الآن
الرئيسية / تحقيقات / الحرب تحرق ذهب سوريا الأبيض

الحرب تحرق ذهب سوريا الأبيض

محمد الصالح

تطورت زراعة القطن في سوريا بدءاً من النصف الثاني من القرن الماضي، حيث دخلت هذه الزراعة ضمن الخطة الزراعية في سورية، وبدأت الدولة تنظم عمليات الزراعة وتدعمها من خلال أعمال البحوث واستنباط أصناف جديدة من البذور عالية الإنتاجية ومقاومة للأمراض وبمواصفات تجارية.

تعد سوريا من الدول ذات القوة الزراعية الإقليمية، حيث تبلغ مساحة الأراضي القابلة للزراعة فيها أكثر من 30% من المساحة العامة، وهي أعلى نسبة مسجلة عربياً.

ويعتبر محصول القطن من المحاصيل الإستراتيجية التي تزرع في سوريا، والذي تأثر كغيره من القطاعات بالحرب التي يخوضها النظام السوري ضد الشعب، ولا سيما في المناطق الشمالية الشرقية، وتحديداً محافظتي الحسكة والرقة اللتان تعدان من أكثر المحافظات إنتاجاً للقطن.

ما هو الذهب الأبيض؟

 

يطلق على القطن اسم “الذهب الأبيض”، حيث يعتبر من الزراعات القديمة التي عايشت السوريين منذ آلاف السنين، ويعود تاريخها إلى زمن صناعة الغزل والنسيج في عهد الكنعانيين منذ الألف الرابع قبل الميلاد. كما يعتبر من مصادر الدخل القومي وأحد الوجود التي تميز الاقتصاد السوري. حيث يعد القطن أهم منتج زراعي في سوريا، ويسهم بنسبة مرتفعة من الدخل القومي، فهو يشكل 30% من الصادرات الوطنية السورية، وهو المحصول الزراعي الوحيد الذي يؤمن القطع الأجنبي بعد البترول.

يسهم القطن بنسبة مرتفعة من الدخل القومي، فهو يشكل 30% من الصادرات الوطنية السورية، وهو المحصول الزراعي الوحيد الذي يؤمن القطع الأجنبي بعد البترول.

 

يُزرع القطن في العديد من المحافظات، على رأسها محافظات الحسكة والرقة ودير الزور من حيث المساحة، كما يزرع بمحافظات حلب وإدلب وحماة وحمص. ويعتبر القطن السوري من أجود أنواع القطن في العالم، حيث تشتهر سوريا بزراعة القطن متوسط التيلة وقصير التيلة.

انخفاض الإنتاج

 

شهدت زراعة القطن في سوريا تراجعاً كبيراً خلال الموسم الأخير مقارنة بالمواسم السابقة، ولا سيما في الرقة، ثاني أهم محافظة سورية زراعياً بعد الحسكة، والتي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، حيث كان الاقتصاد السوري يعتمد على إنتاج القطن بوصفه رافدا مهماً يدر على الخزينة العامة نحو 350 مليون دولار سنويا، عندما كان إنتاج سوريا من القطن يبلغ 750 ألف طن، ينتج عنها 250 ألف طن من القطن المحلوج.

بلغت نسبة تراجع زراعة القطن في سوريا مؤخراً أكثر من 93%، وتراوح الإنتاج خلال 2015 بين 50 إلى 130 ألف طن، بعد أن وصل قبل الحرب لأكثر من مليون طن.

وأدت الحرب إلى تراجع معدل إنتاج الهكتار الواحد لأراضي زراعة القطن لأقل من 3 أطنان، بعد أن كان يصل خلال الأعوام السابقة إلى 5 أطنان. وبلغت نسبة تراجع زراعة القطن مؤخراً أكثر من 93%. وتراوح الإنتاج خلال 2015 بين 50 إلى 130 ألف طن، بعد وصل الإنتاج السنوي للقطن في سوريا قبل الحرب لأكثر من مليون طن وبلغ إنتاج الهكتار أكثر من 4.2 طن سنوياً وقد وصل إنتاج الرقة وحدها من القطن خلال 2011 إلى نحو 120 ألف طن، في حين لم يتجاوز خلال 2015 حوالي 20 ألف طن.

أسباب متعددة لتراجع الإنتاج

 

أرجع الخبير الزراعي فخري المحمد، في حديثه لـ”صدى الشام”، تراجع إنتاج القطن في سوريا، إلى تعرض محصول القطن لهجوم حشري من ديدان اللوز في آب الماضي، وعدم قدرة الفلاحين على مكافحته بسبب ندرة المبيدات الحشرية وعدم وجود مرشدين مختصين. حيث قام تنظيم الدولة بحل مؤسسات الدولة، ومنها مديرية الزراعة التي كانت تضم مهندسين زراعيين وخبراء، وتضع الخطط الزراعية وتشرف على تنفيذها، ناهيك عن قلة الأسمدة وشح مياه الري، وارتفاع أسعار المحروقات.

