1.437 مليار دولار.

وكان نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات، وزير الإدارة المحلية في حكومة النظام، عمر إبراهيم غلاونجي، قدكشف في أيلول الماضي، أن الخسائر التي لحقت بالقطاع الحكومي في سوريا، منذ آذار 2011، بلغت 7144 مليار ليرة، تتألف من خسائر مباشرة بقيمة 1495 مليار، وأخرى غير مباشرة بلغت 5649 مليار.

حلول بديلة

أمام حجم الدمار الذي خلفته حرب النظام على السوريين، كان لا بد من حلول بديلة بأساليب بدائية، فابتكر السوريون أساليبا تعوض هذا التدهور الذي أصاب الصناعة والتجارة والمحروقات والكهرباء والخبز.

ويؤكد نائب رئيس مجلس إدارة المنتدى الاقتصادي السوري، تمام البارودي، في تصريح سابق له، أنه توجد في ريف دمشق تجارب ناجحة لسوريين ولّدوا الكهرباء من الطاقتين الشمسية والريحية، لتعويض الانقطاع الهائل في التيار الكهربائي. موضحاً أن “الأزمة أنعشت عادات تعيشها بعض الأرياف والقرى السورية بالأصل، مثل الزراعة على أسطح البنايات وفي حدائق المنازل”.

مشروع الحل بحسب شاهرلي

الخبير الاقتصادي محمد شفيق شاهرلي، وفي دراسة له عن الواقع الاقتصادي في سوريا نشرها موقع الاقتصادي، اقترح عدة نقاط لإصلاح الاقتصاد، تبدأ من وضع خطة متوسطة وطويلة الأجل، تتضمن إصلاح دمار البنية التحتية وتدهور الإنتاج الصناعي والزراعي والتجاري والخدمي، ومعالجة عودة المهجرين والنازحين إلى مناطقهم مقابل الانخفاض الحاد في عدد الوحدات السكنية التي دمّر الكثير منها في الحرب، حيث يجب إعادة بناء وحدات سكنية وفق مخططات تتناسب مع حجم المهجرين والنازحين، إضافة إلى ترميم القطاع الصحي الذي تضرر جزء كبير منه مع النقص الحاد في الكادر الطبي الذي هاجر معظمه، وإطلاق برامج تأهيل للعاطلين عن العمل والذين تضررت منشآتهم، وإيجاد فرص عمل من خلال مكاتب متخصصة في التوظيف وتدريب الموارد البشرية، مع صب اهتمام كبير على عملية تمويل المشاريع المتوسطة والصغيرة.

ومن المهم كذلك النهوض بقطاعات السياحة والتجارة الخارجية والنفط، والتي تشكل عامل جذب للقطع الأجنبي، ومعالجة أضرار القطاع الصناعي ودعم إنتاج السلع القابلة للتصدير.

كما يجب إعادة تأهيل قطاع الزراعة وتمويل وإعادة بناء المنشآت الزراعية، وتقديم الدعم النوعي الموسمي لقطاع الزراعة وفق خطة عمل الإنتاج الزراعي، ودعم التصدير والحد من الاستيراد، إلا لما يلزم عملية إعادة البناء وبعض المواد الاستهلاكية غير المتوفرة حرصاً على توفير القطع الأجنبي. واعتماد سياسات ترشيد الاستيراد لجهة السلع الضرورية سواء من قبل القطاع العام أو الخاص، بحيث تمنح تسهيلات للمستوردين لسلة من السلع الاستهلاكية الضرورية، وفق مراجعة أنماط الاستهلاك وتحديد مكونات السلة.

ولابد من نشر ثقافة إدارة استهلاك جديدة للتأقلم مع الواقع المفروض، وتحفيز المنتج الوطني ودعمه، لما لذلك من أثر على المستويين الاستهلاكي والاستثماري، ورسم سياسات مالية وضريبية تتناسب مع الوضع الاقتصادي الجديد لحفز عجلة الإنتاج.

وكذلك فإن النهوض بقطاع التعليم وترميم ما دمر من مدارس ومراكز تعليمية، من الدعائم الأساسية للنهوض بالاقتصاد مرة أخرى، فالنهضة الحقيقية تكون من خلال التعليم والارتقاء بالاقتصاد السوري نحو اقتصاد المعرفة.

لا يعتبر اعتماد اقتصاد النظام على المساعدات الخارجية مؤشراً عن قرب انهيار النظام اقتصادياً، لكن من المتوقع أن ينكشف النظام على أزمات أكثر إيلاماً خلال 2016.

في الختام، لا بد من الإشارة إلى أن اقتصاد النظام، يعيش اليوم على المساعدات المقدمة من الدول الداعمة له، من إيران على وجه الخصوص، إذ يُقدر حجم الديون الخارجية بأكثر من 10 مليار دولار. ومع هذا، لا يعتبر ذلك مؤشراً عن قرب انهيار النظام اقتصادياً، غير أنه في العام 2016 من المتوقع أن ينكشف النظام على أزمات أكثر إيلاماً.

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fourteen + ten =