الآن
الرئيسية / ثقافة / الأيام السبعة للوقت… وعبورنا من نار

الأيام السبعة للوقت… وعبورنا من نار

ميسون شقير

 

القصيدة هي لحظة عبور لدائرة النار واختبارها، ثم الخروج منها بنار ثانية على الورق؛ نار تضئ المسافة بيننا وبين أنفسنا كي نستطيع العودة لأعماقنا سالمين.

نوري الجراح، شاعر سوري حاول عبور دائرة النار، فسكنت النار قصائده منذ بدأ الكتابة، ليترك في داخل قارئه بصمة لاذعة مميزة. ضاقت بنار قصائده دمشق، فحملها وذهب بها إلى بيروت الأوسع، ومنها إلى قبرص ثم أخيرا إلى بريطانيا. وفي كل المدن، كانت ذات الشاعر القلقة تختبر دوائر جديدة للنار، وكان يترك على أرصفة كل منها كتابا جديدا ونارا جديدة. فمن الصبي، إلى مجازات الموت، ونشيد الصوت، طفولة موت، القصيدة والقصيدة في المرآة، صعود ابريل، حدائق هاملت، ومن ثم الأعمال الكاملة. وفي كل رحلاته، سكنته الطريق أكثر مما سكنه الوصول، فأسس أدب الرحلة وتبناه. وسكنته أيضا الطريق التي ترقى بالعقل العربي وبذائقته، والتي تجعل نار الإبداع العربي حقيقية وحارقة، فأشرف وشارك في الكثير من الدوريات والمجلات الأدبية والثقافية، التي كان لها الكثير في تنمية أرواحنا وحمايتها من العفن، مثل مجلة فكر ومجلة الناقد ومجلة الكاتبة ومجلة القصيدة وصحيفة العرب اللندنية، وأخيرا مجلة الجديد الثقافية.

ولكن كيف ستكون القصيدة بعبورها لحلقة النار، إذ أن كل عالم الشاعر الواقعي قد تحول إلى نار حقيقية، نار تتلذذ برعب الأمهات، بصوت قلوبهن وهي تحترق فوق أجساد أطفالهن الباردة، نار تسبقها شهوتها لرائحة البارود مخلوطة مع رائحة الجلد المحروق، ولدمية تودع طفلتها، نار أطلقها تنين هذا العصر على سنابل الحناجر التي نبتت من عيون الأطفال في غفلة عنه، وأزهرت في الشوارع والساحات وفي أحلام الرجال، السنابل التي أزعجت نوم هذا التنين، ونوم العالم التافه.

 

كيف ستكون القصيدة الطالعة من روح منفية عن بلدها، والصرخات الأخيرة لرجال كثيرين يرحلون تحت التعذيب في زنازين دمشق تصل إلى أبعد منافي العالم، عالية وصادمة وتطغى على كل اللغات. الرصاصات التي ثقبت صدور الهاتفين، تثقب قلب الشاعر. النار التي تعقب القذيفة تحرق أصابعه، فلا يعرف بماذا سيكتب هذه القصيدة، لكنه لا بد أن يكتبها، عله يدخل قليلا من الهواء لرئتي العبارة ولأوردة المعنى.

 بأصابع محروقة وقلب مثقوب. يكتب نوري مجموعته “يوم قابيل”، الصادرة عام 2012، بقصائد مجروحة حتى الصميم، وجارحة حتى العظم. فهو لا يملك غير قصيدته يقاتل بها في هذا العالم الأعمى، ولا يملك إلا نارها في وجه هذا الغرق الجماعي والموت المالح. المجزرة تستمر، والكل كالملح خائن، والشاعر يدخل الحرب مع روحه، ولا منتصر إلا القصيدة الحادة والمزمنة. ، ولعل قصيدة “الأيام السبعة للوقت” هي أكثر قصائد “الجراح” قربا من دمه ومن احتراقه فهي تعيد خلق هذا العالم من جديد، ولكن بآلاف القبور الطازجة وبملايين القلوب التي ترتطم بأقدام الراحلين عن بيوتهم، بالدم الذي يملأ أرض العبارة. ولأنها قوية وطازجة كالحب..كالموت، لم تزل تتنقل بشاعرها بين عواصم العالم، ضمن مشروعه الأهم بأن يخبر قراء وشعراء ومثقفي العالم بحقيقة ما يحصل لنا عن طريق النار التي تصنعها القصيدة. فبها يفتتح نوري الجراح مهرجان كولومبيا الدولي للشعر أمام الآلاف في الساحة الكبيرة، وتعزف أوركسترا النمسا موسيقى خاصة لها. وبها يفتتح أمسيته الأخيرة في اسطنبول في هذا الثامن من هذا الشهر.

“دم من هذا الذي يجري في قصيدتك أيها الشاعر

وفي المتبقي من الزمن، شقيقي الذي شق الغروب رأسه

دمه يقطر في ملابسي

دم من هذا

أنا لا أكتب قصيدة لكني أشم القميص لأبصر”

هو دمنا هذا الذي يجري في قصيدتك، هو دم الأحلام ودم الورود حول المقبرة. وكم من النيران التي عبرها وسيعبرها بعد الكثيرون من المبدعين السوريين، والذين لا فرصة لهم لإيصال هذه النار، أو الذين لم يزالوا في الداخل السوري وتحت نار الخوف والرعب، والذين لم يزالوا في زنازين الطاغية، والذين يكتبون الآن قصائدهم تحت التراب.

هل سنستمر قادرين على العبور حين يكون عبورنا من نار لنار!

أم أننا لا نملك إلا هذا الاحتراق كي نشفى قليلا!

شاهد أيضاً

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twenty + twenty =