وأضاف المحمد، أن من الأسباب الأخرى التي ساهمت في تراجع إنتاج القطن، خروج مساحات كبيرة من الأراضي عن الزراعة بسبب قلة المياه، أو بسبب تعرضها للاحتراق بسبب القصف. مؤكداً أن زراعة القطن تراجعت بنسبة 70%.

تراجع الأسعار

 

بلغ سعر الطن الواحد من القطن السوري خلال السنوات الماضية إلى حوالي 400 دولار، لكن السعر هذا العام انخفض بسبب تراجع الليرة السورية أمام الدولار، وبسبب انقطاع الطريق بين الرقة والمدن التي يسيطر عليها النظام، والتي كانت سوقا لبيع المحصول، فاستغل التجار هذا الأمر، واشتروا المحصول بأسعار متدنية، حيث وصل سعر الطن إلى نحو 340 دولار. في الوقت نفسه، رفع النظام سعر طن القطن إلى 140 ألف ليرة سورية من أجل تسويق الإنتاج إليه، إضافة إلى صرف تعويضات النقل، حيث أعلن وزير الصناعة بأن الوزارة ستقدم تعويض نقل للمزارعين من الحسكة بمقدار 60 ليرة للكيلو الواحد، ومن الرقة بمقدار 90 ليرة للكيلو.

كلام النظام

 

أرقام حكومة النظام الرسمية تحدثت عن تراجع كبير في خطة المساحات المزرعة، وتراجع أكبر في المساحات المزروعة فعلياً، حتى أصبح الحديث عن احتمالات استيراد القطن الخام لتغطية حاجات صناعة النسيج أمراً مطروحاً، وذلك حسب تصريحات وزارية تناقض تصريحات أخرى لوزير الصناعة، الذي أكد في مؤتمر للصناعات النسيجية بتاريخ 7-10-2015، أن القطن المحلوج المتوفر حالياً يبلغ 20 ألف طن، ومع بداية موسم التسليم فإن الكميات ستكفي لنهاية العام.

حسب تصريحات وزارية من حكومة النظام، أصبح الحديث عن احتمالات استيراد القطن الخام لتغطية حاجات صناعة النسيج أمراً مطروحاً.

أما خطة الزراعة للعام الحالي فهي 124-125 ألف هكتار، أي ما نسبته 62% من المساحات التي كانت تزرع سابقاً والبالغة 200 ألف هكتار. ومع ذلك، فإن الخطة لم تنفذ إلا بنسبة 30%، أي أن المساحات المزروعة بلغت قرابة 37500 هكتار، ويفترض أن تنتج وسطياً 131 ألف طن فقط، وفق الوسطي 350 كغ في الدونم. إلا أن تحقيق هذا الرقم فعلياً غير متوقع، حيث أظهرت بيانات مديرية الزراعة في الحسكة أن إنتاج القطن في موسم 2015، وصل إلى 24 ألف طن فقط، فقد تمت زراعة ما يقارب 6500 هكتار، بينما في العام الماضي أنتجت المحافظة قرابة 60 ألف طن؛ أي أن التراجع يتجاوز النصف.

وقد أشارت تصريحات أخرى لوزارة الصناعة لجهات إعلامية، إلى أن المساحات المزروعة تبلغ 25 ألف هكتار، أي 20% فقط من الخطة، وتنتج 50 ألف طن فقط. ولن تتوضح الكميات المنتجة في هذا العام، إلا أنها ستبقى بين 50-130 ألف طن وفق التصريحات الحكومية، بعد أن وصل إنتاج القطن إلى 750 ألف طن. وعملياً لم يتجاوز المنفذ من الخطة 20-30%، وبالتالي فإن أكثر من ثلثي المساحات لم تزرع بالقطن، وثلثي الخطة لم ينفذ.

مصدر دخل لداعش

 

صحيفة التايمز البريطانية نشرت تقريراً في أيلول الماضي، ذكرت فيه، أن بيوت الأزياء في باريس قد تصبح مصدر دخل مهم لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، بعد سيطرته على ثلاثة أرباع الأراضي التي تستخدم لزراعة القطن السوري.

وقالت إحدى الشركات البارزة في فرنسا للصحيفة، أن أحد مورديها المعتادين أرسل لها قماشاً بلا بطاقات توضح مصدرها، ولذا طلبت من الورش عدم استخدامها حتى التثبت منها. وأضافت الصحيفة: “هل تتخيل؟ قطن مورد من داعش”.

وذكرت التايمز أن عاملين بقطاع القطن زعموا أنه “حتى وقت قريب، كان تنظيم داعش يبيع القطن الخام من خلال وسطاء في السوق التركية، التي تعد ثاني أكبر مورد نسيج للاتحاد الأوروبي”.

