الآن
الرئيسية / ثقافة / بشير العاني .. سنقرؤك كثيرا… كي نحييك

بشير العاني .. سنقرؤك كثيرا… كي نحييك

حين يُقتل الشاعر، تسقط السماء إلى حفرة في الأرض، تسقط بكامل نجومها، وتترك هذا الكون في الهاوية.

 

الخميس، العاشر من آذار، استفاق النهار على خبر التهم شمسه دفعة واحدة، حين نشرت صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية نبأ إعدام الشاعر السوري جميل الروح والكلمة والوجه، الشاعر محمد بشير العاني، ابن دير الزور بكل أرضها، وابن الفرات بكل ما حمل الفرات من ذاكرة.

 

نعم لقد أُعدم الشاعر العاني مع ابنه الوحيد إياس، على يد مرتزقة الأرض الذين صنعهم هذا النظام القاتل ومولهم وحماهم بكل قدرته، كي يشوهوا ملامح الثورة الأنبل والأجمل التي عرفتها البشرية، والذين جعلهم أيضا كيانا خارجا من عصور ما قبل الحجري. وبمساعدة واتفاق كامل مع هذا العالم النذل، حولهم هذا النظام المجرم لحماره الذي يركبه كي يصل به إلى رؤوس الناشطين السلميين، وإلى المبدعين، وإلى القلوب الواسعة التي يدمّر وجودها كيانه، والتي بإنسانيتها وصوتها تقتل حجته التي يتبجح بها من اليوم الأول في هذه الثورة، بنكران أن ما يحصل هو ثورة، وباتهام كل هذه الألوف التي ملأت الشوارع بأنها مجرد جماعات إسلامية تكفيرية ممولة من الخارج، وأنها نفوس ضعيفة مريضة خائنة خانت الوطن. وقد جعل النظام من الدين المشوه ومن المال القذر جزرة أمام هذا الحمار، بحيث يطيع دائما وينفذ، ويستقطب مرتزقة الأرض كلها.

 

لم يكن إعدام الشاعر محمد بشير العاني على أيدي الطغاة هو الأول منذ بداية الثورة السورية، فالكلمة كانت دائما العدو الأول للطغاة لقدرتها الخفية والعميقة بأن تكون السلاح الأجمل الذي يهز عروشهم حتى العمق. وقد دفع سابقا كل من الكاتب السوري محمد رشيد الرويلي، والكاتب وليد خريط، وكلاهما من أعمدة الكتابة والمعرفة، ومن أبناء الفرات الذي لا يخون، حياتهم مقابل الكلمة. كما اعتقل النظام المجرم الشاعر السوري إياد شاهين، الذي ترك في الوجدان السوري الكثير من الدهشة والعمق، وقتله. ولعل قتل ناجي الجرف شاهد آخر على خوف الطغاة من الكلمات. ذلك الخوف الذي يقودهم إلى قتل الكاتب ذاته أو الاقتصاص منه بقتل أحد أولاده تحت التعذيب أو بتصفيته خارج السجن. وقد تكرر ذلك مع الكثير من الكتاب السوريين، كالكاتب فايز سارة الذي تمت معاقبته بابنه. بالإضافة إلى الكثير من الأمثلة التي قد تحتاج لمجلدات لسرد تفاصيلها.

 

كان محمد بشير العاني، من مواليد عام 1960، شخصا ودودا قريبا للروح بشهادة من عرفه، مثلما كان طالبا متميزا يحمل روحا شفافة عالية الرهافة. درس فرع الهندسة الزراعية وحاز على إجازة فيها، لكن الشعر كان هاجسه الذي لا ينام. نشر العاني ثلاث مجموعات شعرية: “رماد السيرة” (1993)، “وردة الفضيحة”، “حوذي الجهات” (1995). وقد كان عضوا في “اتحاد الكتاب العرب” في سوريا، وهو يُعتبر من أبرز شعراء محافظة دير الزور.

 

تميز شعره بالتضاد وبالسلاسة وبالموسيقى الغنائية، والتي حملها من صوت مياه الفرات، كما تميز أيضا بالسرد الذي جاء من حكايا الجدات الطويلة.

