الآن
الرئيسية / رأي / الثورة مستمرة.. والثورة عصّية على الاختطاف

الثورة مستمرة.. والثورة عصّية على الاختطاف

نبيل شبيب

يعطي شعب سورية عبر تجدد مظاهرات الحرية والكرامة، الدليل مجددا أنه يرى نفسه وبلده وثورته ومستقبله بعيون لا تحجبها نظارة جنيف السوداء، ومن وضعها من القوى الدولية مع القيود على معاصم أيدينا.. وكان علينا أن نضع ذلك في حسابنا منذ البداية، فمن السذاجة السياسية أن يتوقع أحدٌ غياب محاولات اختطاف ثورات الربيع العربي كما وقع بعد ثورات التحرير من الاستعمار الأجنبي، ولكن لا نزال نحمل أثقالا صنعتها حقبة الاستبداد بعد حقبة الاستعمار، وأخطرها اغتيال المعرفة والوعي، أو “غسيل الدماغ” جماعيا بنشر مقولات لا أصل لها، وتزويرها وكأنها بدهيات لا تُناقش، فإن شكك أحد فيها واجهته أقلام “تسفيه” لا تلتزم منطقا ولا حجة. من تلك المقولات على سبيل المثال:

– لا يمكن صناعة شيء في بلادنا إلا تبعا للإرادة الأمريكية والصهيونية.. والحصيلة: الاستسلام!

– الواقعية هي الانهزامية أمام واقع ظالم.. والحصيلة: التراجع تجاه كل “واقع جديد” يصنعه سوانا!

– لا تنتهكوا “الشرعية الدولية”، والمقصود قرارات تفرزها موازين القوى المهيمنة في مجلس الأمن الدولي وعالميا، والحصيلة: تغليب شرعة الغاب على الشرعية الدولية الحقيقية!

– “انتهى عصر الإيديولوجيات”، أي “التصوّرات العقائدية”، والمقصود في بلادنا: لا مكان للإسلام بالذات نهجا حضاريا، ناهيك أن يصنع الثورة والتغيير، والحصيلة: الترويج لتصوّرات عقائدية أخرى كالعلمانية!

– دعوا الحماسة لصالح الموضوعية -وكأنهما نقيضان.. ولا تناقض بينهما- والحصيلة: اغتيال بواعث التضامن بين الشعوب في مواجهة المآسي والمذابح والظلم. ويمكن القول إن فتور التحرّك الشعبي المتضامن عبر الحدود حاليا هو الحصيلة الخطيرة من وراء ذلك!

ويمكن تعداد المزيد، وسنجد النتيجة إحباطا واسع النطاق كان يعبر عنه بعض ما انتشر تداوله قبل انطلاق الثورات الشعبية، مثل (موات الشعوب) (موات العروبة) (ضياع الشبيبة)، ووصل الأمر إلى اعتبار الاستبداد أبديا، واعتبار الإنسان في منطقتنا الحضارية متخلّفا نتيجة “عوامل وراثية”، وعاجزا عجزا مطلقا عن صنع شيء ذي قيمة!

إن مسار الثورة في سورية يقول: لقد أسقطت ثورات الربيع العربي هذه المقولات وأمثالها، وأثبتت بطلانها، وإن بقي -بين ظهرانينا- من ينطلق منها فيخاطر في الانزلاق إلى درب من يعملون لاختطاف الثورات، ويخشى أن يتحقق ذلك عبر مسارات جنيف وما شابهها. وهو لا يتجاوز بهذه النظرة “حدود” ما يراه إلى ما يراه الشعب الأبي الثائر.

لقد بدأت جهود اختطاف الثورات دوليا وإقليميا في اللحظة التي أدركت فيها القوى المهيمنة أن ثورة تونس ليست مجرّد: “اضطرابات اجتماعية محدودة”، بل شعلة ثورة تاريخية جذرية وشاملة. ولم تبلغ تلك الجهود مداها سريعا، فسبقها سقوط “رأس” الاستبداد في تونس ومصر، وهناك استمرت وما تزال متواصلة، لأن الاستبداد كالأخطبوط، موجود بأذرعه في كل مكان، ولا بدّ من استئصالها مع استئصال رأسه. ويسري شبيه ذلك على ليبيا، وبصورة أخرى على اليمن أيضا. أمّا في سورية، فقد بدأت جهود اختطاف الثورة من اللحظة الأولى لاندلاعها، ولا تزال مستمرة بكثافة حتى هذه اللحظة.. وهذا وحده دليل على أن “الثورة مستمرة”، كما تهتف الحناجر من جديد مؤخرا.

يريد الشعب الثائر تحرير إرادته ووطنه وصناعة قراره وواقعه ومستقبله بنفسه، وصار مستحيلا أن ينجح النظام الساقط في تجنّب السقوط المريع الشامل، بينما لم تيأس قوى الهيمنة بعدُ من العمل كيلا يقود السقوط المحتم إلى تحرير الإرادة الشعبية تحريرا ناجزا.

ستبقى ثورة شعب سورية فريدة من نوعها تاريخيا، وستكون نتائجها فريدة من نوعها على أرض الواقع وفي المستقبل المنظور.

إنها ثورة اتخذت مسارا يصفه المتألّم من أعماق القلب بمسار المعاناة غير المسبوقة تاريخيا. ويمكن أن يصفه لسان المنطق السياسي والتاريخي بأنّه مسار يستحيل أن يسفر عن نجاح جهود اختطاف الثورة. فلا مناص عن الوصول بالإنسان والوطن في سورية إلى تحرير كامل ناجز يجعل الإرادة الشعبية هي محور صناعة الواقع والمستقبل.

هي ثورة عصيّة على الاحتواء وعصيّة على الاختطاف.. وتلك هي “المعضلة” الأكبر التي تواجهها قوى دولية، وكذلك قوى إقليمية تتردد عن الدعم النوعي من أجل “إسقاط الاستبداد”. كما يواجهها أيضا بعض أهلنا ممن يتشبّثون بأساليب سياسية تقليدية من “عصر ما قبل الثورة” في التعامل مع ثورة شعبهم من جهة، ومع القوى الإقليمية والدولية التي لا يستطيعون الفكاك عنها، من جهة أخرى.

أما الشعب الثائر، فرغم معاناته لا يواجه هذه المعضلة، بل يرى الباطل ويرفضه بوعيه الفطري. وهذا ما يؤكده مجددا بمظاهراته السلمية ما بين قصف وقصف.. ولئن اتّهمه “الواقعيون” بأنّه “غير واقعي”، فقد أصبح هو الذي يصنع الواقع ويدفع الثمن من دونهم.. هو الذي يصنع الإنسان عبر الثورة، وسينتصر الإنسان الثائر، بعد أن دفع الشعب ثمن الانتصار من دماء شهدائه وجرحاه، ومعاناة ذويهم والمعتقلين والمشردين. وهو من يحتضن الثورة في قلب الوطن، ولن يحتضن من لا يحتضنها أيا كانت مواقعه، داخل الحدود وخارج الحدود، في قلب العمل الثوري أو في أروقة العمل السياسي على السواء.

شاهد أيضاً

إشكالات الدعم والحل

يبحث الروس عن دعم مالي غربي وخليجي لإعادة الإعمار في سوريا. ويقفزون ببحثهم عن الاشتراطات …

جلال بكور

دلائل هجوم السويداء

جاء الهجوم من “داعش” على السويداء بشكل مباغت وغريب لكنه غير مفاجئ  وكان متوقعا أن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

sixteen + twelve =