الآن
الرئيسية / رأي / وجهة نظر في حب السوريين

وجهة نظر في حب السوريين

درويش غالي

يحيل البعض طريقة تعاطينا نحن السوريين مع الحب، لخلل ما في تركيبتنا النفسية، أو لنمط علاقات يتعلق ببيئتنا، ويتهموننابأن معظمنا يتعامل مع كل ما يحبه كممتلكات شخصية، وفي أحسن الأحوال كشريك في الحقوق والواجبات، طبعا الحقوق والواجبات التي يفصلها المحب، ويجزم بأن المفروض أن يتقبلها الآخر الذي يحبه، ويبادله الأحاسيس نفسها، بكل طقوسها، وربما حتى الهدايا نفسها أو ما يوازيها، ويفترض سلفا بأن المحبوب يجب أن يكون كتابا مفتوحا أمامه، دون أن يفكر به أو بأحاسيسه أو حتى بتفضيله لشكل العلاقة

وفي مسالة حب الوطن يرى هؤلاء أن الكثير منا قد وقع في مشكلة طريقة التعاطي مع هذا المحبوب “الوطن” الذي يريده كل منا ملكية خاصة به يفصله على مقاسه دون أن يقبل بأن يشاركه أي آخر في هذا الحب. فبدل من أن يكون هذا الوطن غيمة ماطرة توزع الحب على الجميع ويمتلك الجميع حق حبها،يتمترس كل منا خلف أنانيته في حبه لوطنه، ليقاتل “الآخرين”، ظنا منه أن محبوبه “الوطن” يستنجد به على من يخالفونه النظرة وطريقة التعامل. فصار لكل منا مفهوم لوطن يتبادل الحب معه، ويتصارع مع الآخرين عليه.

ولعل بطل رواية “كافكا على الشاطئ” للروائي العالمي “هاروكيموراكامي”،استطاع أنيعبّر عن وجهة نظر مختلقة في الحب، والتي قد تبدو منطقية في كثير من الحلات. ففي الرواية، يقول البطل العجوز لكافكا الشاب: “هكذا الحب ياكافكا.أنت الذي بداخلك هذه الأحاسيس الرائعة، وعليك أن تعيشها وحدك. فيما تهيم في الظلام. على ذهنك وجسدك أن يتحملاها كلها. كلها وأنت وحدك”.

في الحقيقة، أنا لست نظرية بطل موراكاميفي الحب، إلا في جزئيتها المتعلقة بحب جماعي لقيمة ما أو حتى الحب الفردي لشخص اعتباري في حياتنا، لأن الاجتماع على حب الوطن مثلا يستوجب التعامل معه، كمحبوب جماعي،ويستوجب أن يتم الاتفاق على صيغة مشتركة بين جميع محبيه، تحدد شكل هذا الحب ونواظم العلاقة معه.

أما في علاقات الحب بين البشر، فاتفق إلى حد ما مع هذه النظرية فيما يخص الحب بين الأصدقاء، لأن حب الصديق بالعموم لا يستوجب التملك، ولكنه بنفس الوقت، محكومببعض العلاقات المصلحية والتي قدتكونمادية أو معنوية. وبالتالي فإن انتفاء هذه المصلحة لدى أحد أطراف العلاقة قد يؤثر على شكل العلاقة مع الطرف الآخر، وقد يسبب له بعض التعب النفسي دون أن يكون لديه الحق بالمطالبة بشكل علاقة يعيد إليه توازنه المصلحي.

إلا أن علاقات الحب بين الرجل والمرأة وبرأيي الشخصي، لا تخضع لهذا المعيار، إلا إذا كانت من طرف واحد.وفي هذه الحالة، على المحب أن يتحمل تبعات حبه، وأن يدفع الثمن الباهظ ذهنيا وجسديا لأحاسيسه.فكما 9تقول سارا فولدينق: “لا توجد طريقة تمكنك من الحفاظ على شيء يريد المغادرة، هل تفهم؟ بإمكانك فقط أن تحب ما حولك بينما هو حولك”. أما في حال كان الحب متبادلا بين الطرفين،فالعلاقة حتما لا تخصع لمعيار بطل موراكامي، وربما لا تخضع أيضا للرأي الأول القائل بالتملك المطلق مع محاولة إعادة صياغة المملوك بما يناسب متطلبات المالك،لكن الحبيب يصبح وطنا لمحبوبه فقط، ولا يمكن أن يكون محبوبا عاما.وعندما يشعر أحد الطرفين بأنه لا يمتلك الآخر،فذلك يعني أن هناك خللا ما في مشاعر أحدهما رما لم يدركه بعد. وحين لا يكون لدى أحدهما القدرة على البوح للآخر، فبالتأكيد هناك خلل في مشاعر أحدهما تجاه الآخر ولم يدركه بعد.وفي اللحظة التي يحتكم فيها أحد الطرفين للمنطق في العلاقة، حينها يكون قد أدرك الخلل بالضبط، ويحاول التعاطي معه،لتبقى الصعوبة الحقيقية في ما يترتب على إدراكه من قرارات.

شاهد أيضاً

غاز شرق المتوسط: أصل الحكاية

تزامن موضوع تحريك التنقيب عن آبار الطاقة واستخراجها في شرق المتوسط قبل عقد تقريباً مع …

توحش النظم ورأسمالييها

حين حدثت الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا سنة 1997، ارتبك صندوق النقد الدولي، لأن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three × four =