 

دم راشد كثير (2012)

ثمة دمٌ كثير.. كثير..
لا كالذي كنا نقرأ عنه..
أو نشم رائحته على أصابعنا..
أو نخلّده في البيعات على قماش السياسيين..
كثير .. كثير..
كثير إلى الحدّ الذي لا يتّسع للدبابات تفادي انفجاره حول جنازيرها..
ولا يتسنّى للطائرات سدّ آذانها عن هديره..
وكثير بما يكفي لتخمير كبرياء جثث لا تنتظر القبور..
دم راشد بما يكفي لإخراج البلاغة الثورية من شرودها.. وطي التاريخ (المجيد) لقذيفة سليلة..
ولا بأس.. لا بأس أن يتذوق الشهداءُ ملحَ الطبخة الأممية..
أن يوصدوا أرواحهم في وجه العبارات المواسية..
وأن يرموا بأحلامهم على أكتاف الناجينَ
دم كثير بما يكفي..
لينسربَ السوريون من شِباك ذهولهم..
يقفون في برك النار على أصابع قلوبهم..
واجمين.. بانتظار انجلاء عنوان القذيفة التالية.

 

 

وقف العاني مع الثورة السلمية في سوريا منذ بدايتها، وقد نشر على صفحته هذا الموقف، إذ شارك في شهر حزيران من عام 2011 البيان الذي نشرته صفحة “الشعب السوري عارف طريقو” وهو بيان دعا للحفاظ على سلمية الثورة، وكان مفتوحا للتوقيع، وقد وقع عليه الشاعر في اليوم الأول لإعلانه.

 

رفض العاني مرارا أي فكر طائفي يمكن أن يمزق الشعب السوري، فكتب في 17/6/2011 مقالا بعنوان “جمعة العشائر.. هل هو عنوان لبدء الاحتراب الأهلي”، ونشره في موقع صحفي مثلما نشره على صفحته الشخصية، وقد طرح فيه رأيه بأن تحمل الجمع دائما أسماء تمثّل مبادئ الحرية والكرامة التي قام من أجلها الشعب السوري أو أن تحمل أسماء شهداء الحراك السلمي، وذلك كي تبقى رموزا تجمع السوريين وتقف في مواجهة المخطط الذي سيقود إلى تفريقهم. كما نشر في الرابع والعشرين من نفس الشهر مادة بعنوان “أما آن للمادة الثامنة أن تترجل من الدستور السوري” وشاركها أيضا على صفحته الشخصية في “فيسبوك”، وقد شارك أيضا في الخامس من أيلول، صفحة تنادي بحرية الصحفي عامر مطر، والذي كان معتقلا عند النظام. وفي عام 2012 نشر على صفحته قصيدة بعنوان “دم كثير راشد”، وفيها يشرح بجمال شعري وبلقطة إنسانية موجعة، ما تفعله دبابات النظام وطائراته بهذا الشعب النبيل. وبعدها أصيبت زوجته وحبيبة روحه، السيدة أماني عبيد، بالسرطان وصار الموت الجماعي، بالإضافة إلى الحواجز، يضيف إلى قهره الخاص حملا مرعبا. وكم كسر موت زوجته روحه، بعدما قاتل معها هذا الموت لمدة سنتين كاملتين، وكم كسره وجعها ورحيلها مثلما كسرته سرقة الثورة وسرقة الحراك الشعبي من قبل داعش، الوجه الآخر للنظام القاتل، الذي دخل واحتل مدينته، مدينة الفرات والجسر المعلق.

 

“غريبة الخاسر”..آخر قصائد العاني المنشورة على صفحته الشخصية

 

(لهكذا حزن أسرجتني أمي)

يا عكازَ وقتي الكفيف..
ويا مقاعدي على أرصفةِ التعبِ الطويل..
هـاأنـا..
أنا العاثرُ بجماجم اتزاني..
الشاغرُ إلاّ منكِ..
أبحث عن صرّةٍ لملمتِ فيها أوجهي التي أنسربت..
لملمتِ فيها براءتي..
خسائري..
أنا الذي قايض الطمأنينة بالهزائم