بدورها، تساءلت صحيفة ليفيغارو الفرنسية مؤخراً: “هل سيأتي يوم ونرى فيه ماركة ملابس مكتوباً عليها “صنع في داعش؟”، مضيفةً: “تخيلوا لو أن أعرق دور الأزياء الفرنسية، والتي تجلب القطن من سوريا، كتبت ذلك، فماذا سيكون رد فعلكم؟”.

ليفيغارو الفرنسية: 75 إلى 80% من القطن السوري في مدن الرقة ودير الزور والحسكة، أصبح تحت سيطرة “الجهاديين”، من بين 100 ألف طن تنتجه سوريا من القطن سنوياً في الوقت الحالي.

وكشفت الصحيفة، أن “75 إلى 80% من القطن السوري في مدن الرقة ودير الزور والحسكة، أصبح تحت سيطرة “الجهاديين”، من بين 100 ألف طن تنتجه سوريا من القطن سنوياً في الوقت الحالي”.

وقال أحد التجار الأتراك (لم تكشف الصحيفة عن اسمه): “داعش يبيع القطن أرخص بـ 30%. وهذا جيد بالنسبة لنا كتجار. نحن لا نهتم بمصدر القطن، ما يهمنا هو السلعة نفسها”.

الأثر الاقتصادي

 

قدرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو” أضرار القطاع الزراعي السوري خلال 2013 بنحو 1.8 مليار دولار، مع توقّع أن تكون التقديرات أكبر في 2014، والتي لم تصدر إلى الآن. كما قدرت الخسائر التي طاولت البنى التحتية لـ “وزارة الزراعة” في الحكومة السورية بـ27 مليار ليرة، تراوحت بين آلات ومبان وتجهيزات وشبكات ري ومراكز بحوث وبنوك وراثية. وفي أيار 2014، حذرت الفاو من أن “ظروف الجفاف، مقرونة باستمرار الأزمة، ستفاقم من حجم الضغوط على الأمن الغذائي في سوريا”.

وأدى تراجع الإنتاج الزراعي إلى انخفاض الناتج المحلي، ناهيك عن ضعف الموازنة. كما انعكس ذلك على ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية، فانخفضت مساهمة الزراعة في الناتج المحلي من 17.9% في 2010، إلى 5% في 2013. وفي 2014، انخفضت نسبة مساحات المزروعة القطن إلى 38%، بحسب وزارة الزراعة في حكومة النظام.

القطن العضوي

 

بحسب إحصائية بورصة الأقمشة TE، الصادرة في 2010، احتلت سوريا المرتبة الثانية عالميا من حيث إنتاج ألياف القطن العضوي، من خلال إنتاجها 20 ألف طن منه.

والقطن العضوي هو الذي يتم الحصول عليه دون استخدام مبيدات الآفات أو الأسمدة الكيميائية، ضمن دورة زراعية يستخدم فيها التسميد الأخضر أو العضوي، كما تستخدم البذور الطبيعية غير المحلوقة كيميائياً، أو غير المعاملة بكاسيات البذور. ويعتمد هذا الأسلوب من الزراعة على استخدام طرق بيولوجية وميكانيكية سليمة.

بحسب إحصائية بورصة الأقمشة TE، الصادرة في 2010، احتلت سوريا المرتبة الثانية عالميا من حيث إنتاج ألياف القطن العضوي، من خلال إنتاجها 20 ألف طن منه.

الأثر يمتد للصناعة

 

لم يتوقف الأثر الاقتصادي لتوقف زراعة القطن عند هذا الحد، بل امتد ليتسبب بتوقف المحالج السورية عن العمل، مع العلم بأن العمل في قطاع زراعة القطن وتصنيعه يوفر 5.2 مليون فرصة عمل، وأن 20% من اليد العاملة في سوريا تعمل في قطاع النسيج. وقد أحرقت خلال السنوات الماضية آلاف مخازن القطن وحرم عشرات الآلاف من الفلاحين من قطاف أقطانهم. الأمر الذي ينذر بأن الذهب الأبيض بات مهدداً بالزوال، ليضاف إلى قائمة المنتجات الزراعية المتهاوية في سوريا، بعد أن كانت من أهم دول المنطقة زراعياً.

شاهد أيضاً

في وسط الصحراء القاحلة

مخيم الركبان وحكاية الموت البطيء

يستلقي “محمد” البالغ من العمر ثمانية أعوام على جنبه يبدو شاحبا لا يرد على نداء …

النظام والأردن يفتتحان معبر نصيب بعد ثلاث سنوات من إغلاقه

افتتح رسميا، صباح اليوم الإثنين، معبر جابر نصيب الحدودي بين الأردن وسوريا، إثر اتفاق اللجان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 + 20 =