الآن
الرئيسية / رأي / أوربا لا تتعظ

أوربا لا تتعظ

أحمد كلش /

حان الوقت لكي تسترجع أوربا ذاكرتها التاريخية، وتدرك بأنها الشريك التاريخي لجنوب المتوسط، وتستعيد دورها في إدارته أو في المشاركة فيها على أقل تقدير، فأية هزة تضربه لا بدَّ من أن تعاني أوربا من هزات ارتدادية أعنف منها، والعكس صحيح.

فبالرغم من أن جنوب المتوسط لم يكن له علاقة بالحرب العالمية الأولى، إلا أنه عانى من ويلاتها وسيق شبابه للحرب فيها ولم يعودوا منها، كما أنه عانى من ويلات تقسيمه لدويلات – ما زالت قائمة – بعد خروج فرنسا وانكلترا منها رابحة، ويجب أن لا ينسى الأوربيون بأنَّ قرار جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس ونزعها من يد انكلترا وفرنسا كان بضوء أخضر أمريكي وبدعم سوفيتي، وذلك لإضعاف أوربا وإخراجها بشكل كامل من أية سيطرة لها على أية بقعة في العالم، وعلى القرار الدولي الذي سيطر عليه الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية منفردين.

ومع تفكك الاتحاد السوفيتي، وبداية تطبيق اتفاقية الاتحاد الأوربي بين دوله، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تكمل مشروع هيمنتها على القرار الأوربي وإغراق أوربا بالأزمات الاقتصادية والديموغرافية والأمنية، فكانت أزمة البوسنة والهرسك ومن ثم الآزمة الاقتصادية عام 1996، ومن ثم جرها لحروب بشكل مباشر بالشرق الأوسط ( أفغانستان ومن ثم العراق )، ودائمًا الرابح هو أمريكا على حساب الأوربيين.

أوربا ما زالت تغرق بالمشاكل التي توردها لها السياسيات الأمريكية، فما أن خرجت -أوربا-من الأزمة المالية التي قصفت بالاقتصاد اليوناني وكادت أن تقصف بالعديد من اقتصاد دولها، حتى بدأت تعاني من مشاكل أمنية ومواجهة الارهاب والنزوح إليها من جنوب المتوسط، والسبب هو التعنت الأمريكي على الاستمرار بسياسة الأضداد في جنوب المتوسط.

وعندما يتساءل المواطن الأوربي: لماذا الإرهاب يضرب مدننا ولم يعد ضربته للمدن الأمريكية كما حصل عام 2000…!؟؟ سيجد الجواب من خلال الموقف الأمريكي – اتجاه ما يجري في سوريا والعراق وليبيا– الذي يفضي بإشعال النيران في هذه الدول عوضًا عن إطفائها، والهدف هو ليس تدمير هذه البلاد فقط، وإنما تصدير الإرهاب الإسلامي للعمق الأوربي،وبات كل مواطن سوري وعراقي خبير سياسي بالفطرة نتيجة ما يعايشه وما يراه ويلمسه، فهذه الدول لم يتواجد فيهاأي فكر سياسي إسلامي قبل العشرين السنة الماضية، كما لم يكن فيها أية مجموعات متطرفة سواء أكانت مسلحة أو غير مسلحة، ليس لأن حكامها يمسكون البلاد بقبضة من حديد، ولكن لأن مجتمعاتها منفتحة وحضارية ويعم فيها الإسلام المنفتح وبأقصى حالاته يكون معتدلًا، وإذا سأل المواطن الأوربي القادم لمدنه من سوريا أو العراق أو حتى افغانستان: أين كانت هذه التشكيلات الاسلامية المسلحة المتطرفة إذًا …!؟؟ وكيف تشكلت…!؟