* * *
ولا إثمَ لي..
غير أني نذرتُ قطيعاً من القصائدِ..
وهَدْيَاً من الرِّضا أسوقُ إليكِ..
فملتُ ومالَ نحريَ نحو سكينِ البكاءِ..
ولا إثمَ لي..
غير أني سهوتُ قليلاً..
فتاهت في الدياجي نياقُ الهدايةِ..
لم أدرِ ما سُكَّرُ اللهِ حتى رشَشتِ الحمدَ والرحمنَ فوق أرغفةِ الرؤى وأذبتِ سبعينَ قطعةً في جِرارِ الرّضا.. وقلتِ اِشربْ:
وما أنا بشارب..
روحي تثلّمها الشكوكُ وحَنجرتي دريئة للأسئلة..
أيامُنا بياضٌ لحبرِ الآخرين.. وأبجديتُنا خراب..
خطانا يُفصلها العابرون علينا.. والعابرون إلينا..
وقلت اِشربْ ..
وما أنا بشارب..
وهل يروي الرضا عطشي ..
هل يُمضمضُ السَّكينةَ الذي دمَّل حلقَه اليقينُ.. ؟
وقلتِ اتقِ يوما ستُرجعُ فيه..
وهل يُعيدُ اللهُ الصلصالَ بلا مائهِ..؟
هل يُعيدُ إليه الطينَ الخوَّارَ..؟
ولا إثمَ لي..
غير أن الطفولةَ خِرقةٌ..
وان الموتَ بصمةٌ..
وما من مقبضٍ في مديةِ العويل.

 

رفض العاني الخروج من مدينته، فقد كان “أسير علاقته الحميمة مع الأماكن بكل ما فيها” حسب قوله، كما أنه لم يقبل بأن يترك قبر زوجته وحيدا، وأن يذهب إلى أي مكان بدون ذكرياتهما. لكنه لم يهادن يوما في فضح همجية فكر داعش، وأي فكر يقتل الحياة، مما تسبب باعتقاله من قِبل داعش مع ابنه الوحيد إياس، من بيته. وفي مساء الخميس 10/3/2016 اقتادوه مع ابنه لينفّذ فيهما حكم السواد وحكم الطغاة في ساحة الإعدام، بتهمة الردة. وقد كان فعلا مرتدا عن كل ما هو بشع وقبيح، مرتدا عن الظلم والظالم، مرتدا عن العقول المغلقة وعن الرايات السوداء التي أكلت فينا كل الألوان.

 

هكذا أطلق هؤلاء على قصيدته سيوف بربريتهم وبربرية النظام والعالم الذي يدعمهم، وأطلقوا على أرواحنا سهام الغصة.

 

وكالعادة، حاول النظام الاستفادة من قتله كي يعيد إنتاج حجته البلهاء، ولعل توقيت الإعلان عن قتله الآن لم يكن عبثيا، ولم تكن صدفة أن تكون الضحية الجديدة شاعرا واسما إعلاميا هاما سيشغل موته السوريين والعالم، ويعيد توجيه اهتمامهم إلى وجه داعش القبيح، وذلك بعد عودة المظاهرات الخضراء إلى الساحات والشوارع السورية؛ المظاهرات السلمية التي لا بد يا بشير، أن تنتصر.

 

لربما سيكون أجمل ما يمكن أن نخاطب به الشاعر الشهيد هو أن نفكر مثلما فكر هو حين كتب مقاله عن موت الشاعر الفلسطيني محمود درويش: بأن نعيد بعض قصائده التي كتبها، لعلنا مثلما أراد هو منا، أن “نعيد إحياءه دائما بقراءته، وأن لا نساهم بتجديد قتله بالنواح”.

 

كتب بشير العاني لـ “أماني”.. الحبيبة التي رحلت:

“أماني.. ما يخفف عني أني استطعت أن أحفر لكِ قبراً وأن أهيل التراب على جسدك الجميل..
بلى.. هذا ما يخفف عني الآن.. وأنا أراقب الأجساد المعلقات على الأعواد بانتظار شفاعة الأمهات كيما تترجّل.. هذا إن بقيت للأمهات هذه الأيام شفاعة لدى أمراء الحرب..(حجّاجي) العصر..
وبالذعر البشري الذي تستطيعه روحي، أفكر بالجثث المرمية في المدن والمزارع والبلدات.. 
جثث برؤوس وبلا رؤوس.. من سيأبه بها أكثر من القطط والكلاب الشاردة..
و(الحقَّ أقول لكم.. لا حقّ لحيّ إن ضاعت في الأرض حقوق الأموات)”.

 

 

شاهد أيضاً

مسرحية «يوتيرن» لا نجاة من الطوفان … إلا بالعودة إلى النقاء

كانت تباشير هزيمة النازية قد لاحت في الأفق في الوقت الذي كتب الأميركي ثورنتون وايلدر …

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fifteen + nineteen =