الآن

وهم حقيقي

حنين عتيق

كل صباح، أستيقظ
كأني أخرج من بئر عميق، أو من قبر عميق، أصعد من النوم على درجات من القهر والحسرة،
لأصل اليقظة التي لا مفر منها.

في النوم، دائما
أكون هناك، داخل حياتي الحقيقية، كل ليلة أعيش أحد تفاصيلها، وأطعم هذه التفاصيل
خبزا كان يقف ابني ساعات على الفرن كي يحصل عليه، أطعمها كي لا تجوع في ساعات
يقظتي، كي تتحمل ساعات الوهم الذي أعيشه هنا، ريثما يأتي الليل وأدخل في النوم من
جديد.

يبدأ الوهم من صوت
جيراني الذين يطعمون أيضاً حياتهم منذ الصباح خبزا طازجا حين يجهزون أولادهم
للذهاب للمدرسة، نبرة صوت الأم قريبة جدا من نبرة صوت أمي هناك حين كانت كل صباح
تستعجلنا بمزيج غريب من القسوة والحنان، من الأمر والترجي، والذي كانت تحشو به
حقائبنا بسندوتشات من الزيت والزعتر مع أخرى من الدعاء والحب. صوت الأم يجعلني
أنسى الوهم، غير أن اللغة الغريبة، الغريبة جدا، التي يرتديها تعيدني إلى وهمي
وبقوة.

أكمل الوهم، أخرج
من منزلي وأمشي باتجاه محطة المترو، أرمي الصباح على من يمر في طريقي بلغة مازلت
منذ أكثر من ثمانية أشهر أحاول تعلّمها. لا أعرف وجوه المارين، لكني أرمي عليهم
سلامي كي أرشو هذا الوهم الذي أعيش، وكي أرمي السلام على الوجوه التي تعبر ذاكرتي،
الوجوه الغالية التي تركتها هناك، والوجوه التي لم تزل تعيش في القبور.

أنزل إلى المدينة
الكاملة الأخرى التي تحيا تحت هذه المدينة، والتي بنوها هنا برغم كل ما تحتاجه من
وقت ومن جهد، كي تحمي المدينة الأساسية من الضجيج وكي توفر الوقت، لكني وأنا أهبط
الأدراج المتحركة أذكر الحفر التي حفرتها الصواريخ في مدينتي هناك وكيف أنها أيضا
بنت مدينة كاملة تحت الأرض يتحرك فيها الشهداء بكل حرية، ويخففون الضغط عن مدينتي
الأساسية التي أصبحت تلالا من الركام.

في المترو، الكل
يقرأ رواية، وأنا تقرأني روايتي التي بدأت مذ غادرت بيتي هاربة من أعين المخابرات
وتتالت أحداثها في الطريق التي قطعتني ألف مرة حتى وصلت هنا مع عائلتي؛ روايتي
التي تعيد قراءتي كل يوم والتي تحاول إقناعي بحقيقة هذا الوهم.

أصل الصيدلة التي
أذهب إليها كصيدلانية متدربة كي أستطيع فهم آلية العمل في هذه البلاد، وكي أتدرب
أكثر على لغتها حتى أتمكن من إيجاد عمل تعيش به عائلتي في أسرع وقت، لكني كلما دخلتها
أحس أنني في منام وأن عليّ أن أستفيق وأن أذهب إلى صيدليتي هناك، صيدليتي التي
حملت اسمي أكثر من عشرين عاما، والتي كانت تصنع لأطفالي أجمل حياة ومستقبل، وكنت
كلما فتحت بابها صباحا أتساءل كم وجها أحبه سأرى، وكم قلبا جديدا سأربح هذا اليوم.

أبدأ عملي وأستنجد
به أن يشغلني قليلا عن ذاكرتي، لكن علب الدواء تشدني من قلبي، هذا الدواء كان عندي،
وكان يستعمله جاري الطيب قبل أن تأتي القذيفة وتقدم له الشفاء التام. وهذا هو شراب
الأطفال الخافض للحرارة والذي كان الفرح يصل لكل خلية في جسمي حين كنت أقدمه بلا
ثمن لهؤلاء النازحين الذين جاؤوا إلى مدينتي هناك، والذين تركوا ملامحهم في بيوتهم
التي دمرت. أمسك علبة الدواء وأكتشف أني أصبحت الآن مثلهم نازحة وبلا ملامح.

يدخل الصيدلية طفل
مصاب بارتفاع حروري وصل لدرجة الاختلاج ومعه أمه الخائفة جدا ودون أن أفكر أو أن
أسأل أحدا أخذ الطفل من يدي أمه، أمضي به إلى
المغسلة، أحاول فورا خفض حرارته المحيطية، وأعطيه إبرة خافضة للحرارة بسرعة وأشرح
للأم بطلاقة سبب إعطائها، اخلع عن الطفل المرتجف ملابسه وأحاول تغطيس كل جسده
بالماء الفاتر، بعد دقائق تبدأ حرارة الطفل بالهبوط تدريجيا لأقول لوالدته أنه يجب
أن يراجع الطبيب فورا كي نعرف سبب الحرارة، وعندها أكتشف اندهاش كل من في الصيدلية
من سرعة تصرفي، ليقولوا لي كأنك لم تكوني في وعيك كنت تتصرفين بسرعة وثقة ولا
تسمحين لأحد منا بالتدخل ولقد تكلمت بطلاقة وجدية لكنك كنت تخاطبين الطفل بلغتك
أنت وبكل حنان. الصيدلاني، صاحب الصيدلية، يقول أنه خائف مما تصرفت وأنه كان يجب
أن أرسله للطبيب فقط، أحاول مناقشته، لكنني أتلعثم. بعد قليل، والدة الطفل تعود مع
طفلها لتقول أنها جاءت لتشكر الصيدلانية التي كانت تتكلم اللغة بغرابة قليلا، فقد
قال لها الطبيب أنني أنقذت ابنها، وتسألني: من أي بلد أنت؟ وأين تعلمت كل هذا؟ غصة
خانقة وتنهيدة تملأ روحي قبل أن أستطيع الإجابة، وقبل أن أقول لها كيف كان وضع
الأطفال في مدينتي أثناء حصار قوات النظام لها. يجيبها الصيدلاني “هي من
سوريا. هل تعلمين، لقد هربت مع عائلتها من بطش الحرب”، لكن المرأة الأم تبكي
وتقول “يا إلهي، المرأة القادمة من بلد الموت أنقذت ابني”.

ينتهي اليوم، أعود
لعائلتي، أجلس إلى لابتوبي، يجب أن أكتب زاويتي هذه في الجريدة، العمل الذي نعيش
به حتى الآن، لكن القصة تكتبني، وأنا أتفقد تفاصيل حياتي الحقيقية التي سأدخلها
عند النوم.

شاهد أيضاً

القصف أسفر عن ضحايا - الدفاع المدني

مقتل عشرات العناصر من “داعش” بينهم بلجيكي بقصف للتحالف في دير الزور

قتل نحو 28 عنصراً من تنظيم “داعش” الإرهابي، وأصيب آخرون، اليوم السبت، نتيجة قصف جوي …

لوحات حديثة للسيارات في مدينة الباب بريف حلب

أعلن “المجلس المحلي في مدينة الباب” الواقعة في ريف حلب الشمالي الشرقي، عن إطلاق مبادرة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

sixteen − 14 =