سيقول له القادم من هذه الدول: الاستخبارات الأمريكية شكلت القاعدة وطالبان في أفغانستان ودعمته بالأسلحة النوعية منها (صواريخ مضادة للطيران والمدرعات) لمحاربة القوات السوفياتية، ومن ثم زرعت آية الله الخميني في ايران، وحزب الله في لبنان لإشعال الفتة الطائفية (السنية – الشيعية) في المنطقة، وتسليم العراق لإيران عبر مليشيات شيعية مسلحة بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق وقبلها القوات الانكليزية،كما شكلت ودعمت تنظيم جبهة النصرة في العراق قبل انسحابها منه،ومع بداية خروج السوريين في مظاهرات سلمية للمطالبة بحقوقهم الدستورية واستعاده جمهوريتهم المسلوبة من الديكتاتورية، زرعت الاستخبارات الأمريكية (وشركائها منهم الدكتاتورية السورية) التشكيلات الإسلامية المتطرفة في سوريا، ليس لمحاربة الدكتاتورية، وإنما لخداع الأوربيين (دولًا وشعوبا) بأن ما يجري في سوريا هو صراع مسلح على السلطة، وأوربا بلعت الطعم.

داعش استولت على مساحة ثلاثة أضعاف مساحة هولندا – في سوريا والعراق – خلال أسبوعين، وعلى عشرات المدن والفرق العسكرية بكامل عتادها وسلاحها الثقيل، بالإضافة إلى الدعم الذي تتلقاه من الجو، والذي يهطل على قواتها كل فترة من الطائرات الأمريكية، كذلك جبهة النصرة استولت على مساحة تقارب ضعفي مساحة هولندا في سوريا وتستولي أيضا على سلاح ثقيل وكم هائل من الأسلحة خلال شهر واحد!!وهنا يجب أن يتساءل المواطن الأوربي: كيف حصل ذلك…!!؟؟

ببساطة قوات الديكتاتورية السورية انسحبت من هذه المناطق وسلمتها لداعش وجبهة النصرة وخلفت وراءها كمًا هائلًا من شتى أنواع الأسلحة، بعد أنْ أخرجت من سجونها إسلاميين ونصبتهم أمراء لقيادةداعش وجبهة النصرة، وكذلك فعلت حكومة بغداد!! واضطر الشباب السوري والعراقي البسيط والفقير بأن ينخرط في صفوفهما خوفًا على حياته وسلامة عائلته أولاً، ولتأمين لقمة عيشه ثانيًا، مما جعل داعش والنصرة يمتدا ويقويا لهذه الدرجة، وفعل– الشباب السوري الذي تعيش أسرته في المناطق التي احتفظت بها الدكتاتورية السورية – نفس الشيء في الطرف المقابل، حيث بقي منخرطًا في صفوفها بشتى الطرق،وهنا يجب أن ينتبه المواطن الأوربي، بأنه لن ينعم بالاستقرار والأمان إن لم تنهِ حكوماته ما يجري في سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان وأفغانستان، وتساعد شعوب هذه الدول جمهورياتها بالتخلص من الدكتاتورية لتنعم بحقوقها الدستورية، والدليل أنّه هذه المرة الثانية التي تضرب بها بروكسل تزامنًا مع عقد جولة من المفاوضات بين الدكتاتورية السورية والتشكيلات الكرتونية المعارضة لها، وسوف تضرب مدينة أومدن أوربية أخرى كلما عقدت جولة من هذه المفاوضات الشكلية، والهدف من هذه الأعمال الإرهابية هو ترويع الشارع الأوربي مما يحصل في سويا والعراق ( الإسلام السياسي المتطرف ) للضغط على حكوماته لكي تبقى بعيدة عن صناعة قرار فاعل ينهي ما يجري في سوريا والعراق وليبيا، ويهيئ المناخ المناسب لصناعة دولٍ حديثة فيها بما ينسجم مع قيم الديموقراطية والانسانية التي تنعم بها أوربا، ويتبناها شارعها بدوره.

لذلك هناك واجب على الدول الأوربية اتجاه شعوبها أولاً وشعوب دول جنوب المتوسط شركاء شعوبها عبر التاريخ بكل شيء ثانيًا، بأن تستعيد دورها الاقليمي والدولي في حماية أمنها من العبث الأمريكي، وحماية مصالحها مع شركائها في الجغرافيا والتاريخ، وتزج كل طاقاتها لتحقيق ذلك.

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two × three =